شهداء خلدهم التاريخ
عبد الكريم الجدة نموذجًا

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في صفحات التاريخ، تبقى بعض الأسماء حية لا يطالها النسيان، لأنها لم تعش لنفسها، بل اختارت أن تكون ضوءًا في عتمة المحن، وعهدًا للشرف الوطني في لحظات السقوط والانهيار. ومن بين هؤلاء الرجال، يبرز اسم الشهيد عبد الكريم الجدة، الضابط العراقي الأبي، الذي جسد أسمى معاني الفداء والإخلاص للوطن، حتى استحق أن يكون أحد شهداء الخلود في ضمير الأمة.
وُلد عبد الكريم الجدة في بغداد عام 1916، ونشأ في بيئةٍ وطنيةٍ عرفت معنى الشرف والواجب. التحق بالكلية العسكرية العراقية، وهناك صقلت شخصيته بين أروقة التدريب والانضباط، حتى غدا ضابطًا يُشار إليه بالبنان من حيث الكفاءة والخلق العسكري الرفيع.
عُرف عن الجدة صلابته في الموقف، وعدالته في التعامل، ونزاهته التي لا تعرف المساومة. وعندما بزغ فجر ثورة 14 تموز 1958، كان في مقدمة المساندين لها، مؤمنًا بأن العراق يستحق حُكمًا وطنيًا يحفظ كرامته وينتصر للفقراء والمحرومين. لم يكن رجلًا عابرًا في العهد الجمهوري الأول، بل كان حجر زاوية في الحفاظ على المؤسسة العسكرية من العبث والارتباك، حيث تولى منصب آمر الانضباط العسكري بكل جدارة واستقامة.
وجاءت المحنة الكبرى في 8 شباط 1963، حين قرر الانقلابيون أن يغتالوا حلم العراق الجديد. في تلك الساعات الحالكة، وقف عبد الكريم الجدة إلى جانب قائده الزعيم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، متحديًا المدافع والدبابات، مدافعًا عن الجمهورية حتى آخر طلقة وآخر نبضة. لم يتردد ولم يهادن، بل خاض المعركة بشرف حتى استُشهد في ساحة وزارة الدفاع، مقدمًا للعراق شهادة بالدم تُكتب بماء الذهب.
استشهاد عبد الكريم الجدة لم يكن مجرد خسارة لضابط وطني، بل كان رمزًا لخسارة جيل من الرجال الذين آمنوا بالعراق أولًا وأخيرًا. لم تسجل صفحاته إلا بالبطولة والوفاء. ورغم أن آلة التشويه والتغييب حاولت أن تطمس مآثره، إلا أن التاريخ النزيه أنصفه، وأعاد له مكانته بين الكبار الذين كتبوا للعراق قصة عز وفداء.
إننا، حين نتحدث عن عبد الكريم الجدة، فإنما نتحدث عن مدرسة في حب الوطن، في التضحية من أجل المبدأ، وفي الإيمان بأن الشهادة خير من الانحناء للطغيان.
سلامٌ على روحك الطاهرة،
وسلامٌ على كل شهيدٍ اختار الخلود في سفر المجد بدلًا من حياة الذل والخنوع
2025-05-02