شذرات من حديث في السياسة


ثريا عاصي
أعتقد أنّه لو وُجِّهت الدعوة له لما كان السياسي اللبناني المرحوم ريمون إده شارك في اجتماع أعضاء المجلس النيابي اللبناني في سنة 1989، في مدينة الطائف، في الحجاز، الذي تمخّضت عنه اتفاقية الطائف الشهيرة.
يحقّ للمراقب أن يشكِّك في شرعية مجلس نيابي لبناني، يعقد جلساته تحت رعاية آل سعود ويتوافق أعضاؤه على إدخال تعديلات على دستور البلاد .
إنّ ما جرى في الطائف، بحسب تقديري، وفهمي للكينونة والسيادة الوطنيتين، هو في الواقع أنّ النواب اللبنانيين تجاوزوا حدود الوكالة التي مُنحت لهم عن طريق انتخابات مزيّفة، حيث وضعوا البلاد تحت وصاية آل سعود مُمثّلة بالرئيس الشهيد رفيق الحريري من جهة، والحكومة السورية مُمثّلة بقيادة القوات السورية في لبنان، وتحديداً السيد غازي كنعان ثم خلفه السيد رستم غزالي، من جهةٍ ثانية .
المفارقة هي في أنّ الأشخاص الثلاثة الذين ذكرناهم لاقوا موتاً عنيفاً .
من البديهي أنّ ما تعرّضوا له كان عاملاً مؤثِّراً في تصعيد الاحتقان إلى درجة الانفجار في سوريا ولبنان. أكتفي بهذا الإستطراد لأقول إنّ الدولة في لبنان رُهِنت في اجتماع الطائف.
كان العاملون في حقل السياسة قبل ذلك يتنازعون على السلطة وعلى حجم الحصص، رغم أنّ المستعمرين الإسرائيليين كانوا لا يزالون يحــتلّون جزءاً من الأراضي اللبنانية، جنوب نهر الليطاني !
كان الناس في جنوب لبنان آنذاك، عملياً، خارج الدولة. إذ كان لهذه الأخيرة فرعان، فرع في بيروت الشرقية، وآخر في بيروت الغربية وقعت بينهما عقب انتهاء ولاية السيد أمين الجميل كرئيس للجمهورية في أيلول 1988، حرب استخدمت فيها المدافع ! يحسن التذكير بأنّ الرئيس أمين الجميّل انتُخب رئيساً للجمهورية إثر اغتيال شقيقه بشير الجميل قبل أن يتسلّم هذا الأخير مهامه الرئاسية ! وكان قد انتُخب أثناء الإحتلال الإسرائيلي لبيروت، في 1982.
وفي موازة الحرب على السلطة، كانت أرض الجنوب مسرحاً لمناوشات متواصلة بين المقاومين اللبنانيين من جهة، وقوات الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى .
كانت الأجواء في الجنوب مُثقلة بحملات التحريض والتحشيد والتجييش، ومثقلة أيضاً بالهموم والأحزان وسط صخب المآذن، التي تحوّلت إلى وسيلة إعلامية تبثّ «آناء الليل وأطراف النهار» مقاومين وشهداء، والخوف من قنابل ميليشيا جيش لبنان الجنوبي بقيادة الضابط المنشق سعـد حداد الذي خلفه ضابط منشق آخر اسمه أنطوان لحد !
الفساد هو أن يكون دخلك الشهري الفعلي يساوي أضعاف أضعاف معاشك، كرئيس أو كوزير أو نائب أو موظف في إدارة الدولة. يُحكى عن مسؤول سياسي في لبنان كان يتقاضى شهرياً 250 ألف دولار، وعن آخر سوري «وُلِّجَ إليه ملف لبنان» كان حظّه أوفر.
كان المرحوم كمال جنبلاط يُطالب بإخضاع رجال السياسة في لبنان إلى المُساءلة تحت عنوان «من أين لك هذا؟» ! السياسيون في لبــنان يجمعون أموالاً هائلة أثناء وجودهم في السلطة !
إذا كنت تريد وطناً، فلا بد أن تعترف أولاً بأنّ المواطنين يجب أن يكونوا متساوين في الحقوق والواجبات، وبأن لا أحقيّة لاحد بالزعامة والقيادة عن طريق الوراثة أو بواسطة الثروة، أو نزولاً عند إرادة دولة أجنبية .
لا أعتقد أنّه يوجد في لبنان، قائد خالد أو زعيم ملهم . بل بالضدّ من ذلك، إنّ لبنان مبتل بسياسيّين من النوع السيء جداً !
(للحديث بقية)
2015-09-19