عشية الدورة 34 للمؤتمر القومي العربي:
استقلالية المؤتمر (5)
معن بشور
كان مؤسسو المؤتمر القومي العربي يدركون عشية تأسيس المؤتمر عام 1990 ان أحد اسباب ازمة الحركة الشعبية العربية هي في ارتهانها لهذا النظام العربي او ذاك ، وان النظام العربي هو نظام حاكم في كيان قطري ، وانه مهما كانت نوايا حكامه ، قومية وجذرية ، فهم مضطرون لمراعاة الاعتبار القطري في سياساتهم ، فيما المسؤولية القومية تتطلب واجبات يعجز احيانا النظام القطري عن القيام به بمفردها.
من هنا اعتمد المؤتمر القومي منذ تأسيسه في علاقاته مع النظام الرسمي العربي على قاعدة ” لا عداء ولا تبعية ” ،فهو يؤيد هذا النظام بقدر ما يقترب من رؤيته ، ويختلف معه بقدر ما يبتعد عن هذه الرؤية.
لذلك عانى المؤتمر من أزمة سوء فهم من النظام الرسمي العربي حيث رأت بعض الانظمة، لاسيما تلك التي كانت تلتقي معه في الاهداف القومية العليا، في استقلالية المؤتمر عداء لها ، بل عمل بعضها الى تأسيس مؤتمرات بديلة غابت مع غياب تلك الانظمة، بل وحاصرته بأشكال متعددة ، والصاق تهم شتى به ، لتكتشف مع الزمن ان المؤتمر كان في مواقفه. لاسيما في لحظات تهديد تلك الانظمة من قوى استعمارية ، اقرب الى نصرتها من كثير من الجهات التي كانت ملتصقة به ، معبراً في ذلك عن موقف قومي وأخلاقي بات مفتقداً في العلاقات السياسية العربية.
طبعا كان لأستقلالية المؤتمر كلفة على غير صعيد ، ولكنه في استقلاليته كان يؤكد مبدئيته، التي هي مبرر وجوده، كما يؤكد صدقيته في التعامل مع التطورات المتلاحقة.
لا شك أن استقلالية المؤتمر كان لها كلفتها على فعالية المؤتمر ، وعلى قدرته في إطلاق وانجاح مبادرات ضرورية في مشروع نهوض الامة ، ولكنها في المقابل ساهمت في تعزيز صدقيته وسلامة توجهاته.
ورغم ما تعرض له المؤتمر من مضايقات وإشاعات واتهامات واقاويل ، لكن أحداً من المتحاملين عليه لم يتمكن من إثبات تهمة واحدة من اتهاماتهم الكاذبة، كما ان مواقفه القومية المتواصلة على مدى عقود ،والمعبّرة عن ضمير الامة ووجدانها كانت خير جواب على هؤلاء المتحاملين والمشككين.
ان استقلالية المؤتمر القومي العربي المرتبطة بمبدئيته واخلاقيته وبعد نظره تبقى علامة مضيئة في تجربته المستمرة منذ ثلث قرن ونيف ، اذ يكفي المؤتمر ان المئات من اعضائه يتكبدون نفقات سفرهم واقامتهم للمشاركة في دوراته السنوية ، في تعبير عن ايمانه بأهمية هذه التجربة الجامعة في زمن التفرقة على اساس قطري او عرقي او طائفي او مذهبي او فئوي.
والحفاظ اليوم على استقلالية هذه التجربة وعدم ارتهانها لأي جهة ، هو أحد أهم شروط استمرارها في أداء رسالتها والالتزام بمشروعها الحضاري العربي.
4/11/2025