عالم ضد الهيستيريا الأميركية!
نبيه البرجي
بتلك الفظاظة قال وليم كريستول ـ قبيل غروب القرن الماضي ـ “حين تقول الكتب المقدسة باله واحد للكون (The universe ) , يفترض , حتى لاهوتياً , أن يكون هناك اله واحد للعالم The world) ) .
في هذا القرن , وبفعل ديناميكيات اقتصادية عاصفة , لا بد أن نكون أمام تعدد الآلهة . المفكر الأميركي ناعوم تشومسكي رأى أن من الأجدى ولادة أمبراطوريات موازية كي لا “نبقى في مرمى النيران التي يضرمها التاريخ” .
وكانت الباجثة في الشؤون السوفياتية هيلين كارير ـ دانكوس قد تحدثت عن الفوارق بين الأمبراطورية الأميركية والأمبراطورية السوفياتية . لاحظت أن الأميركيين , وبفعل التطور الاقتصادي , تمكنوا أن يتخطوا حتى الأديان المنزلة ويفرضوا أسلوب حياة (Life style) على سائر مجتمعات الدنيا . في الرقص والموسيقى , كما في الملبس والطعام , وفي السيارات الفارهة وناطحات السحاب , وصولاً , بعد الهبوط على سطح القمر , الى الشبكة العنكبوتية التي شقت الطريق الى ما بعد الزمن ..
في المقابل لم يقدم النموذج السوفياتي , للبشرية , شيئاً يتعلق بنسق حياتهم , سوى الأفكار الطوباوية لتحقيق ما يمكن أن يدعى بـ”الحلم المستحيل” , أي تعليق الرأسمالية والرأسماليين على حبل المشنقة . ايديولوجيا شديدة التعقيد ولم تطبق حتى في الاتحاد السوفياتي , وترمي الى احداث تغيير جوهري في النظر الى الله , والى التاريخ , والى الانسان . الفيلسوف الفرنسي الماركسي لوي آلتوسير قال “بعد سنوات طويلة من التنقيب في ماورائيات النظرية , بدا لي أن كارل ماركس وحده فهم الماركسية” !
لا تتصوروا , بأي ترجمة رديئة , ومبهمة , كانت تنقل مؤلفات كارل ماركس , أو فريديريك آنغلز , أو فلاديمير ايليتش لينين , أو أنطونيو غرامشي , الى لغات العالم الثالث , وبينها , بطبيعة الحال , اللغة العربية . هكذا تحولت الايديولوجيا , بكل تلك الحمولة الفلسفية , الى نوع من الفانتازيا اللغوية البائسة .
كان يفترض بالأمبراطورية الأميركية , بالمعجزة الاقتصادية , والعلمية , التي لا نظير لها في التاريخ أن تتعامل مع الآخرين , كما لو أنها تحمل رسالة الهية أخرى الى البشرية , لا بطريقة الكاوبوي الذي كان يقتحم , بمسدسه , الحانات الخشبية ويطلق النار على من فيها .
هكذا فعل الأميركيون بالدول الأخرى , وتحت عناوين خاوية , وخادعة . من مواجهة الخطر الشيوعي , الى مقاومة الديكتاتوريات (وهي من أقامت عشرات الأنظمة الديكتاتورية , والتوتاليتارية في العالم ) , اضافة الى حماية الأمن الاستراتيجي للكرة الأرضية .
واشنطن , بالسياسات , والاستراتيجيات , الفظة هي من وضعت نفسها في المكان الذي تتعرض فيه لجنون التاريخ . قمة البريكس التي عقدت في جوهانسبرغ , وتغيّب عنها فلاديمير بوتين بسبب معلومات استخبارية حول امكانية تدمير طائرته , أظهرت أن العالم يتجه الى صراعات ميتولوجية . بلهجة دراماتيكية يرى المؤرخ الأميركي دانيال بايبس “اننا نخوض صراع البقاء أو اللابقاء …”.
الدول الخمس , أي الـ BRICS باستخدام الحرف الأول من اسمها (البرازيل , روسيا , الهند , الصين , جنوب أفريقيا) تعتزم ازالة المفهوم الأميركي للعلاقات , وللمعادلات , الدولية , وكذلك تغيير نقاط الاستقطاب , وبعدما تبين لها أن واشنطن , وبالاصرار على التفرد بقيادة العالم , خططت لتحطيم , أو لاحتواء , القوى المنافسة .
تلك الدول التي تسعى الى اقامة “الجنوب العالمي” , اذ تشهد معدلات نمو قياسية , تشكل 23 % من الناتج المحلي الاجمالي العالمي , و 42 % من عدد سكان العالم , وأكثر من 16 % من التجارة العالمية .
المفاجأة الكبرى في قمة جوهانسبرغ انضمام 3 دول عربية (مصر , السعودية , الامارات العربية المتحدة) اضافة الى ايران , والأرجنتين , وأثيوبيا , الى البريكس . هل نتوقع انقلاباً في المسار الاستراتيجي للشرق الأوسط ؟
الهدف الأول انزال الدولار عن عرشه . “وول ستريت جورنال” قالت “عبثاً يحاولون أن يخلعوا مخالب النسر” . لا يزال أمام تلك الدول عوائق كثيرة , وسيناريوات كثيرة , لخلع المخالب الأميركية .
غروب الأمبراطورية الأميركية ؟ لكأنك تقول … غروب القضاء والقدر !!
2023-09-02