من تاريخ الصراعات في العالم كله نعرف أنه عندما يطول أمد الصراع فإن ما كان صادما في البداية يصبح عاديا ومألوفا مع مرور الوقت، وما كان واضحا في البداية يصبح غامضا في النهاية، وما كان حقا قد يصبح باطلا.
نقرأ في تاريخ ألمانيا النازية، مثلا، أن مقتل أول متظاهر في بداية سيطرة النازيين على السلطة أدى إلى صدمة بين الناس، ثم قتل إثنان، وعشرة، ومئة، ولم يمض وقت طويل حتى تعود الناس على سماع أخبار مقتل الآلاف في جبهات الحرب، ثم أصبح سماع وقوع ثلاثة أرباع مليون جندي ألماني في قبضة الروس في معركة ستالينغراد أمرا لا يثير نفس الصدمة التي تسبب بها مقتل متظاهر واحد في عام 1933.
وفي العراق ما يزال الكثيرون يتذكرون أولى مشاهد الحرب العراقية الإيرانية في تلفزيون بغداد، فبعد أن جرى عرض خسائر الإيرانيين الثقيلة انتقل المشهد بعبارة “وماذا هناك يا ترى؟ إنه شهيدنا” إلى جندي عراقي يحيط به رفاقه، ويحملونه بكل تقدير واعتزاز. في اليوم التالي كان هناك حزن على وجوه الناس في كل مكان من بغداد. صدم الناس لوقوع شهيد، ثم لم تلبث الحكومة أن صارت تصدر بيانا عسكريا كل مساء، ويحبس الناس أنفاسهم بانتظار العبارة الأخيرة في البيان “خسائرنا .. شهيدان وثلاثة جرحى”، وكان الناس يعرفون أن ذلك كذب.
في معركة الفاو قال البيان العسكري العراقي بكل برود “خسائرنا أربعة آلاف شهيد”.
وقتها كان الناس قد تعودوا على سماع قصص من المتراجعين عن جبهات القتال، وكيف أنهم كانوا يدوسون على جثث رفاقهم الشهداء، بل وحتى على الجرحى بدلا من التوقف لمعالجتهم.
هذا مجرد وجه واحد من الأوجه البشعة للصراعات الدموية، خاصة تلك التي تطول، لكن ما هو أبشع من ذلك هو أن الصراع يستتبع تغيرات في طبيعة تعامل الأطراف مع بعضها البعض، فبينما تكون بداية الصراع بين طرفين معينين واضحين يؤدي طول الصراع إلى جر أطراف أخرى إليه، وإلى حشر الحابل مع النابل، وحرق الأخضر مع اليابس.
في الحرب العالمية الثانية قاتل الروس في البداية تحت شعار “الموت للنازيين”، ولكن حين امتدت الحرب، وتوسعت، تغير الشعار إلى “الموت للألمان”.
وكذلك في الحرب العراقية الإيرانية، فبينما كان النظام في البداية يدعي أنه يحارب الخميني، صارت الحرب تدريجيا موجهة ضد “الفرس المجوس”، ونيابة عن “العرب” باعتبار العراق بوابتهم الشرقية، وصارت رموز الحرب هي “القادسية”، و”القعقاع”، وغيرها مما يحشر كل التاريخ في حرب مجنونة. وعلى الجانب الإيراني أيضا بدأ كل شيء ضد “صدام حسين المستكبر”، لكن الإعلام الحربي سرعان ما تحول إلى الحديث عن “البعث الكافر”، ثم عن “الغزاة العراقيين”!
كل تلك الظواهر المذكورة آنفا نسجلها اليوم في الصراع في سورية، خاصة في سلوك من يقفون مع الشعب السوري تجاه من شاركوا في الحرب على هذا البلد، فتجاه السعودية لا ينصب هجومهم على آل سعود وحدهم، بل على كل العرب الذين يوصفون بالبدو، وكل الإسلام، وكل تاريخ الإسلام، وامبراطوريات الإسلام، وشخصياته التاريخية، بل تجاوز بعضهم كل ذلك فتناولوا بالشتائم المقذعة نبي الإسلام وقرآنه، وكأن السعودية تعني العروبة والإسلام، أو كأن سورية نفسها ليست بلدا عربيا مسلما. إنه خلط فظيع لأوراق الصراع.
