عصر الشيطان .. ونُذر الطوفان – 3
د. عمر ظاهر
حسبنا لسنوات طويلة أن مملكة المومياء، السعودية، ستزول ذات يوم من الوجود. وربما شجّعنا على ذلك الحساب ما رأينا من خرائط سرية يتم تسريبها من دوائر استخبارات دول الرأسمالية الغربية. كانت تلك الخرائط تظهر مملكة المومياء الحالية وقد جرت تجزئتها إلى عشر، أو اثنتي عشرة دويلة قبلية. توهمنا أن تقسيم مملكة المومياء كان جانبا من مخطط الشرق الأوسط الجديد. ومعظمنا ربط بين زوال مملكة المومياء وبين نفاد النفط فيها. هكذا كنا نجادل: الغرب يحافظ على هذا الكيان الموميائي حاليا لاقتضاء مصالحه، وتحديدا حاجته إلى النفط، وساعة ينفد النفط تعاد المومياء إلى مكانها في متحف التاريخ. وغير ذلك، فإذا انتهى النفط ماذا سيبقى في السعودية من موارد اقتصادية حتى يكون لها كيان سياسي؟ إنها ستعود إلى الأيام التي كانت تعتاش فيها على دعاء إبراهيم {ربنا إني اسكنت من ذريتي في واد غير ذي زرع ..} فينتظر الناس فيها موسم الحج كي يأكلوا من أضحيات الحجاج، ومن صدقاتهم.
هذا الوهم هو أحد تجليات الصراع بين منطق أرسطو ومنطق إبراهيم، فالغرب علم أبناء إبراهيم منطقه القديم، وأوهمهم أنهم صاروا يعرفون تفكيره المنطقي، ومسارات سلوكه العقلاني، في حين أنه تجاوز منطقه الموروث إلى منطق جديد قطع صلة الوصل بينه وبين أسلافه الصالحين. نظرة معمقة إلى أبجدية الصراع بين ورثة أور وورثة أثينا كافية لإقناعنا بأن مملكة المومياء، وفق المنطق الرأسمالي الجديد لورثة أثينا، باقية بقاء الحضارة الرأسمالية الغربية، لأن وجودها يعتبر من المقومات الأساسية لهذه الحضارة. بدون السعودية ستكون الحضارة الرأسمالية الغربية في أزمة أخلاق وضمير تنشأ عن صورة هذه الحضارة في أعين أبنائها قبل غيرهم.
النفط؟ متى كان النفط، حقا، عائقا أمام الرأسمالية، إن هي أرادت تفتيت الدول، وسحق الشعوب؟ العراق مثال شاخص أمام أعيننا، فحين قرر مشعوذ الحرب الصليبية الأمريكي تدمير العراق لم يفكر ولو للحظة بمصير النفط، فمع خطط تدمير البلد، وسحق الشعب العراقي كانت لديه خطط لتأمين تدفق النفط من العراق، ليصب في جيوب نسل الخنازير من أمثال دك تشيني وبول بريمر. النفط العراقي يتدفق اليوم حتى عبر خط كركوك-حيفا إلى إسرائيل رغم أن العراق مشتعل بحروب طائفية، وعرقية، من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله.
النفط؟ دول الرأسمالية الغربية فرضت على إيران عقوبات اقتصادية قاسية لسنوات دون أن تبالي بنفطها. أمريكا بإمكانها، إن هي شاءت، أن تقيم في السعودية نظاما “ديمقراطيا” كما فعلت ذلك في العراق، وتضمن في الوقت نفسه تدفق النفط إليها دون نقصان قطرة واحدة عن اليوم.
أمريكا لن تفعل ذلك. لا انتهاكات مملكة المومياء لحقوق الإنسان، ولا نفاد النفط، ولا أي إثم ترتكبه هذه المومياء يمكن أن تنتقص من أهميتها وضرورتها بالنسبة إلى الحضارة الرأسمالية الغربية، وحتى عندما ينضب النفط في شبه الجزيرة العربية لن ينتهي دور مملكة آل سعود باعتبارها من مقومات هذه الحضارة، بل إن الغرب سيقوم بنفسه، بعد مرحلة النفط، بتمويل وجود هذه المومياء، وإبقائها على قيد الحياة.
