شُعوب ودُول تَعَلّمتْ من هزائمها..هل يحدث الاستثناء العربي؟ ج 3!
بقلم أعلية العلاني*
1) هل تتواصل بعض التجارب الواعدة في العالم العربي؟
عرف معظم العالم العربي بعد استقلال العديد من الدول حقبتين أساسيتين حقبة ما قبل 2011،
وحقبة ما بعد 2011 أو ما أصبح يُعرف بالربيع العربي.
فالحقبة الأولى كانت متعددة المشارب الايديولوجية من اشتراكية، إلى قومية عروبية (بمختلف فروعها) إلى ليبرالية تفتقد لنواميس التعددية السياسية (ما عدا بعض الاستثناءات القليلة جدا)، وقد هَيْمنتْ هذه التيارات على السلطة. في حين هيمنت التيارات الاسلاموية على المعارضة ولم يصل منها إلى الحكم سوى السودان بانقلاب عمر البشير في 1989 استمر 30 سنة. وكان الصراع حادا بين نمطين مجتمعيين مُتباينين، وبقيت الحداثة حكرا على بعض النُّخب. ولم تُفلت من هذه النمطية -إلى حد ما- سوى المغرب التي امتصّت بذكاء تداعيات الربيع العربي. كما أن بعض دول الخليج العربي قبل 2011 أدركت وتنبأت بنهاية الأنظمة المؤدلجة، وحاولت تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد بشكل رئيسي على مداخيل النفط. أما الحقبة الثانية لما بعد 2011 فنجد فيها الحقبة الإسلاموية لبعض الدول المعروفة بدول الربيع العربي مثل تونس ومصر وليبيا واليمن. والتي اتسمت بصعود تيار الإسلام السياسي الإخواني إلى الحكم الذي بقي مشتتا بين حلم الدولة الدينية والدولة المدنية، ولم يستوعب ضرورات التقدم واستكمال الحداثة. واتضح بعد عَشْر سنوات من الحكم أنه لا يملك رؤية اقتصادية واجتماعية ناجعة بدليل أن الدول التي حَكَمَها لم تتوقف بها الاحتجاجات الاجتماعية نتيجة ارتفاع البطالة والأسعار وسوء الخدمات، وبقي هذا التيار إلى اليوم تائها في مراجعاته بعد أن تورط في حروب إقليمية تسببت في تطور ظاهرة الإرهاب. ولم يُفلح سوى في الحفاظ نسبيا على حرية التعبير بفضل ضغط المجتمع المدني في هذه البلدان، وهو مكسب مهدد بالزوال في ظل ديمقراطية شكلانية في بلدان الربيع العربي لا تقوم على مكافحة الفساد والاستقلال الحقيقي للقضاء والعدالة في توزيع الثروة. ورغم هذه المساوئ فإنه لا يزال هناك أمل في عالمنا العربي في إصلاح عميق تَرْجَمَتْهُ احتجاجاتُ العراق اليومية في بعض الفترات وحراك السودان والجزائر قبيل جائحة كورونا المستجدة ببضعة أشهر ولا يزال مستمرا بوتيرة أقل، رغم مخاطر جائحة كوفيد 19 التي عصفت بالاستقرار الاقتصادي العالمي وبالمنظومة الصحية، وحصدت عشرات الآلاف من الضحايا في العالم العربي. ورغم هذه الأزمات ما تزال بعض الدول تُصارع من أجل اللحاق بركب الدول المتقدمة، وهي تعيش “ثورة صامتة” عمادُها إصلاحات هامة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
2) كيف يستثمر العرب في التقدم؟
لا بد من الاتعاظ من هزائمنا ومن فشل مَنَاويلنا الاقتصادية وأنماطنا المجتمعية السابقة، واستخلاص الدروس من نتائج حروب الربيع العربي. ولتحقيق التقدم، يصبح من الضروري الاستثمار في عدة مجالات أهمها:
-
الاستثمار في العلم
لا بد من خلق قاعدة صلبة في مجال البحث العلمي في كل المجالات. وتطوير مناهج التعليم (خاصة بعد أزمة كوفيد 19 بالاستثمار في التعليم عن بُعْد وما يستلزمه من مناهج خصوصية مثل التربية على الميديا)، والترفيع في نسبة البحث العلمي في ميزانية الدولة. والاستعانة بخبْرات أجنبية أمريكية وأوروبية وروسية وصينية وهندية في مجال البحث العلمي، فهذه البلدان أصبحت رائدة في هذا المجال (انظر مقالنا السابق عن إنفاق ألمانيا الكبير على البحث العلمي). ويمكن لهذه الخبرات الأجنبية أن تؤطر بعض فرق البحث العلمي مؤقتا في بلداننا ويتمّ ذلك في إطار شَرَاكات ناجعة خاصة في مجال الإعلامية واقتصاد المعرفة والتكنولوجبا الرقمية التي سيكون لها تأثير كبير جدا في الاقتصاد العالمي والإقليمي في مرحلة ما بعد كوفيد 19.
ب- الاستثمار في السلم
إن الحروب والنزاعات الإقليمية وحتى داخل القطر الواحد تستنزف مليارات من الدولارات، ومن الأفضل أن تذهب تلك الأموال لتطوير البنية التحتية وتجهيز المدارس والمستشفيات ودَعْم القاعدة الاقتصادية لتلك البلدان.
-
الاستثمار في الثقافة وفي مراجعة الفكر الديني
ونقصد بذلك، الثقافة الإنسانية التي لا نعرف عنها إلا القليل، فانفتاحُنا الفكري على ثقافة الآخرين يُمكّنُنَا من توسيع آفاق معارفنا ويجعلنا أقل دوغمائية. وفي هذا الإطار تصبح مراجعة الفكر الديني في ظل تنامي الراديكالية الدينية أمرا ضروريا، وذلك عَبْر إقامة الندوات الفكرية الجدية والعميقة، والشروع في تكوين لجان قُطْرية لمراجعة وغَرْبلة التراث الديني. ويمكن لهذه اللجان أن تتوسع لاحقا إلى لجان إقليمية ودولية. ولا يمكن هَزْمُ التطرف إلا بثقافة الوسطية والتسامح الديني القائم على أسس علمية عقلانية معاصرة لا على أسس الوعظ والتلقين كما نجده في مؤسساتنا الدينية التقليدية.
-
الاستثمار في فضاءات الترفيه
