!عبثية المشهد الفلسطيني
الراحل أحمد حسين
عبثية المشهد الفلسطيني لم تعد موضوعا للنقاش . فحتى الحيادية لا يمكنها موضوعيا أن تتجاهل تلك العبثية التي لم يعد بالإمكان إخفاؤها . تيار حاكته ديبلوماسية التآمر والتصفية ، كخيار أمريكي صهيوني وحيد للحل ، وتيار يدعي أنه متمسك بالثوابت الوطنية التي ضيعها ” الحل السلمي” ، وبينهما تيار مضيع الحقوق والدم والوطن ولقمة الخبز هو الشعب الفلسطيني . تيار لم يعد بالإمكان حتى وصفه بأنه فلسطيني بالإنتماء السياسي ، وتيار لا يرى بأسا في الخلط بين المقاومة والتفاوض معا . سلطة تهمها مصالح ” قطر” وإسرائيل أكثر من مصلحة ” فلسطين ” وتحلم بتنمية ثرواتها في ظل الشرق الأوسط الجديد ، وسلطة أخرى تقف على الهاوية بين الترنح والسقوط وبين التفاوض والمقاومة ، فلا تفاوض ولا تقاوم . تفاوض عباس ورهطه من مستثقفين ومتمولين وعائليين ومعتوهين وزعران ومرتزقة لا يجمع بينهم سوى العمالة المباشرة وغير المباشرة لإسرائيل وأوسلو ، وترفض التفاوض المباشر مع إسرائيل . أليس هذا موقفا عبثيا ؟
عندما سمعت الحديث عن حكومة وحدة وطنية ، داهمني شعور ماجن بالدهشة ، وتخيلت ملكة الدانمرك تعلن على شاشة التلفزيون زواجها من كوفي عنان أو البرادعي . ألا تدرك حماس أن اعترافها بعباس كعنوان وطني للتفاوض لا يختلف بشيء عن اعترافها بما يمثله ؟ ولو كانت حماس ملتزمة بالخلاص الوطني كما تقول لتوصلت إلى إن التناقض مع عباس ورهطه هو واجب الإلتزام الوطني العاجل الآن ، بوصف هذه الفئة تمثل اليد الإسرائيلية في الداخل الفلسطبني . فأطراف أوسلو جميعا يشكلون معا بنية آلية التصفية للوجود الوطني للفلسطينيين . واختلاف الأدوار يمثل فقط التكامل الوظيفي لتلك الوحدة البنيوية . وإذا كانت حماس لا تعتبر أوسلو سياقا خيانيا في الجانب الفلسطيني ، فلماذا لا تعترف بإسرائيل بناء على إقرارها بشرعية هذا السياق ؟ إن البنود الوحيدة المفهومة في اتفاق أوسلو هي التي تخص الإعتراف بإسرائيل والتطبيع معها والتنازل عن ثوابت هوية الوطن والبشر الجغرافية والتاريخية والمعنوية . فهل تعني حماس ما تقول بما يخص الثوابت ، أم أن لديها برنامجين واحد للتفاوض وآخر للمقاومة ؟ إن مرجعية فتح هي أوسلو ، وهي ذاتها التي تشكل المرجعية الإسرائيلية والدولية لشرعية التنكيل الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني وتصفية وجوده الوطني ، فعم تبحث حماس ، وعم يبحث الشعب الفلسطيني داخل مذبحة أوسلو الدولية ؟
إن الدمار الأسلوي لم يلحق فقط بمصطلح وجسد الوطن والهوية الوطنية . لقد تجاوز ذلك إلى سلوك الفرد والجماعة ووعي الإلتزام بالحد الثوري الأدنى . لقد تم أوسلويا تجاوز مفهوم النكبة إلى مفهوم الدولة ، ومفهوم الحق الوطني المقاوم إلى مفهوم التفاوض والديبلوماسية . أي تم استبدال ما هو تاريخي وشرعي وواقعي إلى ما ثبت أنه وهمي ودموي فقط . أصبح الفلسطيني منحازا إلى السياسة ، وحل الإلتزام الحزبي محل الإلتزام الوطني ، وكأن الدولة قائمة فعلا . وما يثير الدهشة والحزن معا ، أن الكوادر الملتزمة أو المؤيدة لفتح عند القاعدة ، تتجاهل بنجاح مؤسف حقيقة النخبة الفتحوية التي تتلاعب بدمهم وخبزهم وشرفهم سياسيا . ألم يدرك الشعب الفلسطيني بعد كل التجارب التي مر بها أن خلاصه المرحلي يعني الخروج من ورطة أوسلو التي تبيح دمه والتنكيل به دوليا ؟ هل أصبح الفلسطينيون يعيشون تحت طائلة التنكيل الجسدي والمعنوي والمعاشي اليومي إلا بفضل أوسلو ؟ لقد ثبت أنه خدعة ومؤامرة تنكيلية كان هدفها منذ البداية تسييس منظمة التحرير وجر كوادرها إلى الفخ لتصفيتها بالقتل أو الرضوخ لما تريده إسرائيل . وأصبح الآن مجمل الشعب الفلسطيني يذبح على التعيين التكتيكي – بما في ذلك الأطفال – وعلى التعيين الإستراتيجي بما في ذلك كل فلسطيني في الشارع أو على مائدة العشاء . وارتبط الفلسطيني بإسرائيل بالعمل والتبادل التجاري والأمن والصحة والكهرباء وتسليح الشرطة الفلسطينية بحيث أصبح يحس أنه مجرد مواطن إسرائيلي مظلوم . وفي المقابل تقول إسرائيل أنه مواطن على أرض إسرائيل ، متمرد وإرهابي ولا يريد السلام . هذا هو أوسلو ! فما الذي يبرر تمسك الفلسطينيين به سوى عبثية المشهد ؟ وبعيدا عن أية مواقف وطنية أو سياسية ، ما الذي يجعل شعبا يعرف بالتجربة اليومية أنه ضحية لخدعة ستكلفه وجوده كله في النهاية ، أن يتمسك بهذه الخدعة ؟ هذا علاوة على ما يتعرض له من معاناة جارية ، تحت رعاية من الشرعية الدولية التي لا يستحي عباس ولا يخاف أن ينوه بدورها علنا . أليس هذا هو قمة العبث ؟
لكن العبث الأشد إثارة للغضب ، هو ذلك العمى الوطني الشائع حول قداسة ” منظمة التحرير” ، مع أنها الباب الذي دخلت منه نكبة أوسلو التي لا تقاس بها حتى نكبة 1948 . كل شيء يمكن تبريره وطنيا ما عدا الخيانة . إن الظروف الموضوعية الضاغطة قد تبرر التخلي عن النضال والحفاظ على المبدأ ، أما التخلي عن النضال والمبدأ معا فهو أكثر من خيانة . وما فعلته منظمة التحرير هو هذا . وكل من شارك في أوسلو بالتوقيع أو التفاوض أو الدعوة هو خائن علقمي كاذب أو حمار . لقد قبضت إسرائيل في أوسلو الإعتراف بها قبل أن تدفع شيئا ، ودفع الفلسطينيون كل شيء بما في ذلك حقهم التاريخي على وطنهم قبل أن يقبضوا شيئا . وتبين بعد ذلك أنهم مطالبون عربيا ودوليا بالتنازل المستمر نقدا مقابل الدفع المؤجل الذي لم يتحقق منه سوى الإعتراف بمنظمة التحرير دوليا ، وبمهزلة دموية إسمها الضفة والقطاع . أما فلسطينيو الشتات فقد تبين أن لهم قضية أخرى ووطنا آخر وشعبا آخر . وأصبحت قضية المعابر أهم من قضية المخيمات إلى إشعار آخر .
إن الأولوية الوطنية موضوعيا هي التخلص من أوسلو . والتخلص من أوسلو يعني التخلص تلقائيا من مرجعيته على ساحة التواجد الفلسطيني عموما ، ممثلة في منظمة التحرير التي يتشبث بها عملاء أوسلو والشرعية الدولية وإسرائيل . إن التواجد اللفظي لهذه المؤسسة الشبحية يخلق فراغا وطنيا بالدرجة الأولى يتم ملؤه الآن برئاسة فلسطينية تقوم على الولاء المباشر لأوسلو وليس لما يسمى منظمة التحرير . واستمرار هذا الوضع على ما هو عليه سيعطي الفرصة للأوسلويين من كل الأطراف لإنجاز مشروع التصفية الكارثي الذي أستطاعت الصهيونية أن تحوله إلى مطلب سياسي دولي . كما أن عمى الإلتزام الذي يسود الساحة الفلسطينية في دولة تجار الجملة وزعران الوطنية قد يؤدي إلى ما تريده إسرائيل وهو التصفية الذاتية . ولا يصح الإنتظار أكثر .