لماذا؟ لسبب لا مكان له في منطق سليم، لا منطق أرسطو ولا منطق كونفوشيوس، ألا وهو أن وجود دولة المومياء هو مقياس لرقي الحضارة الغربية.
المنطق هو: أنا جميل طالما هناك من هو أقبح مني. ويسستتبع هذا المنطق أن تُبقي الرأسمالية القبيحة على ما هو أقبح منها، وتسعى إلى جعله أقبح، وأقبح، وأقبح ألف مرة لتبدوهي دائما جميلة إلى جانبه. كلما يصبح النظام الرأسمالي أقبح يبادر إلى جعل السعودية أشد قبحا، فيبقى محافظا على جماله في أعين الناس. الجمال الرأسمالي مسألة نسبية.
النظام الاقتصادي/ السياسي الرأسمالي همجي فوق ما نتصور، ولكي يبقى على قيد الحياة فإنه قسّم العالم إلى قسمين، الشعوب التي تحت سيطرته مباشرة، الغربية، ويجب عليه أن يكسب رضاها، ويشتري سكوتها، بأن يبدو جميلا في أعينها قياسا إلى ند قبيح؛ والشعوب خارج سيطرته، الشرقية، والتي يجب أن يعاملها بالنار والحديد، ومنها شعوب الشرق الأوسط.
هنا يكمن سر حاجة هذا النظام إلى مملكة المومياء، فالنظام الرأسمالي يقول لشعوب الغرب أنه نظام جميل رغم كل شيء، وإن هم لم يصدقوا فلينظروا إلى السعودية وشريعتها. يبدو النظام الرأسمالي القبيح في أعين الناس جميلا عند مقارنته بهذا النقيض الشديد القبح الذي هو في حقيقته جزء من قبح النظام الرأسمالي، وليس نقيضا له.
أي شيء في العالم أشد قبحا من مملكة المومياء السعودية؟ وأية مملكة في العالم، غير السعودية، مؤهلة لتصبح أقبح وأقبح، ولها كل الموارد والمؤهلات اللازمة لجعلها أقبح ما في الدنيا؟ خذ على سبيل المثال، لا الحصر، شيوخ الإفتاء الذين لا تخرج كلمة من أفواههم إلا وهي ممرغة بالتخلف، ومسربلة بمعاداة الإنسانية. هؤلاء ماكنة عملاقة لإنتاج التخلف، والإرهاب، والأكاذيب، والافتراءات على إرث إبراهيم.
وأكثر من ذلك، فالسعودية ليست مجرد مملكة قبيحة، بل هي تدعي أنها تمثل بشريعتها كثيرا من تلك الشعوب التي ترى الرأسمالية أن من حقها أن تعاملها بالنار والحديد.
النظام الرأسمالي بحاجة إلى أن تبقى السعودية على قيد الحياة لأنها قبيحة، وأشد قبحا منه هو، وهو بنفسه يبرز قبحها وقبح شريعتها ليل نهار في إعلامه الشيطاني، في نفس الوقت الذي يضخ فيها إكسير الحياة عبر دعم سياسي لم يقبل الأمريكان تقديمه حتى لأبناء جلدتهم الأوروبيين لمواجهة الألمان في الحرب العالمية الثانية، وتركوا هتلر يسوي أوروبا بالأرض، ويتسبب في قتل خمسين مليون إنسان أوروبي قبل أن تأتي الشركات الأمريكية لإعادة بناءالقارة، والهيمنة على مقدرات شعوبها.
