“طوفان الأقصى”… من الهدن إلى وقف إطلاق النار!
هل ينجح الأميركيون في معركتهم السياسية ما بعد وقف إطلاق النار أو سيفشلون أو ستكون هناك مرحلة جديدة من التوازنات مبنية على نتائج الحرب؟
أحمد الدرزي
كما كان متوقعاً، أخذت الحرب على فلسطينيي غزة والضفة مداها الأقصى كأطول حرب يخوضها الكيان بعد حرب 1948، وانتهت المدة الزمنية المتاحة لقادته كي ينهوا مهمتهم في تحقيق أهدافهم العالية. والآن، لا مناص من التعاطي مع هذه الحرب الأطول من زاوية منع تراكم الخسائر الإسرائيلية الداخلية التي ترتبط جوهرياً بتراكم خسائر النظام الغربي المهيمن، فكانت الهدنة الأولى التي تم تمديدها، بما يطرح السؤال الآن: هل تكون الهدنة الوحيدة التي ستتحول إلى وقف لإطلاق النار؟
يتعلق وقف إطلاق النار بتقديرات الفواعل الأساسيين في هذه الحرب، وهم فواعل مباشرون وغير مباشرين، ولكل حساباته الخاصة بما استخلصه من النتائج الأخيرة.
تمثل حركة حماس بجناحها العسكري، ومعها حركة الجهاد الإسلامي وبقية قوى المقاومة، الفاعل المباشر من الجانب الفلسطيني، فيما يعدّ الجانبان الإسرائيلي والأميركي الفاعلين المباشرين المقابلين لحركة حماس. ومن الواضح أن هذين الفاعِلَينِ المباشرين وصلا إلى نتائج متباينة بينهما بفعل التباين الإسرائيلي الداخلي. وقد ظهر ذلك بشكل واضح بعد بدء الهدنة وصعود أسئلة ما بعد الهدنة إلى السطح.
في الجانب الفلسطيني الذي تقوده حركة حماس بجناحها العسكري، تحققَ الإنجاز الأهم بتاريخ المقاومة الفلسطينية، إن كان في اليوم الأول من “طوفان الأقصى” أم في الحرب البرية التي عجز الجيش الإسرائيلي عن تحقيق نصر حقيقي فيها، بما في ذلك شمال غزة، بعدما أفرج مقاتلو الحركة عن الأسرى في وسط هذا الشمال وسلّموهم للصليب الأحمر الدولي وهم بكامل عتادهم العسكري، إضافة إلى انتصارهم الأخلاقي عالمياً في طريقة تعاطيهم الإنساني مع الأسرى.
وقد وصلوا إلى أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة، وهم بحاجة إلى وقف إطلاق النار لترجمة انتصارهم على أرض فلسطين سياسياً واقتصادياً وحقوقياً كأهم مرحلة نحو تحقيق الأهداف الكبرى من النهر إلى البحر.
وفي الجانب الإسرائيلي، هناك اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو الذي يدرك تماماً أن وجوده واستمراره مرتبط إلى حد كبير باستمرار الحرب، ولو لمدة عام، أملاً بوصول دونالد ترامب إلى موقع الرئاسة الأميركية من جديد، فيما سيعني إيقاف إطلاق النار نهاية الحياة السياسية لنتنياهو ودخوله السجن بأحكام سابقة، إضافة إلى تحميله مسؤولية الكارثة الإسرائيلية الجديدة. إضافة إلى ذلك، فإن التيار المتطرف الذي يقوده سموتريتش وبن غفير سيخسر امتيازاته المالية المقدرة بمليارات الدولارات وتسهيلات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
الطرف الإسرائيلي الثاني الحريص على استمرار الحرب يتمثّل ببعض قادة الجيش، وذلك لاسترداد هيبته التي أُهرقت على أرض غزة قبل حربه البرية وبعدها، وهم يدركون أن عدم استعادته مكانته السابقة سيطيح الدولة التي أُسست لأجله، على عكس نشوء الدول الطبيعية.
