عقد على الفوضى” الخلّاقة” في ليبيا! الذاكرة المورقة. الورقة الثانية . سلام مسافر . وصلنا النقطة الحدودية ( أبو جدير) في ظهيرة، دافئة، تزداد سخونة، بسبب زحام السيارات، القادمة من الأراضي الليبية، وعلى وجوه ركابها، علامات ذعر ، وهلع مكبوت، وشفاه متيبسة، كأنهم قطعوا الصحراء مشيا على الأقدام ، وتاهوا بحثا عن ماء. ليبيون بالزي الأوربي ، وآخرون بالازياء المحلية، لحى شعثاء ، ونسوة يتشحن السواد، وكأن ليبيا كلها، خرجت في مأتم تبدأ سرادقه من طرابلس الغرب مرورا ببنغازي، وصولا الى الحدود التونسية؛ التي تبدو خضراء على حافة مدن الملح. كان يصعب تمييز، الليبي من غيره، فقد ضّيع الحزن والقلق، الملامح، وبدت كل الوجوه كالحة، تزيدها قتامة عربات نقل كبيرة، تنوء بأفارقة، يحملون أسمالا هي كل ماتبقى من ذاكرة مثقوبة عن نعيم الجماهيرية البائد ، وملك ملوك أفريقيا ؛ كما كان يحلو للعقيد مغازلة القارة السمراء ساعيا للتربع على عرشها بالبترودولار، والحروب العبثية، واستضافة السحرة والمشعوذين . قبل ان نجتاز الحدود التونسية، أوقفنا الحرس الليبي طالبا ، إعتمادا صحفيا لفريقنا التلفزيوني، ولم تنفع هوياتنا في اقناعهم بالعبور الى الداخل . اصروا على عودتنا الى تونس العاصمة والاتصال بالمكتب الشعبي ( السفارة ) الليبية، واكدوا لنا ان الطيران بين تونس وطرابلس ما يزال مفتوحا، وان رحلة يومية ما تزال متاحة الى اليوم. خاطبنا ضابط ليبي بمودة: الأفضل مع معداتكم الثمينة، ان تسافروا جوا، فالطريق البري لم يعد آمنا . قفلنا عائدين الى تونس العاصمة، بعد ان أجرينا، اتصالا مع السفارة الروسية في طرابلس، وسمعنا منهم أيضا ان الاجواء بين ليبيا وتونس ما تزال مفتوحة وان الرحلة الجوية أكثر أمانا. في مطار تونس، تضاحكت شرطيات يقطرن جمالا، يسالن عن عرسان من روسيا،إحداهن تحفظ مقطعا من أغنية ” كاتيوشا” الروسية الشهيرة، واخبرت ان شقيقها يدرس في مدينة روسية، تعرف انها نائية، لكن لا تحفظ اسمها، وانه يبعث لها بصور عن شبان روس حلوين ” بالزاف” و تحلم بالعيش وسط ثلوج سيبيريا! المصور ديمتري، عرض على الفور خدماته، محاولا إخفاء صلعة؛لا تتناسب ومواصفات العريس المطوب، وحصل على وعد بلقاء: ” اذا خرجنا أحياء من ليبيا”. كركرت شرطيات الرئيس الهارب زين الدين بن علي متمنيات لنا السلامة في ليبيا الملتهبة بالتظاهرات متاثرة بعدوى الربيع التونسي . وحين حلقت بِنَا الطائرة، بدت تونس خضراء.. خضراء وصدح في مخيلتي لحن فريد الاطرش وكلمات بيرم التونسي تونس أيا خضرة يا حارقة الأكباد غزلانك البيضة تصعب على الصياد غزلان فى المرسى ولا فى حلق الواد. هبطنا في مطار طرابلس، بعد رحلة استغرقت اكثر من ساعة بقليل، كان مزدحما بالمغادرين، غالبيتهم أفارقة، وأجانب من جنسيات مختلفة، لم نلحظ أوربيين. فقد أكملت البعثات الأوربية سحب رعاياها من ليبيا، فيما احتفظت روسيا الاتحادية بطاقم السفارة، والقنصلية في طرابلس، وتميز سفير موسكو ، المستعرب فلاديمير تشاموف بين نظرائه في السلك الدبلوماسي الاجنبي، بالحيوية والنشاط. كان يتابع عن