أهمية مملكة المومياء، السعودية، باعتبارها النقيض الشديد القبح المثالي للرأسمالية يمكن تلخيصها في بعض النقاط الرئيسية:
أولا، السعودية تعني الشريعة، والشريعة تعني الإسلام، فكل قبح السعودية يمكن إسقاطه على الإسلام كافة، فلا تكون السعودية وحدها نقيض الحضارة الغربية، بل الإسلام جملة وتفصيلا هو النقيض. ومع أن الإسلام موجود بقوة في بلدان عديدة تحقق تقدما مذهلا علميا، واجتماعيا، واقتصاديا، وتكنولوجيا – تركيا، وإيران، وماليزيا، وفي عشرات البلدان المسالمة، لكن حكمة أحفاد سقراط تقتضي أن تكون السعودية الإرهابية وشريعتها وحدها ممثلة للإسلام، ومنطق أحفاد أرسطو الجديد يقول إن السعودية يجب أن تبقى.
ثانيا، السعودية، على عكس ما كان يشكله النقيض السوفيتي في القرن الماضي، مجرد حشرة ضخمة غير مؤذية للغرب إيذاء فعليا، ولا تشكل مصدر خطر عليه. إنها حشرة قبيحة وحسب، وصورتها القبيحة فيها خير كثير. إنها تثير اشمئزاز كل إنسان، خاصة في الغرب، فيتغاضى عن قبح النظام الرأسمالي لأن قبح هذا النظام يصبح قابلا على الهضم قياسا إلى قبح السعودية.
ثالثا، شريعة السعودية، وإسلامها وإرهابها، يمكن تصديرها إلى أي مكان في العالم، وبذلك يكسب الغرب حلفاء في كل العالم بفضل الإرهاب السعودي الذي يسهل الغرب هو بنفسه تصديره، وتسويقه، وتدريبه.
وكذلك فإن صورته في تلك الأماكن أيضا تبقى زاهية قياسا إلى صورة السعودية وإرهابها.
رابعا، السعودية، ومرة أخرى على عكس النقيض السوفيتي، هي القبح الكامل، وليس فيها شيء إلا وهو قبيح، فهي مكمن لمئات الآثام القبيحة التي يمكن إبرازها تباعا وعلى مدى قرن.
واتخاذها وشريعتَها وبالتالي إسلامَها كله نقيضا للغرب سيجعل النظام الرأسمالي الغربي يبدو دائم الجمال إلى جانبها، فإذا أخذنا مئة خاصية لكل منهما، تكون كلها قبيحة على الجانب السعودي، وإذا كان على الجانب الرأسمالي فقط خمسة أشياء حسنة، يبقى النظام الرأسمالي خيرا من السعودية، أي من الشريعة والإسلام.
حفاظ الرأسمالية الغربية على السعودية هو تجسيد لمنطق ما بعد أرسطو (Post-Aristotelian Logic)، فالسعودية هي شيء قبيح منتهى القبح في جزئياته وفي كليته، لكنه نافع كل النفع في جزئياته وفي كليته. وبالتالي فهو القبيح النافع بجزئيته وبكليته.
ولهذا يجب أن نبقي عليه بكليته لينفعنا، ونعرض على الملأ كل يوم جزئياته القبيحة، لينفعنا أيضا.
لنضرب بعض الأمثلة:
السعودية، ووفقا للشريعة تقتل بقطع الرؤوس. نحن في الغرب نشمئز من ذلك لأننا متحضرون، ونقتل بطريقة رحيمة، مثلا باستخدام اليورانيوم المنضب.
السعودية تهاجم المستشفيات في اليمن عمدا وعن سابق إصرار. نحن نهاجم المستشفيات وملاجئ الأطفال، مثلا ملجأ العامرية في بغداد، عن طريق الخطأ.
السعودية همجية، وتفرض على هواها الحصار على شعب اليمن، وتجوعه. نحن نحاصر الشعوب، ونقتلها من الجوع باستصدار قرارات من مجلس الأمن.
السعودية تجلد من يقول بيت شعر، أو كلمة يفهم منها الكفر. نحن في الغرب عندنا حرية التعبير، خاصة في محاربة الإسلام، والسخرية من نبيه، بل إننا نجعل الإسفاف في “نقد” الإسلام طريقا إلى الشهرة والغنى.
