عدالة مفقودة في ظل ديمقراطية مشوّهة – تجربة في استعادة الحقوق!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في أعقاب التغيير السياسي الذي شهده العراق عام 2003 إثر الغزو الأميركي، ساد اعتقاد لدى شريحة واسعة من العراقيين أن مرحلة جديدة من الإنصاف ستبدأ، تعيد الاعتبار للمتضررين من النظام السابق، وتمنح ضحايا القمع والحرمان فرصة استعادة حقوقهم. وقد تَجسّد هذا الاعتقاد في صدور مجموعة من التشريعات، من أبرزها قانون إعادة المفصولين السياسيين، وقانون تعويض السجناء والشهداء.
غير أن تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع شابهُ الكثير من الخلل، نتيجة خضوعها لتفسيرات انتقائية، ونزعة طائفية واضحة في آليات التنفيذ. وقد أدى ذلك إلى استفادة فئات محددة، بعضها لم يتعرض لأذى سياسي حقيقي، وإنما استثمر تلك القوانين لتحقيق مكاسب مادية أو حزبية. في المقابل، تم تهميش العديد من المستحقين الفعليين، خصوصًا من لم يحظوا بدعم قوى سياسية نافذة أو لم تُصنف خلفياتهم العقائدية ضمن الإطار المقبول لدى صُنّاع القرار الجدد.
وبناءً على نصيحة عدد من الأصدقاء والمعارف، قررت عام 2012 التوجه إلى العراق لتقديم طلب رسمي بغرض استعادة حقوقي التقاعدية باعتباري مفصولًا سياسيًا من البنك المركزي العراقي منذ عام 1976، وذلك نتيجة مواقفي الفكرية والسياسية. أرفقت طلبي بكامل الوثائق الرسمية، الصادرة عن جهات عراقية، والتي تثبت مغادرتي العراق تحت ظروف قسرية، وتؤكد انطباق القانون عليّ بصورة واضحة.
ورغم الجهد الكبير المبذول في إعداد الملف، فوجئت أثناء مراجعتي للجنة المختصة بسلوك إداري لا يتناسب مع الحد الأدنى من الموضوعية والاحتراف. فقد كانت الموظفة المعنية باستقبال الطلبات – والتي أتذكر أن اسمها “إلهام” – تتعامل بجفاء واضح، وتُظهر قدراً من الجهل القانوني والإداري. طلبت مني معادلة شهادة البكالوريوس الصادرة عن جامعة عراقية، رغم أن هذا الطلب يتنافى مع أحكام وزارة التعليم العالي العراقية نفسها، التي لا تُخضع الشهادات الوطنية للمعادلة.
وعند استلام قرار الرفض، فوجئت بأن السبب غير المعلن هو خلفيتي السياسية والفكرية، إذ صرحت الموظفة نفسها بشكل مباشر بأن “القانون لا يشمل الشيوعيين ولا السنة”، ما يعكس منطقًا إقصائيًا خطيرًا، يُفرغ القوانين من محتواها ويُخضعها لمعايير غير قانونية.
تُبرز هذه التجربة الشخصية كيف يمكن أن تُقوّض أهداف العدالة الانتقالية حين تُدار مؤسسات الدولة بعقلية فئوية، بعيدة عن مبادئ الشفافية والعدالة، مما يُكرّس الإقصاء بدلًا من المعالجة، ويعزز شعور المواطنين بالغُبن بدلًا من المصالحة.
2025-05-20