مع مرور أيام الهدنة وتمديدها، ظهرت تحركات جديدة داخل الكيان نتيجة للإدراك المُتحصل حتى الآن من الحرب باستحالة تحقيق انتصار حقيقي قريب، واستحالة استمرار الحرب لمدة زمنية طويلة قد تصل إلى 12 شهراً، وما يمكن أن ينعكس ذلك اجتماعياً واقتصادياً بمزيد من التراجع إلى حد الوصول إلى الانهيار، فبرزت توجهات ضمن حزب الليكود، كما سربت صحيفة “يديعوت أحرنوت”، للبحث عن رئيس وزراء مؤقت بديل من نتنياهو، وتم اقتراح اسم يولي إدلشتين، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن، وعضو الكنيست. هذا الأمر واضح الدلالة على العمل لإزاحة نتنياهو المعرقل الأول لوقف إطلاق النار، والبحث عن ائتلاف حكومي يقدم مخارج وقف إطلاق النار، إن لم يذهب نتنياهو نحو القبول بذلك.
كما أنّ الجانب الأميركي يحتاج إلى وقف إطلاق النار بعدما شارك مباشرةً بالحرب، إن كان في إدارتها أم بقوات له تحمل الجنسية المزدوجة. وقد وصل إلى مرحلة اليقين بأن العودة إلى الحرب ستعني توسعها على المستوى الإقليمي، وستتحول العمليات العسكرية الموجهة نحوه في العراق وسوريا إلى مستوى جديد من العمل، بما لا يتحمّله من خسائر في جنوده، وسيزيد مستوى الضغوط عليه للخروج من البلدين، والذي سيترافق مع دخول أوسع لحزب الله في شمال فلسطين المحتلة، انتقالاً إلى المنطقة الأهم في هذا الكيان، وهي “تل أبيب” ومحيطها.
والأمر الأخطر على الوجود الأميركي هو الرسائل اليمنية المتصاعدة التي أرسلتها أنصار الله، التي بدأت بقصف تل الرشراش (“إيلات”)، ثم الاستيلاء على سفينة تجارية إسرائيلية، وضرب سفينة ثانية في بحر العرب، باستهدافها بالطيران المسير.
ولم تتوقف الرسائل هنا، بل ذهبت إلى استهداف بارجة حربية أميركية في بحر العرب بصاروخ بالستي، مع الحرص على عدم إصابتها، كتحذير واضح لما يمكن أن يقوموا به من قدرة على تعطيل الملاحة البحرية، وما يترك ذلك من آثار في الاقتصاد العالمي الذي لم يستعد عافيته بعد.
وقد سبقت رسالة واضحة كل هذه الرسائل عام 2019، عندما استهدفوا أرامكو شرق المملكة العربية السعودية، ما أدى إلى هبوط إنتاج النفط السعودي بنسبة 60% لمدة محدودة، وهم قادرون على إعادة الكَرَّة بشكل أشد وأطول زمنياً، مضافاً إليها الإمارات العربية المتحدة.
تتعاطى الإدارة الأميركية مع هذا الواقع الإقليمي المتفجر بشكل حذر جداً، لإدراكها الكامل أن أي ارتفاع لمستوى الحرب الإقليمية الجارية الآن من الناحية الفعلية سيدفعها إلى الدخول العسكري المباشر في مقابل الدخول العسكري الإيراني المباشر. وكلا الطرفين لا يريد الوصول إلى هذه المرحلة، فكلاهما يقود المواجهة ضد الطرف الآخر بمواجهات غير مباشرة، وضمن نفس طويل وعقل بارد، في ساحات غرب آسيا المتعددة، وعلى مدى زمني قارب 45 عاماً.
هذه المعطيات تدفع الولايات المتحدة إلى التعاطي مع الحرب بضرورة الانتقال من تمديد الهدنة إلى مزيد من الجولات العسكرية، كشكل من أشكال ضغوط التفاوض وتحسين شروطها السياسية، وصولاً إلى وقف إطلاق النار والذهاب نحو المعركة السياسية لتفريغ ما تم إنجازه على يد كل قوى محور المقاومة، وخصوصاً في فلسطين، والعمل على احتواء النتائج وتحويلها إلى مكاسب تصب في المصلحة الاستراتيجية الأميركية، معوِّلة في ذلك على الدورين القطري والمصري، ومن خلفهما الدوران السعودي والإماراتي، والبدء بطرح سيناريوهات متعددة للقضية الفلسطينية، بما يُبقي هذا الكيان ويحميه، مع العمل على حمايته من الشمال، بمحاولة تطبيق القرار 1701، وإبقاء سوريا على وضعها الحالي كبلد مفكك مُجوف ديموغرافياً وجغرافياً واقتصادياً.
ويبقى السؤال: هل ينجح الأميركيون في معركتهم السياسية ما بعد وقف إطلاق النار أو سيفشلون أو ستكون هناك مرحلة جديدة من التوازنات مبنية على نتائج الحرب؟
2023-12-02