وكذلك بالنسبة إلى تركيا. في البداية كان الغضب مقتصرا على أردوغان وسياساته، ثم توسع الغضب ليشمل حزب العدالة والتنمية. أما اليوم، فمعظم من يقفون مع الشعب السوري وقوفا انفعاليا يوجهون غضبهم نحو تركيا، كل تركيا، وكل الأتراك، والعثمانيين، والسلاجقة، وتاريخهم، وامبراطورياتهم، وكأنهم لا يريدون الاقرار بأن في تركيا أيضا من ليس راضيا عن سياسات أردوغان، وبأن الذراع الطويلة لأردوغان في شمال سورية ليست مكونة من العثمانيين والسلاجقة، بل من السوريين أنفسهم الذين يأتمرون بأمره، وبأمر السعودية، ويحاربون بلا حياء دولتهم السورية، وبأن المليوني أو ثلاثة ملايين سوري الذين لم يجدوا من يؤويهم غير تركيا، هم ضحايا من يسمون أنفسهم “المعارضة السورية” قبل أن يكونوا ضحايا غيرهم.
وما هو أكثر بشاعة في الصراعات الطويلة مما سبق ذكره هو أن الخط الفاصل بين سلوك الطرفين يزول تدريجيا حتى يصبح من الصعب التمييز بين المعتدي والمعتدى عليه، وبين من هو الجلاد ومن هو الضحية، ففي البداية يكون هناك من يريد أن يعطي الناس انطباعا بأنه يمثل الخير، والعدل، والتسامح، والاتزام بحقوق المدنيين، وبالقوانين الدولية، وأنه يدافع عن نفسه وحسب، لكن الشر عند أحد الطرفين يخلق تدريجيا الشر عند المقابل، والعنف يولد العنف، ومع مرور الوقت يصير الطرفان يرتكبان كل القباحات بنفس الدرجة، إنما بطرق مختلفة، ويتساويان في ممارسة العنف، والقتل من أجل القتل، وعدم المبالاة للمدنيين ومعاناتهم، ويصبح حب البقاء وطلب “النصر” هو الدافع الوحيد للسلوك، بلا اعتبارات لمعاناة الملايين. العراقيون، مثلا، صاروا في حرب الثماني سنوات يقصفون طهران بصواريخ “الحسين” و”العباس” التي كان تحديد أهدافها بدقة مستحيلا، والإيرانيون صاروا بالمقابل يقصفون بغداد بصواريخ “دودة القز” الصينية الصنع والتي كانت تدمر مساحات واسعة رغم كونها أكثر دقة من صواريخ العراقيين.
ولا تقف التعقيدات هنا، بل وتبدأ عمليات تحول، منظمة أو عشوائية انفعالية، من خندق إلى آخر، ويكون اختيار الخنادق التي يقف فيها الناس على أسس بعيدة عن تلك التي كانت في البداية. في البداية وقف الناس ضد صدام لأنه بدأ الحرب، ثم صار الناس يلومون إيران لعدم موافقتها على وقف الحرب.
ثم ظهرت الطائفية فلم يعد الحق والباطل أساسا لمواقف الناس، بل صار الانتماء الطائفي هو الذي يحدد الموقف من الحرب.
ولعل الوجه الأكثر إيلاما لمن يتابع مثل هذه الصراعات دون أن ينغمس في أتونها هو أن الكلام يصبح صعبا، والوقوف مع أحد ضد الآخر يتحول إلى مجازفة، فمن تدافع عنه باعتباره الضحية، يصدمك بعد يوم بأنه هو أيضا جلاد.
ولعل إمارة مسعود بارزاني في شمال العراق تصلح مثالا ساطعا على ما نقول، فقد دافع العراقيون العرب عن حقوق الأكراد القومية منذ عام 1959 دون هوادة، وقارعوا الحكومات الغاشمة التي كانت تضطهد الشعب الكردي.
ما تفعله قوات مسعود بارزاني اليوم من هدم منازل العرب في كركوك، ومنع الذين هربوا من داعش من العودة إلى بيوتهم بعد انسحاب داعش من مناطقهم، تلقي بظلال كئيبة على فهمنا لطبيعة الصراعات.
لماذا قدمنا التضحيات في مصارعة صدام حسين، ومحاولاته في تعريب بعض مناطق الأكراد، إذا كان الأكراد أنفسهم سيمارسون سياسة تكريد المناطق العربية؟
إذا كانت إقامة دولة عربية لا تبرر سحق حقوق غيرهم، فلماذا يكون ذلك مبررا لمن يريد أن يبني دولة كردية؟
ترى إذا استعادت الحكومة المركزية في بغداد قوتها، وصارت بعد وقت قصير، وفي تحالف مصيري مع إيران وتركيا، تضغط الأكراد في زاوية ضيقة كما حصل مع “جمهورية” مهاباد، أو كما حصل عام 1975 حين هرب البارزاني ومن معه إلى إيران، هل سيلوم أحدٌ العربَ في العراق إذا وقفوا يتفرجون على ما تفعله حكومتهم؟
يبدو أن من يريد الدفاع عن الحق عليه أن يدافع عنه كقيمة مجردة لا ترتبط بشعب أو قومية، أو جماعة، أو حتى شخص، لأن كل طرف يحمل بذور الجلاد حتى في حالة كونه الضحية.
