عشية انعقاد الدورة 34 للمؤتمر القومي العربي:
المؤتمر والكتلة التاريخية ( 4 )
معن بشور
كانت ولادة المؤتمر القومي العربي في نيسان/ ابريل 1990 في تونس نتيجة جهود فكرية وسياسية تعود الى ثمانينات القرن الماضي مع مشروع “استشراف مستقبل الوطن العربي” ، الذي اطلقه مركز دراسات الوحدة العربية ، واستغرق سنوات من الندوات والدراسات للواقع العربي وافاق تطوره ، وللاحتمالات المستقبلية التي تحبل بها الامة العربية ، وتوجها المركز بوجها بمبادرة كبرى شارك فيها عشرات المفكرين والباحثين والممارسين العرب من كافة ارجاء الوطن العربي ، اطلقها من مركز دراسات الوحدة العربية ، ومديرها العام الراحل الدكتور خير الدين حسيب ، ونخبة من المؤسسين البارزين على ألمستوى الفكري والنضالي العربي من المحيط الى الخليج..
وبعد محاولات ومناقشات وندوات استغرقت عدة سنوات وصل المشاركون الى جملة خلاصات ، ابرزها ان نجاح السيناريو الأفضل لمستقبل الامة مرهون بأمرين رئيسيين ، اولهما اطلاق مشروع نهضوي عربي ، وثانيهما ، بناء كتلة تاريخية من مناضلين ومفكرين وسياسيين مؤمنين بهذا المشروع ، وساعين الى تعبئة طاقات الامة، ومن كل تياراتها ، والمؤمنين باهداف هذا المشروع ، بغض النظر عن خلفياتهم العقائدية ، قومية ديمقراطية ، أم اسلامية منفتحة ، أم يسارية عربية ، أم ليبرالية وطنية.
وفي الوقت الذي كان العمل منكباً على اعداد المشروع النهضوي العربي عبر ندوات ومؤتمرات ونقاشات ، كان ابرزها “ندوة فاس” الكبرى عام 2002 في المغرب ، وما تلاها من ندوات مصغرة حتى الإعلان عن المشروع في 22 شباط/فبراير 2010 (الذكرى ال52 لميلاد الوحدة بين مصر وسورية) وبعدها أعلن في بيروت في مؤتمر صحفي حاشد قدمه كل من الراحل الدكتور خير الدين حسيب والمفكر المغربي الذائع الصيت الدكتور عبد الاله بلقزيز وكاتب هذه السطور.
كان المشروع اعلاناً للعناصر الست التي يسعى لتحقيقها ، وهي الوحدة العربية والديمقراطية والاستقلال الوطني والقومي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري ، مع التأكيد على انه مشروع قابل للتطوير والاغناء مع تطورات الأحداث في الامة.
كانت عناصر هذا المشروع الست التي تبناها على مدى عقود كافة النهضويين العرب هي المرتكزات الأساسية التي قام عليها المؤتمر القومي عام 1990، مشدداً على أنه ليس حزباً جديداً ، بل هو اطار للتواصل وللتفاعل بين حزبيين من كل التيارات النهضوية ، ومفكرين ومناضلين مستقلين ، بل وحريصين على استقلالية المؤتمر عن كل نظام رسمي عربي ، على قاعدة ان لا تبعية ولا عداء مع الواقع الرسمي العربي.
من هنا نجح المؤتمر في دوراته السنوية ان يحدد موقفه المبدئي والمسؤول من كل قضايا الامة فيما اسماه بتقرير سياسي “حال الامة” وعبر بيانات ومبادرات لا تترك قضية رئيسية لا يكون للمؤتمر رأي فيها ، تاركاً مهمة التعامل الميداني معها لاعضائه في الأحزاب والنقابات والمنابر الفكرية والثقافية والاعلامية داخل اقطارهم.
وكانت قضية فلسطين وكل ما يتصل بها من مقاومة ومواقف مبدئية هي عنوان اهتمامات المؤتمر منذ بيانه التاريخي المبكر عام 1991، المعترض على “مؤتمر مدريد للسلأم” ، وموقفه المتميز من رفضه للاحتلال العراقي للكويت ، ومساندته في الوقت ذاته للعراق في مقاومته للغزو الاستعماري ، والحصار والاحتلال الامريكي – البريطاني للعراق منذ عام 1990 حتى الغزو الاميركي عام 2003.
وتابع المؤتمر مسيرته في الانتصار لكل مقاومة عربية واسلامية للغزو الخارجي وللفتنة الداخلية ورفضه لكل عسف او قهر او استبداد ، محذراً على الدوام من استغلال توق الامة الى الحرية والكرامة لخدمة المخططات الاستعمارية المشبوهة ، متبنياً شعار “نعم للمطالب المشروعة ولا للأجندات المشبوهة” ، خلال ما سمي ب “الربيع العربي” ،
ولقد عرضت هذه المواقف المؤتمر الى حملات متعددة الجهات والأهداف لثنيه عن مواقفه المبدئية والبعيدة عن كل حسابات ضيقة طالما دفعت الامة ثمنها غالياً له ، بل واجه المؤتمر بسبب استقلاليته ومبدئيته حصاراً سياسياً واعلامياً ومادياً وصل الى حد وضع اسماء بعض مؤسسيه على لوائح الملاحقة او عبر الإشاعات الكاذبة في بعض الانظمة بسبب مواقفهم الوطنية والقومية المستقله.
واذا كان المجال لا يتسع هنا للاشارة الى مختلف المواقف والمبادرات التي أطلقها المؤتمر في كافة القضايا المصيرية على امتداد الامة ، لاسيما قضايا المقاومة والعدالة والكرامة الوطنية. فأن للمؤتمر ان يفتخر انه لم يغب عن اعلان موقف من قضايا الامة والانسان في بلادنا ، تاركاً امر ملاحقة التصدي الميداني لهذه القضايا لاعضائه في كافة الاقطار والمهاجر ،وهو ما عرضه لحملات تشويه وتحريض من جهات تبدو احياناً متناقضة ولكنها متفقة على محاربة كل جهد يسعى الى ترجمة احلام الامة الى حقائق ، بل يسعى الى لم الشمل وتحصين الامة من كل الآفات والأمراض والعصبيات المريضة
حتى يمكننا القول ان الحملات على المؤتمر القومي العربي تعبّر عن رغبات دفينة تستهدف كل محاولة لرفع شأن الامة وتعزيز إرادة النهوض والتحرر فيها.
لقد نجح المؤتمر منذ تأسيسه في اطلاق روح الكتلة التاريخية وسعى عبر سعيه لتأسيس المؤتمر القومي_ الاسلامي، والمؤتمر العام للاحزاب العربية، ثم مؤسسة القدس الدولية، ثم المؤتمر العربي العام الذي ضم ايضاً الجبهة العربية التقدمية ويسعى اليوم الى ضم قوى وشخصيات جديدة لكي تتحول الكتلة التاريخية الى قوى فاعلة على مستوى الوطن الكبير كما على مستوى كل قطر عربي.
2-11-2025