كثب تطورات الوضع في بلد، تستعد قاذفات (بي 52 ) لالقاء حمم الموت والدمار على منشآته الحيوية وبناه التحتية. لقد عاش، السفير الذي يتقن الى جانب العربية، الإنكليزية والفرنسية، محنة الشعب العراقي، بعد الاحتلال، فقد عُين سفيرا في بغداد بعد الغزو ، وشاهد بأم عينيه، حجم الخراب الذي حاق بأرض السواد، على يد المحتل اليانكي. كان يشعر بمسؤلية أخلاقية وإنسانية، عدا السياسية، للعمل على درء خطر العدوان القادم في ليبيا. وحين أمتنعت موسكو، عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي، بحضر الطيران على الجماهيرية ، وإمكانية القيام بعمليات عسكرية ، أعتبر السفير موقف بلاده، ناقصا، وتمنى لو انها أسقطت القرار باستخدام حق النقض ( فيتو) وجنبت الليبيين مصيرا واجهه العراقيون، ويدفعون الثمن الى اليوم، كما الشعب الليبي. لم يخف فلاديمير تشاموف، امتعاضه من موقف الرئيس الروسي آنذاك أناتولي ميدفيديف؛ الذي كان يسعى الى شراكة مفتوحة وقوية مع الولايات المتحدة والغرب، إمتدادا لنهج اول رئيس لروسيا؛ بعد انفراط عقد الإتحاد السوفيتي، بوريس يلتسين؛ فيما كان فلاديمير بوتين، الذي شغل حقبة ميدفيديف، منصب رئيس الحكومة، بصلاحيات دستورية ، تقل كثيرا عن صلاحيات رئيس الدولة، يشك في مقولة ان الغرب وزعيمته الولايات المتحدة، على أستعداد فعلي لشراكة حقيقية ومتكافئة مع روسيا الأوراسيوية. بين النظرتين، ضاع العراق وضاعت ليبيا، وفقد السفير الموهوب منصبه. كان فلاديمير تشاموف ، التقى مع سفيري الصين والهند في طرابلس بالعقيد القذافي، قبل ساعات من صدور قرار مجلس الأمن الدولي في الخامس عشر من اذار/ مارس 2011، ولم يتمكن من إبلاغ الخارجية الروسية؛ بانه ذاهب للاجتماع مع الزعيم الليبي بناء على طلب عاجل. في تلك الساعات كانت وكالات الأنباء ، تتناقل تصريحات للرئيس اناتولي ميدفيديف، تصف القذافي بالطاغية، وتحذر من قمع الاحتجاجات الشعبية المندلعة في بنغازي ومدن ليبية أخرى. ومع ان السفير، اطلع على التصريحات، الا انه لم يجد من اللياقة الدبلوماسية، الامتناع عن تلبية طلب الرئاسة الليبية، لقاء العقيد القذافي، الذي قال لسفراء موسكو والهند والصين، لتدخل بلدانكم ليبيا من أوسع الأبواب ؛ فانتم الحلفاء والشركاء ، بعد ان شعر بخديعة الغرب الذي توهم ان بلاده دخلت معه في شراكة نزيهة ، و كشف أمام واشنطن ملف ليبيا النووي، ودفع تعويضات مجزية لضحايا طائرة لوكربي، وسلم المتهمين بتفجيرها، وأستقبل سمراء الدبلوماسية الاميركية، كوندليزا رايس في خيمته بطرابلس، وتغزل بها شعرا، وخاطب الرئيس باراك حسين أوباما ، بابننا مبروك! عاد السفير تشاموف من خيمة القذافي ، وبعث على الفور برقية مشفرة، لخص فيها مضمون اللقاء مع الزعيم الليبي، وأكد على ضرورة الوقوف معه، حفاظا على المصالح الليبية المتحققة بعقود تصل الى تسعة مليارات يورو، والواعدة بأضعاف منها. لكن موسكو، ذلك الحين، لم تكن تلتفت لعلاقاتها الثنائية مع حليف يفتح الابواب واسعة أمام التعاون متعدد الوجوه؛ بل تصيخ السمع للشركاء الغربيين. يتبع… سلام مسافر