السعودية ترجم النساء، وتمنعهن حتى من قيادة السيارات. ونحن في الغرب عندنا حرية جنسية لا حدود لها لهذا أصبحت صناعة الأفلام الإباحية عندنا أكبر قطاع لتشغيل النساء، خاصة الفتيات الشابات.
السعودية تصرف نصف ميزانيتها على عدد من التيوس يعدون على أصابع اليدين، يسمونهم الأسرة المالكة. نحن عندنا بضع مئات ممن يملكون الملايين، أو المليارات، فنحن أفضل حتى لو كان مئات الملايين من مواطنينا يعملون من أجل قوت يومهم لا غير.
السعودية، ورغم غناها، يعيش نصف سكانها تحت مستوى الفقر، بينما في أمريكا ليس هناك أكثر من عشرين مليون إنسان فقط ينامون على أرصفة الشوارع.
في ظل الشريعة ليس هناك إعلام حر في السعودية. بينما نحن عندنا عشرات، بل مئات المؤسسات الإعلامية العملاقة الحرة التي تهيمن عليها الصهيونية “التقدمية الحضارية”.
السعودية تحكم على المواطنين بالجلد لمجرد وشاية بأنهم كفروا. نحن لا مكان للوشاية والنميمة عندنا، بل عندنا الخبر اليقين لأننا بفضل السعودية فرضنا قوانين الإرهاب التي تتيح لنا مراقبة الناس، والتنصت على مكالماتهم الهاتفية، وبريدهم الالكتروني، وما يكتبون على وسائل التواصل الاجتماعي، فتصبح إدانتهم بالجرم المشهود إن أردنا.
السعودية ليس فيها انتخابات، بينما نحن لا يصل إلى الحكم عندنا أحد من دون انتخابات، فماذا يضر لو أن مجموعات الضغط والدعاية الممولة بسخاء هي من أوصلته إلى الحكم ليرعى مصالح رأس المال؟
في السعودية يقرر الأمراء الجهلة سياسة البلد، بينما عندنا ينفذ المثقفون الكبار السياسة التي تخدم رأس المال.
السعودية لها بنوك منافقة تدعي أنها غير ربوية مع أنها تأخذ الربا، أما نحن فشرفاء ونقول للناس علانية أن حياتنا الاقتصادية قائمة على الربا الفاحش.
السعودية هي سلاح للدمار الشامل يقع اللوم في تصنيعه على الشريعة والإسلام، عدونا اللدود. نحن لا نفعل شيئا غير استخدام هذا السلاح، وموارده وخزينه من الإرهابيين، لإبادة الشعوب المسلمة المارقة، الخارجة عن إرادتنا، فالدمار منهم وإليهم.
في المحصلة سيبقى النظام الرأسمالي جميلا مهما قبحت أعماله طالما هناك مومياء من عصور ما قبل التاريخ نجعله بأنفسنا ندا لنا في أعين شعوبنا، وننفخه حتى يبدو ضخما، وإن كان مجرد حشرة قبيحة.
أيها الإخوة العرب، قد ترون أنتم السعودية شرا مطلقا، لكنها في نظر النظام الرأسمالي الغربي الخير المطلق بعينه.
إذا بنيتم آمالكم في زوال السعودية على منطق الغرب وعقلانيته، فأبشروا ببقائها طالما بقي النظام الرأسمالي لأنها المرآة التي ترى فيها شعوب البلدان الرأسمالية جمال هذا النظام الهمجي.
لكم بصيص من أمل إن أنتم بنيتم أمنياتكم بزوال السعودية القريب، إن شاء الله وبحوله وقوته وصادق وعده، على منطق إبراهيم الذي لا يربط وجود وبقاء قوم بمصالح الرأسمالية، وستراتيجياتها، بل بالإفساد في الأرض {ألم ترى كيف فعل ربك بعاد، إرمَ ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد} (الفجر: 6-14).
من يدري فقد يكون سوط العذاب قاب قوسين أو أدنى من مملكة المومياء التي هي وريثة كل أولئك المفسدين.
والسلام على إبراهيم.
2016-03-15