ويبدو أن وجود ثنائية الضحية والجلاد في نفس واحدة، وفي كل طرف، حقيقة تكاد تكون مطلقة، فنحن، مثلا، نقف من عامين بكل قوة مع كل من يتعرض لوحشية تنظيم داعش، بما في ذلك الأقليات الدينية والعرقية مثل اليزيديين والآشوريين، لكننا نصدم بحقيقة مرة وهي أننا يجري استغفالنا، فعلى الجانب الآخر في الصراع مع داعش لا يوجد فقط ضحايا أبرياء، بل وأيضا فرسان المعبد الذين هم الوجه الآخر لداعش، وليسوا أقل شرا، وهمجية، ووحشية منه.
ما يصدمنا حقا هو أن “الإخوة” الآشوريين، وهم أقلية ضئيلة في العراق كانوا على الدوام في وئام مع الحكومات التي تضطهد كل الأقليات الأخرى، بل والأغلبية العربية قبل غيرها، برزت لهم على حين غرة أنياب، ومخالب، وراحوا وهم يتجرعون الهزيمة على أيدي الدواعش يبحثون عن ساحات قتال تكون لهم فيها الغلبة لظنهم أنهم صاروا هناك ينتمون إلى الأغلبية، فنقلوا صراعهم مع المسلمين، وليس مع داعش، إلى أوروبا، حيث يكشفون عن أنهم لا يقابلون داعش كضحايا مثلنا جميعا، وإنما باعتبارهم فرسان المعبد.
في أوروبا أصبح المسلمون بين مطرقة الإرهاب السعودي المسنود من أمريكا وبين مطرقة اليمين الفاشي.
ولكن، والحمد لله، فإن اليسار الأوروبي المدعوم من المنظمات والجماعات ذات النزعات والأهداف الإنسانية ما يزال قويا بما فيه الكفاية لمنع وقوع هولوكوست بحق المسلمين.
بل وحتى اليمين نفسه، ورغم تحينه الفرص للانقضاض على المسلمين، يعرف حدوده في إطار حقوق الإنسان، ويحذر من تجاوز الخطوط القانونية.
إنها لصدمة كبيرة حقا أن أكثر الأصوات فاشية في هذه الأجواء المكهربة في أوروبا هو صوت “إخوتنا” الآشوريين الهاربين من داعش والذين يحرضون على المسلمين في أوروبا بشكل يفتقر إلى الإنصاف.
في أوروبا، (ربما) في السويد أنشؤوا مؤسسة إعلامية أطلقوا عليها (وكالة الأنباء الآشورية العالمية – AINA)، وتُصدر يوميا، باللغة الانجليزية، نشرة الكترونية أو أكثر عن قضايا الآشوريين في العراق وسورية والمهجر.
هذه المؤسسة دأبت منذ تأسيها على شن حرب شعواء، ليس على داعش، بل على الإسلام والمسلمين.
وازدادت هيستيريتها بعد أحداث رأس السنة في مدينة كولن الألمانية التي قام بعض الرعاع خلال احتفالاتها بالتحرش بالنساء في الشوارع – (وقد تبين الآن أن مسألة الاغتصابات والاعتداءات الجنسية التي يُزعم أن طالبي اللجوء السوريين يقومون بها مسألة مفتعلة ومبالغ بها إلى حد بعيد).
آينا الناطقة باسم الآشوريين دخلت على الخط كما لم تفعل أية وسيلة إعلام أوروبية معادية للمسلمين، فصبت عدة نشرات منها جام غضبها على الإسلام، محذرة الأوروبيين من أنهم لا يعرفون الخطر الذي يواجههم لأن الإسلام هو المسؤول عن هذا السلوك فهو دين يحرض الرجال على اغتصاب النساء، واعتبارهن ملكية للرجل، وأن توقيت هذه الغزوة في رأس السنة الميلادية يحمل معنى رمزيا، أي إنه مقدمة غزو إسلامي لأوروبا المسيحية سيقترن بالاغتصابات وغيرها من الشرور. وقالت في نشرتها بتاريخ 8 كانون الثاني 2016 أن المسلم متوحش بسبب عقيدته وأنه حتى المسلم المثقف والمتنور والذي عاش في أوروبا حياة مسالمة عادية لعشرات السنين يتحول إلى السلوك الذي تريده عقيدته عندما يجد أن أعداد المسلمين في أوروبا قد تزايدت!
