طلائع الفدائيين….. 5!
أبو علاء منصور.
حين ألتقيتُ وليم نصار في بيته بمدينة أريحا في أواخر العام 2018، كنتُ أطمح لإثراء معرفتي بتجربة الأسر، لكن وقد انهمر بسيل حديث مهم وشيق عن تسلله إلى الأرض المحتلة على رأس دورية عسكرية بعد حرب حزيران عام 1967، فقد بدا أنني أمام منعطف يقود إلى رواية (بناء القواعد الفدائية الارتكازية في الضفة الغربية). تلك المحطة التي كان أبو عمار رائدها ووليم من أوائل صناعها. وليم -الفتحاوي- ابن سيدة يهودية لبنانية تنصّرت. أما رفيقه كمال النمّري -من الجبهة الشعبية- فابن سيدة يهودية ألمانية، وأحد أخواله من كبار ضباط الشين بيت يسكن في تل أبيب.
على مدى ساعتين والمناضل السبعيني يتألق بالخوض في تفاصيل مبهرة عن تلك الأيام المزهرة بالأمل: كنتُ في الثانية والعشرين من عمري حين التحقتُ بأول دورة عسكرية في الصين عام 1967 ترأسها ممدوح صيدم. في الأول من شهر كانون الثاني عام 1968، قدتُ دورية فدائية إلى الداخل. وفيما كنا نتهيأ للعبور التقيتُ في قاعدة ببلدة الكرامة في غور الأردن صلاح التعمري، كان الآخر يتهيأ لقيادة دورية فترافقنا. الفصل شتاء ودرجة الحرارة متدنية للغاية حين عبرنا النهر، وكلما تسلقنا الكتارات انزلقنا، انكشفنا واشتبكنا مع قوات الاحتلال، فاضطرننا إلى العودة فوجدنا النهر استحال إلى بحيرة طين، استشهد دليلنا غرقاً. عبرنا وحين جفت الأرض عاودنا الكرة وعبرنا مجدداً. في برّية بلدة دير دبوان سمعنا نباح كلاب، التقينا راعي أغنام يعيش مع عائلته في بيت شعر، قدم لنا طعاماً، شوربة عدس وزيتون وخبز شراك. قضينا الليل في مغارة، وفي الليلة التالية توجهنا إلى قرية رمّون المجاورة بناء على نصيحة الراعي. لجأنا إلى مغارة فحذرنا راعي أغنام: (المغارة معروفة لجيش الاحتلال، فتشوها قبل مدة). في اليوم التالي ذهبتُ وأبو الليل رفيقي في الدورية إلى بيت خالته بمدينة البيرة، وزرتُ عمّتي في شارع الإذاعة برام الله. ادعيتُ أنني قادم من الأردن للإطمئنان عليها فقالت: “لا تكذب عليّ! أنت فدائي”. اغتسلتُ وبدلتُ ثيابي وعدتُ إلى بيت خالة أبو الليل وتناولنا الغداء -مقلوبة بالدجاج-. عدنا إلى القاعدة في قرية رمّون فنصَحَنا الأهالي بالتعرف على المختار وعلى أبو عيسى من وجهاء القرية ففعلنا. استصدر لي أبو عيسى هوية من نقابة العمال في رام الله. ذات يوم كنتُ أتناول الغداء في مطعم نعوم في رام الله حين لاحظتُ شخصاً يحوم حولي! سألني: أنت وليم. قلت: أنا نضال منصور. قال: أنا مصطفى عيسى -أبو فراس-، عرّفني عليك أبو إياد في معسكر الهامة، أنا موظف بوكالة الغوث، يمكنك الاعتماد عليّ. في اليوم التالي حملني بسيارته إلى القدس لمقابلة كمال النمري من الجبهة الشعبية. زودني النمري بهوية تعود لعمر القاسم، واستبدلتُ صورة عمر بصورتي. استأجرتُ شقة صغيرة في الطابق الأرضي من عمارة يقع فيها فندق الوحدة مقابل مخفر الشرطة وسط مدينة رام الله. ادعيتُ أننا مجموعة مدرسين من نابلس نعمل في رام الله. ساعدني أبو فراس بشراء عفش قديم، وزودنا ببقج ملابس من التي توزعها الوكالة على اللاجئين. ولاحقاً عرّفني على نديم الزرو رئيس بلدية رام الله، وعرّفني الزرو على المطران إيليّا خوري الذي كنت أعرفه من أيام الدراسة في مدرسة المطران بالقدس حيث كان قساً للكنيسة التي تتبع لها المدرسة. سألني الزرو ونحن نتناول الغداء في أوتيل عودة: من والدك؟ قلتُ: أنا نضال منصور من البيرة، لكنه فوجئ حين ناداني القسيس إيليا باسم السيد نصار فاعترفتُ: أنا ابن نجيب نصار. قال: أنت من رام الله، من حمولة دار جغب. عدتُ إلى القاعدة فوجدتُ شاباً اسمه فتحي في السابعة عشر من عمره. كان ضمن دورية قدمت لضرب مقر الكنيست الإسرائيلي بالصواريخ وفشلت، فتركوا الصواريخ في محجر في جبال قرية حزما، وأثناء العودة مروا بقاعدتنا فطلب منهم أحد رفاقي إبقاء أحدهم ليدلنا على موقع الصواريخ. في اليوم التالي أحضرتُ وفتحي الصواريح، ووضعناها في كراج منزل عمة كمال في بيت حنينا. لاحقاً سيصبح فتحي سلبد كبير مرافقي أبو عمار وحافظ أسراره. في الأثناء أبلغني أبو عيسى أن دورية فدائيين يقودها وديع شديد، مرّت بالمنطقة، وفي طريق العودة إلى الأردن اشتبكوا مع قوات الاحتلال واستشهدوا جميعاً بمن فيهم وديع.
أضاف وليم: اتفقتُ وكمال النمري على قتل العميل أحمد الزط الذي اغتال الشهيد عبد القادر الحسيني، قال إنه يملك محطة محروقات في بلدة أبو غوش، ويأتي مساء كل يوم جمعة لاستلام الغلة. درسنا الموقع وفي اليوم التالي تقدمنا كمال بسيارته ليدلنا على الطريق، وسرنا خلفه بسيارة جيب مسروقة قادها رفيقي في الدورية الملقب -الشاويش- كنا بزينا العسكري وكامل عتادنا. ربما ظن الناس أننا جنود إسرائيليون. نزلنا في حرش مقابل المحطة وواصل كمال طريقه إلى بيت خاله في تل أبيب. لم يأت العميل فقررنا تفجير سيارة تابعة لشركة مكاروت الإسرائيلية للمياه تعمل في توسيع الطريق بين القدس وتل أبيب. أثناء تركيب العبوات فوجئتُ بشخص مسلحٌ ببندقية يتحدث اللغة العبرية. نهضتُ وصرختُ: (أنا فتح). انهار وسقط على الأرض: (من شان الله أنا درزي). أخذنا سلاحه وقيدناه وتركنا في المكان منشورات: (العاصفة مرت من هنا). في طريقي لمقابلة كمال في القدس في اليوم التالي التقيتُ شاباً فقال: (أنا هنري حبش، أنت وليم صديق شقيقي في مدرسة المطران). استضافني هنري على فنجان قهوة في مقهى جروبي بباب الساهرة. في تلك الآونة اعتادت مخابرات العدو على إلباس عملائها أكياساً على رؤوسهم بها فتحات للعيون، توقفهم في الطرقات للتعرف على الفدائيين- اعتقلتُ وصديقي هنري. قضيتُ في السجن اثنا عشر عاماً، وأفرج عني مع أبو علي بسيسو في صفقة تبادل مقابل الجاسوسة الإسرائيلية آمنة المفتي عام 1980)
وأنا أستمع لوليم مرّ بخيالي الأسير اللبناني المحرر موسى فواز من قرية العباسية بجنوب لبنان. كان موسى من أوائل الفدائيين الذين تسللوا إلى الأرض المحتلة في دورية عسكرية بعد هزيمة عام 1967، أقام ورفاقه قاعدة في جبال بلدة قباطية، وأُحصي كفلسطيني. أصيب في اشتباك مع قوات الاحتلال فاعتقل وقضى سبعة عشر سنة في السجن. وتذكرتُ الشيخ سعيد قاسم الفلسطيني من مخيم الرشيدية، فدائي قضى خمسة عشر عاماً في سجون الاحتلال، وتذكرتُ اللبنانية الحجة هدله التي قضى زوجها نمر قشمر وولدها خالد سنوات في سجون الاحتلال، وزينب حرب شقيقة الشهيد رضا أحمد حرب. جيلٌ تخلى عن كل شيء ومضى يشق طريقاً للحياة! من أين أتتهم القوة؟! ذات الروح التي تعمر صدور فتية الدهس والطعن اليوم! التطلع إلى الحرية والاستقلال سرٌ فطري.
