علماء العراق في المهجر: ثروة مهملة من قبل حكومات التفاهة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
حين تكتب الشعوب تاريخها، غالباً ما تحتفي بعلمائها، وتفرد لهم صفحات من المجد والاعتزاز، لأنهم عماد النهضة، وبناة المستقبل. أما في العراق، فلنا مع هذه الحقيقة قصة مؤلمة، متكررة، تختلط فيها الغربة بالحسرة، والكفاءة بالتجاهل، والوفاء بالإقصاء. لقد صار من البديهي، بل من المفارقة الساخرة، أن العلماء العراقيين لا يُحتفى بهم في وطنهم، بل يُهمَلون، ويُستبعدون، بل يُهاجَمون أحيانًا، لا لشيء إلا لأنهم يمثلون ما يُخيف السلطة الغارقة في الفساد والتفاهة: الكفاءة.
الهجرة القسرية للعقل العراقي
منذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت موجات هجرة الكفاءات العراقية تتصاعد، متأثرة بالتقلبات السياسية والقمع والاستبداد، ثم جاءت الحروب العبثية المتلاحقة التي حوّلت العراق إلى محرقة لا تطاق للعقل والمبادرة. لكن الحدث الفاصل كان الاحتلال الأميركي عام 2003، وما تبعه من انهيار ممنهج لمؤسسات الدولة، وصعود طبقة سياسية هجينة، فاقدة للرؤية، متخمة بالولاء الحزبي والطائفي، لا تفهم معنى التنمية ولا تحترم العقل.
ففرّ العلماء من جامعاتهم ومراكز أبحاثهم، تحت التهديد المباشر أو الإقصاء الممنهج. بعضهم اختُطف أو اغتيل، وبعضهم اعتُقل أو شُوّهت سمعته، وكثيرون رحلوا بصمت، حاملين معهم وجعهم ومعارفهم إلى المهاجر، حيث احتضنتهم دول أخرى، واستثمرت فيهم، ومنحتهم المناصب التي يستحقونها.
علماء في المنفى… ومهملون في وطنهم
ما من بلد في العالم يملك هذه الكمية من العقول المهاجرة المؤهلة تأهيلاً رفيعاً في الطب والهندسة والفيزياء والاقتصاد والتكنولوجيا والإدارة والعلوم الإنسانية، ثم يعاني في الوقت ذاته من تدهور مريع في هذه المجالات، كما هو الحال في العراق. هل يُعقل أن يكون لدينا هذا الكم من العلماء العراقيين الذين يشغلون مناصب متقدمة في كبريات الجامعات والمؤسسات البحثية في أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا ودول الخليج، بينما تُدار وزارات التعليم العالي والتخطيط والصحة والزراعة في العراق بأشخاص لا يمتلكون أدنى مقومات الإدارة أو الفهم العلمي، بل غالبًا ما يحملون شهادات مشكوكًا في نزاهتها، ناهيك عن انتماءاتهم الحزبية الضيقة التي تجعل من كل ملف تنموي مشروعاً للنهب أو وسيلة للترضية الطائفية؟
لقد صار واضحًا أن حكومات ما بعد 2003 تعادي النخبة، وتخشى العقل النقدي، وتستبدل العالم الصادق بمُنفذ مطيع، وتُقصي كل من لا ينتمي إلى شِلَّتها أو لا يقبل أن يكون جزءًا من منظومة الفساد المتشعبة.
من التفاهة إلى التخريب الممنهج
في كتابه “نظام التفاهة”، وصف الكندي آلان دونو كيف تستولي الرداءة على مفاصل الدولة حين يصبح التفاهة معيار الصعود الاجتماعي والسياسي. ينطبق هذا الوصف تمامًا على ما جرى في العراق، حيث تسللت الرداءة إلى كل مؤسسة، لا سيما الجامعات والمعاهد البحثية، التي كانت، حتى وقت قريب، منارة للعلم في الشرق الأوسط.
القرارات الأكاديمية باتت تُتخذ بناءً على المحاصصة، لا الكفاءة. التعيينات الإدارية تُمنح للموالين، لا للمؤهلين. البحوث تُستنسخ، وتُباع الشهادات، وتُمنح الدرجات العلمية لمن لا يفقهون ألف باء البحث العلمي. وفي هذا المناخ الفاسد، كيف يمكن لعلماء المهجر أن يعودوا؟ بل كيف يمكن دعوتهم بصدق، إذا لم تكن هناك بيئة تحترمهم، أو دولة تضمن لهم استقلالهم وكرامتهم؟
دعوات شكلية… بلا مضمون ولا إرادة
منذ سنوات، نسمع تصريحات من مسؤولين حول “أهمية الاستفادة من كفاءات المهجر”، وتعقد مؤتمرات مكررة في بغداد، تحت عناوين براقة، لكنها سرعان ما تتبدد في الهواء، لأنها ليست سوى مناسبات دعائية تفتقر إلى أي استراتيجية أو نية حقيقية. يُدعى البعض، يُلتقط لهم الصور، ثم يُعادون من حيث أتوا، دون أن يُؤخذ برأيهم، أو يُستفاد من خبراتهم.
إن تحويل هذه “الثروة الوطنية” إلى مجرد ديكور إعلامي، هو إهانة لا تغتفر، وإهدار لفرصة تاريخية لإنقاذ العراق من وهدته.
الحل ليس صعبًا… لكنه يحتاج إرادة
ليس من المستحيل استعادة هذه الطاقات أو التواصل الجاد معها. لكن ذلك يتطلب أولًا اعترافًا سياسيًا بأن العراق بحاجة إلى علمائه، وأن لا نهضة بدونهم. ويتطلب ثانيًا كسر قبضة الأحزاب والطوائف على مفاصل القرار الأكاديمي والعلمي. ويتطلب ثالثًا إنشاء هيئة وطنية مستقلة، ذات تمويل وصلاحيات حقيقية، تكون معنية بجذب الكفاءات العراقية في الخارج، وتنسيق عودتهم، أو خلق آليات للتعاون معهم عن بعد.
فالعراق لن ينهض بشعارات جوفاء، ولا بالمجاملات، ولا بوزارات تسكنها العشائر والمليشيات. إنه بحاجة إلى نهضة فكرية ومؤسسية، تنطلق من العقل والعلم، لا من الخرافة والتفاهة.
كلمة أخيرة…
لكل عالم عراقي في المهجر أقول: لم يخسركم الوطن، بل خسر نفسه بفقدكم. لكن صوتكم لا يجب أن يخبو. تكلّموا، واكتبوا، وواجهوا، وكونوا ضمير هذه الأمة في زمن الانحدار. فربما يأتي يوم تُفتح فيه أبواب العراق لكم لا كضيوف، بل كقادة للعلم والتنوير
2025-05-31
