شروط الثورات والفعل الثوري!
جمال الطاهات
الثورة هي الأبنة الشرعية للوعي المزدوج “مرارة الواقع وحلاوة المستقبل المأمول”. بؤس الواقع فقط يولد حركات تمرد تنطلق من معرفة الشعوب لما “لا تريده”، وصور المستقبل غير الممزوجة بمرارة الواقع، تتحول إلى مجرد نصوص عاجزة عن تجاوز الصور والاحلام نحو توليد الفعل. وامتزاج مرارة الواقع وأحلام المستقبل بخطاب ثوري واحد، ويحدد الظالم الذي يمارس الظلم ويغلق طريق المستقبل، هو المنجز الأهم، وعتبة انطلاق الحركة الثورية، التي تصوغ مثلث الثورة، 1- تحديد المظالم، 2- وتحديد الظالم، 3- وتوضيح صور المستقبل.
تثبت الدروس التاريخية أن للثورة ثلاثة شروط: وعي بالمظالم، وتوافق على المستقبل بملامح واضحة للدولة البديلة، وتحديد للظالم المسؤول عن المظالم الذي يعترض وصول المستقبل المشرق. صحيح أن وعي الشعب بالمظالم شرط أساسي لأي مشروع ثوري، إلا أن الثورة “كفعل تاريخي”، لا تكتمل إذا لم تتضح ملامح المستقبل، وتحديد العقبات التي يجب إزالتها لفتح الطريق نحوه.
الخطاب الثوري لا معنى له إذا بقي يتحدث عن مسار غامض غير معروف بين الواقع والمستقبل. فإذا لم تتجرأ حركة ثورية وتعلن عن الظالم الذي يسبب المظالم ويمنع المستقبل، فالشعوب يمكن تضليلها بالقول إن هناك أسباب للواقع البائس لا تستدعي الثورة والتخلص من الظالم. فالصراع الفكري الذي يمهد للثورة هو صراع بين تفسيرين للواقع المر المرفوض. خطاب الحركة الثورية، وخطاب المستبد الفاسد يشيران إلى بؤس الواقع، إلا أن لكل منهما تفسيره المختلف لهذا الواقع البائس. تفسير الحركة الثورية، الذي يحدد المظالم والظالم، ويصوغ صور المستقبل. وخطاب المستبد الفاسد يتحدث عن مصاعب الحياة (ولكنه لا يسميها مظالم)، على اعتبار أن ما يجري طبيعي ولا راد له، وينكر وجود مستقبل بديل للواقع الراهن.
لقد أخفقت حركات ثورية عظيمة في رسم ملامح المستقبل والطريق إليه، على الرغم من انه لم ينقصها لا الأبطال ولا التضحيات. إذ تميزت الحركة الفوضوية في القرن التاسع عشر، وقبلها حركة الحشاشين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، بالتركيز على المظالم والظالمين، إلا أنها عجزت عن صياغة الاحلام بمستقبل بديل للواقع البائس. فلم تتعد هذه التجارب مجرد كونها تمرداً على الواقع المرفوض، وعبأت الشعوب ضد “ما لا تريد”، إلا أنها لم تع في تقديم صور المستقبل البديل. وينطبق هذا أيضاً على ثورات العبيد في روما وفي الدولة العباسية عن تحقيقه. فقد رفضوا العبودية وتمردوا عليها ببطولة استثنائية، إلا أنهم لم يعوا أهمية بناء الواقع البديل الذي لا عبودية فيه.
ويوازيها بالعجز -مع إضافة التخاذل وفقدان حس البطولة- الخطاب النقدي العربي (الذي لم يصل لمستوى الخطاب الثوري)، والذي يتميز بالمبني للمجهول. فهناك واقع مر وأليم يشترك برفضه قطاع واسع بما فيه المستبدون، وهناك مستقبل مأمول رسمه الخطاب النقدي العربي بألوان الورد وعطره، مستعيراً إياه من تجارب شعوب أخرى، إلا أن هذا الخطاب أحجم عن تحديد الظالمين. فلا يمكن تفسير الظلم إلا بوجود الظالمين.
الشعوب تتحرك ضد أهداف واقعية. وتحديد المسؤول عن محنة الشعب الأردني أحد أبرز مهام الحركة الثورية في الأردن، فالشعوب لا تثور على المظالم، ولكنها تثور على الظلمة الذين يمارسون هذه المظالم، والقول بأن هناك مظالم دون الإشارة للظلمة، هو خيانة للشعب وللذات معاً، وتخلي عن كبرياء الفكرة وسموها.
إن جاذبية خطاب الحركات الثورية تتأتى من مقولة ان “الضد يظهر حسنه الضد”، فحلاوة المستقبل تتجلى وتتضح من مرارة الواقع، وآلام مظالمه، وبشاعات المستبد الفاسد الظالم. إلا أن مهمات الحركة الثورية لا تكتمل بتحديد المظالم والظالم، بل بكيفية تمكين المواطنين من استرداد حقوقهم، وانتشار القناعة بأن هناك انتهاك للحقوق يجب وقفه، ومنتهكون للحقوق يجب التخلص منهم، وحقوق يجب ردها لأصحابها.
لا وعي ثوري لا يؤسس لفعل ثوري، ولا يساهم بإنجاز الثورة. فالثورة فعل، وليست مقولة معلقة في العالم المجرد. والفعل الثوري هو التجلي العياني للفكرة العظيمة التي تصوغ ملامح المستقبل من آلام الحاضر وبشاعاته. وتبقى المهمة التي تتوج كل المهمات الثورية هي تصميم الفعل الثوري القابل للتنفيذ. صحيح أن الثورات تنجزها الشعوب وليس الحركات، إلا أن الثورات لا تكتمل، ولا تصان فرصها في النصر، دون حركات ثورية تدل على الفعل الثوري، الذي يفتح الطريق نحو مستقبل مشرق وجميل.
أخيراً، إن الأردن الذي يعاني من الاستبداد والفساد نموذج لثورة في طور التحقق. فهناك المظالم، وهناك المستبد الفاسد وعائلته ، الذين أذلوا المواطنين وسرقوا موارد الدولة، واعتدوا على ظلال اجدادنا على أرضنا، فغيروا أسماء الأماكن كأن الشعب لم يكن يوماً موجودا. وهناك صور المستقبل التي يمكن لها أن تكون “يوتوبيا” نِحنُ لها جميعاً. والشرط الغائب هو طريق الثورة للتخلص من المستبد الفاسد، ولكيفية بناء الدولة الحقيقية في المستقبل القريب، ولكيفية حمايتها من أن يسرقها مستبد فاسد جديد.
2023-02-04