لفت انتباهي في ما قاله وليم حركة الفدائيين شبه العلنية، والتدريب العلني على السلاح لأبناء القرى الذين يهبون لخدمتهم. عاطفة جياشة وتجربة ضحلة، ولم يكن الإسرائيليون تغلغلوا بشبكة عملائهم بعد! الكل عميان. قال وليم في سياق حديثه: في بلدة قباطية كان التدريب في ملعب المدرسة، وحصل ذلك في بيت فجار وبيت فوريك، نحن كنا ندرب علانية في الجبال.
في ذات المشوار إلى الأغوار مررتُ وشقيقي جمال بمرج نعجة. التقينا الأسرى المحررين فيصل اخميّس، وماجد أبو جرار وشقيقه ممدوح. تفتحت عيون الأبطال الثلاثة على استقبال الدوريات والسلاح عبر نهر الأردن في نهاية الستينات وأوائل السبعينات. بدا ماجد ضعيف الحركة وبالكاد صوته مسموعاً، لكن ذاكرته انتعشت وعلا صوته حين بدأ جمال يُذكره بأيام سجن بئر السبع. بدا كأنه تعافى، أعاد الحديث روحه الفدائية. تساءلتُ وأنا أتابع المشهد: أين المؤسسات الحكومية والجماهيرية من العناية بالمناضلين؟ أين الفصائل والأطر المعنية بالأسرى ومكتب فتح لا يبعد سوى أمتار عن بيته؟
قال فيصل:
_ نحن ممتنون للمرحوم أبو عمار الذي أمر ببناء خمسين وحدة سكنية لسكان المنطقة. بهذا ثبت الناس واستمرت حياتهم وقد كانت مهددة بالتهجير.
قال ممدوح:
_ رفضت الجبهة الشعبية اتفاق أوسلو، وعمل قادتها تحت رايته! سألتُ أحدهم: ماذا نشتغل نحن الأسرى؟ رد: دبروا أنفسكم في أعمال مدنية! أحمد الله أنني انخرطتُ في الأمن الوطني فحفظتُ كرامتي وشيخوختي. تصرفتُ بواقعية وشجعتُ إسماعيل الكتيفي من تنظيم الصاعقة ففعل ذلك.
أضاف عن تجربته في الثورة:
_ استقبلتُ سلاحاً من دورية فتحاوية قدمت من الأردن، نقلته في كيس على سطح الباص إلى مخيم عسكر باعتباره خضاراً. بعد ذلك جندني أستاذي عبد الله شاكر للجبهة الشعبية. في تلك المرحلة كان الفدائي ملهمنا بغض النظر عن اسم التنظيم. اعتقلنا فاعترفتُ بانتمائي للجبهة شعبية، لم أتطرق لأبو فيصل اخميّس وفتح كي لا أجلب لنفسي تهمة ثانية.
عدتُ وشقيقي جمال إلى أريحا، زرنا الأسير المحرر إسماعيل الكتيفي، واستضافنا الأسير المحرر سفيان غوش على أكلة سمك في مطعم (نكهة غزاوية- أبو حصيرة). خاض الحضور في ذكريات الأسر وانتفاضة الحجارة مقارنين بين تلك الأيام المشرقة وواقع اليوم. قال الأسير المحرر جمال حماد:
_ بعد ثلاثة عشر عام سجن أفرج عني في العام 1985. وجدتُ عائلتي الفقيرة صرفت مخصصاتي، وليس هناك مؤسسة تحتضنني. رحتُ أشتري الخضار من مزرعة ماجد أبو جرار في مرج نعجة وأبيعها في قرى سلفيت حيث أسكن. بعد ثلاثة أشهر وصلتني مساعدة من منظمة التحرير الفلسطينية -2000 دينار- فدخلتُ جامعة النجاح، ولأنني أسير محرر عملتُ في مكتب لتصوير الوثائق في الجامعة والريع لي. تخرجتُ وعملتُ في الهلال الأحمر، تزوجت وبنيتُ أسرة من العدم. الإنسان في الخارج يستمد قوته من المجموع -الأسرة والأصدقاء والفصيل- لكنه في السجن مستضعف. كثيرون تكسرهم الزنازين فيهربون إلى ادعاء البطولة.
مع تحيات أبو علاء منصور
21\7\2020