و ملء الفراغ الوطني يقتضي قبل كل شيء التخلص من منظمة التحرير والعودة إلى ما قبلها ليتسنى إقامة جسم وطني تمثيلي ملتزم بوضوح الحق الشرعي الفلسطيني . وهذا الأمر لا يمكن أن يقوم به بورجوازيو الضفة والقطاع ، وزعران السياسة المتأسرلين فيهما . يمكن فقط أن تقوم به النخب الوطنية في الداخل الوطني والشتات التي تعي خطر استمرار أوسلو، وما تبعه من تفاصيل سياقية مترابطة نكبويا ، على مستقبل وجود ووحدة الشعب الفلسطيني . وقد كان مفترضا أن تبادر حماس إلى هذه الخطوة بدافع من التزامها الوطني المعلن . لقد منحها الشعب الفلسطيني ثقته تعبيرا عن رفضه لأوسلو وتطلعا إلى أن تقوم بتخليصه منه . ولكن حماس لم تفعل . وبدل أن تسعى بدعم من الشعب الفلسطيني إلى نزع الشرعية سلميا عن طاقم الرئاسة الأوسلوي ، بدأت بمفاوضته . ويبدو أنها تعتقد أن انغماسها في الأوسلوية بشكل غير مباشر لا يشكل خطرا على مصداقيتها . ولكن القضية لا تخص فلسفة السياسة بمدى ما تخص الخطر الداهم على الشعب وقضيته التي أوكلها إليها . وإذا كانت حماس قد وصلت إلى طريق مسدود ، من المؤكد أنه لن يفتح أبدا ، فعليها أن تعيد الأمانة الإنتخابية إلى الشارع الفلسطيني وتقوده إلى العصيان المدني والمقاطعة السياسية لإسقاط شلة أوسلو ، والبحث عن بديل بين سكان مخيمات الداخل والشتات ، وليس بالحوار مع ممثلي السقوط الوطني . لقد تحول الإشكال الوطني إلى ما يريده الأوسلويون تماما . تحول من خلاف مبدئي إلى تراشق حزبي بين حماس وفتح ، أعطى لتنابلة الرئاسة الفرصة للعربدة خارج دائرة الحذر الأخلاقي ، وطرح بذاءات أوسلو الخيانية وكأنها مسلمات وطنية تخص المصلحة الفلسطينية . ومن يسمع مرافعات وسجالات أولئك التنابلة يسأل نفسه لماذا قدم الشعب الفلسطيني كل هذا الدم وكل تلك البطولات الإستشهادية عبثا ؟ ومع ذلك فإن حماس ما تزال مصدرا للأمل والحذر على سبيل التغيير المنتظر .
لقد جعلوا الشعب الفلسطيني يعتقد أن لديه الخيار بين التسوية أو التصفية .
وقد عانى هذا الشعب كل أنواع العذاب ليعرف أخيرا أن التصفية والتسوية هما أمر واحد . وليس أمامه الآن للخروج من هذه الكماشة سوى العودة إلى موقفه الإستراتيجي ما قبل أوسلو ، وبناء توافقه الوطني على الثوابت الوطنية المشروعة ونسف معادلة أوسلو القاتلة .
إن أوسلو وقدسية منظمة التحرير البابوية تشكلان معا الجدار الذي يفصل الفلسطيني عن وعيه الوطني . وقد بلغ عبث الإلتزام الوطني الآن على الساحة الفلسطينية حد الإستشهاد المجاني . إذ لا يمكن تحت مظلة أوسلو ومقولة منظمة التحرير الخاصة به الوصول سوى إلى التصفية وخسارة الشعب والوطن . لقد خسر النضال الفلسطيني المرحلة على جميع المستويات رغم البطولات النادرة . أصبح كل شهيد فلسطيني ربحا صافيا لإسرائيل ولكل أعداء الشعب الفلسطيني ما دام دمه يجري على صخرة السياسة . ولكن التجربة والمعاناة المريعة للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة يجب ألا تعني خسارة المستقبل أيضا . وهو ما سيحصل إذا ظلت فلسفة التسوية تمارس دورها التخريبي المدبر على السلوك والوعي وقدرة الإحتمال . وقذف هذه المرحلة وادعاءاتها التأسيسية الخبيثة إلى جهنم ، هو الضرورة الوطنية الأولى . ولا يكون ذلك إلا بالخروج من الوصاية السياسية الموثقة لأوغاد الشرعية الدولية وعملائهم المحليين ، والعودة إلى محطات الرفض ، والثوابت الوطنية التي أودت بها ثقافة التسوية . ولا أهمية لأية محاذير أو توقعات قد يطرحها البعض ، فإن الأسوأ ما هو حاصل فعلا . وتغيير معادلة التصفية السياسية بمعادلة استراتيجية وطنية جديدة مهما طال مداها ، والتعامل مع الأعداء والأصدقاء من خلالها ، سيزيد العبء على السياسات المعادية ويحرمها من وضعها المريح في التنكيل بالفلسطينيين باسم رعايتها السياسية للتسوية . وفلسطينيا لن تعود “الإرتباطات الدولية ” التي تتحدث عنها جوقة أوسلو عبئا على الدم والخبز والشرف الفلسطيني . وعودة الإحتلال الذي لم يخرج للحظة واحدة من أي بيت فلسطيني في الضفة والقطاع سيحرم إسرائيل من استغلال مزاعم الفصل للتواصل بالدم ، والتخلص من نفقات الإحتلال ، والتمتع بخدمات الشرعية الدولية . والأهم من ذلك أن العودة إلى الثوابت والإلتزام بها والتصرف على أساسها من خلال جسم وطني متكامل من حولها سيفرض استراتيجيات جديدة للصراع في ظروف أفضل وطنيا . وليس هذا مجرد تهيؤات حالمة ، إذا أخذنا بالإعتبار على حالة التلقي الجديدة على ساحة المقاومة الشاملة التي خلقتها المقاومة اللبنانية ، والتحولات المحتملة نتيجة لها . ومع ذلك فإن استعادة المبدئية سقفا للتفاوض مع العالم ، مقابل عبث التفاوض السياسي التصفوي ، وتحت أية ظروف ، يظل درب الخلاص الوحيدة أمام الفلسطينيين دون أن يخسروا شيئا سوى إنجازات أوسلو الرهيبة .
موقع الكادر
30.9.2006