ثم صارت آينا تشن هجوما شرسا على اليسار الأوروبي لأنه يحاول حماية المسلمين. ولا تكاد نشرة واحدة من نشرات “آينا” تخلو من التحريض على المسلمين في أوروبا، وبث السموم الطائفية والدينية المقيتة. هذا مؤسف حقا، فالهاربون من جحيم الشرق الأوسط هم في جلهم مسلمون رافضون للإرهاب، وأغلبيتهم الساحقة ليسوا إسلاميين سياسيا، بل مجرد مسلمين بالهوية.
فما المقصود من هذا التحريض عليهم في أوروبا؟ هل يعبر هؤلاء الآشوريون عن شعور بأن غير المسلم الهارب من الشرق الأوسط له حقوق طبيعية في أوروبا؟
أم أنهم يظنون أنهم في أوروبا جزء من الأغلبية المسيحية، وبإمكانهم العودة إلى القرون الوسطى والقيام بحروب صليبية؟
نسأل الآشوريين العراقيين: متى أيها الإخوة لم نكن، نحن العراقيون، معكم، ومع الأرمن، وغيرهم؟
متى لم نكن مع الشرفاء منكم في نفس الخندق في الكفاح من أجل وطن حر وشعب سعيد؟ متى اغتصبنا نساءكم؟ متى حرضنا الإسلام على اضطهادكم، وكنائسكم قائمة بين ظهرانينا حيث قامت على مدى القرون الماضية عدة امبراطوريات إسلامية، عربية، وتركية، وفارسية؟
كنائسكم، ونساؤكم، ومقدساتكم أصبحت عرضة للاستباحة سوية مع مساجدنا ونسائنا ومقدساتنا بعد الغزو الأمريكي المسيحي-الصهيوني الصليبي الإسرائيلي للعراق. قبل الغزو لم تتعرض إمرأة يزيدية أو آشورية واحدة للاغتصاب. لماذا إذن هذا الحقد والتحريض علينا؟
ما الفرق بينكم أيها “الإخوة”، إذ تحرضون على طرد المسلمين من أوروبا، وبين من طردكم وطرد المسلمين من ديارهم في الشرق الأوسط؟ وهل تعرفون أية نتائج ستجنونها من حقدكم؟ أنتم ربما لا تعرفون أنه إذا قامت الساعة في أوروبا، وصار المسلمون يعاملون فعلا كخطر على القارة الأوروبية فإن النازية والفاشية لن تستثنيكم من الهولوكوست، فأنتم شرقيون وسحناتكم مثل سحناتنا، بل سنصبح جميعا، المسلمون، والمسيحيون، والعلمانيون، والملحدون الشرقيون طعما للنار. أنتم تصطفون مع النازية والفاشية في أوروبا، وبذلك تجنون على أنفسكم قبل غيركم، فالنازية والفاشية ليست معنية بدينكم، بل بمنابتكم الشرقية.
على أية حال، علينا أن نذكّرهؤلاء، ونذكّر أيضا كل من يريد التكسب على حساب مسلمي أوروبا بأن الدين لا يمكن أن يفسر كل سلوك من سلوكات الإنسان.
هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، ونفسية، وراء السلوك الاجتماعي للإنسان، قتلا كان أو اغتصابا.
ربما لا يتابع بعض الناس أخبار جرائم الاغتصابات الجماعية التي تهز الهند كل يوم – والهند ليست دولة مسلمة؛ وربما لا يعرفون شيئا عن حقائق الجرائم الجنسية التي ترتكب في أوروبا وأمريكا الشمالية كل ساعة – وأوروبا وأمريكا ليستا مسلمتين؛ وربما لا يعرفون أن أبشع مجزرة جنسية منظمة، ومنهجية، ووحشية بكل معنى الكلمة في تاريخ أوروبا وقعت على عشرات الآلاف من النساء المسلمات في البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي على أيدي المسيحيين الصرب. هل المسيحية هي التي حرضت الصرب على اغتصاب النساء المسلمات في البوسنة – يا آينا؟
شيء مؤسف حقا أن يثير الناس حربا دينية ضد المسلمين، وهم يعرفون أن الأغلبية الساحقة من المسلمين، مثلهم تماما، ضحايا الإرهاب الأمريكي السعودي الإسرائيلي.
على أية حال، لا نظن أن مؤسسة إعلامية بهذه الإمكانيات تعكس وجهات نظر أشخاص، بل هي أداة سياسية تحركها أصابع ليست خفية، بؤرتها الرئيسية في ديترويت.
لا بأس فنحن نقول لكل من ينزع نحو إثارة الحروب الدينية، سواء كانت حرب جهاد أو حربا صليبية، نقول: نحن مع الناس طالما كانوا مضطهدين مثلنا، أما حين يكشفون عن أنهم في آخر المطاف ليسوا غير فرسان المعبد متلفعين بعباءة الضحية في مواجهة داعش، نقول لهم: يا فرسان المعبد أنتم وداعش .. بأسكم بينكم!