“سي آي إيه” تتولى القيادة:
ترامب يأذن بحرب سرية في فنزويلا
بإذنٍ رئاسي، انتقلت المواجهة مع كاراكاس من الحصار البحري إلى الحرب القذرة. لقد أوكلت واشنطن المهمة الآن لوكالة المخابرات المركزية، معلنةً بدء فصل جديد ودموي من العدوان الإمبريالي المستمر منذ ربع قرن
سعيد محمد *
في اعترافٍ صريحٍ ينهي كل التكهنات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه أذن لوكالة المخابرات المركزية (CIA) بتنفيذ “عمليات سرية” في فنزويلا. هذا الإعلان، الذي وصفه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على الفور بأنه ضوء أخضر “لانقلاب تنفذه وكالة المخابرات المركزية”، يمثل انتقالاً رسمياً من الحرب الهجينة بالوكالة إلى الحرب القذرة المباشرة التي تديرها أجهزة الاستخبارات الأمريكية. فبعد عقود من دعم المعارضة اليمينية وتمويلها، والإرهاب الاقتصادي، والحصار البحري، وإغراق القوارب، سلمت إدارة ترامب دفة المواجهة علناً إلى الجهاز الذي لطالما أدار عمليات تغيير الأنظمة في أمريكا اللاتينية والعالم، ممهدةً الطريق لمرحلة دموية جديدة بهدف سحق الثورة البوليفاريّة، ونهب ثروات فنزويلا تحت الشعار المخاتل لمكافحة المخدرات.
يأتي إقرار ترامب بتورط وكالة المخابرات المركزية كتأكيد رسمي لما كانت تشير إليه كل الدلائل، وكتتويج منطقي لمسار تصعيدي مدروس. فقد سبق لإدارته أن أعلنت أنها في “نزاع مسلح” مع كارتلات المخدرات في فنزويلا، وهو ما استخدمته كغطاء قانوني مزيف لسلسلة من الهجمات البحرية التي أودت بحياة 27 شخصاً على الأقل في مياه الكاريبي حتى الآن. لكن تصريحات ترامب الأخيرة تذهب إلى ما هو أبعد؛ فعندما سُئل في مؤتمر صحفي عما إذا كان يفكر في شن هجمات على أهداف برية داخل فنزويلا، أجاب: “إننا ندرس مهاجمة أهداف على الأرض”، مضيفاً بلهجة لا تخلو من التهديد: “أعتقد أن فنزويلا تشعر بالحرارة الآن”. وعندما ضغط عليه الصحفيون لمعرفة ما إذا كانت وكالة المخابرات المركزية لديها تفويض لاغتيال الرئيس مادورو، تهرب من الإجابة المباشرة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام أسوأ الاحتمالات.
هذا التحول من عمليات عسكرية معلنة – وإن كانت غير قانونية – إلى عمليات استخباراتية سرية، يمثل تصعيداً خطيراً على مستويات عدة. فهو ينقل قيادة العمليات ضد فنزويلا من البنتاغون إلى وكالة المخابرات المركزية، ما يعني غياباً شبه كامل للرقابة والشفافية، إذ إن منطق العمليات السرية للـ CIA تاريخياً يشمل كل شيء، من تسليح وتمويل قوى المعارضة وتدريب المرتزقة، إلى تنفيذ اغتيالات وتخريب منشآت حيوية وتدبير انقلابات عسكرية. كما أن هذا الإعلان يمنح الوكالة تفويضاً مفتوحاً للعمل داخل الأراضي الفنزويلية، مما يعني أن الحرب لم تعد على الحدود أو في المياه الدولية، بل انتقلت إلى قلب البلاد.
مبررات ترامب لهذا التدخل السافر لم تخرج عن سلسلة من الادعاءات التي رددها مراراً، عن أن كاراكاس تفرج عن سجناء ومرضى عقليين لإرسالهم إلى الولايات المتحدة، وأن الدّولة الفنزويلية تدير كارتيلات اتجار بالمخدرات تصل موادها إلى الداخل الأمريكي، وهي مزاعم دحضتها كافة البيانات الرسمية حتى من داخل إدارته، ما يشير إلى محاولة ركيكة لتبرير عدوان وشيك على دولة ذات سيادة أمام رأي عام داخلي يتم تضليله بشكل ممنهج.
لقد أثارت هذه السياسة العدوانية للولايات المتحدة تجاه فنزويلا إدانة واسعة، ليس فقط من كاراكاس وحلفائها، بل من خبراء الأمم المتحدة الذين وصفوا الهجمات على القوارب بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي وإعدامات خارج نطاق القضاء. واللافت أن هذا التهور بدأ يحدث شرخاً عميقاً داخل المؤسسة السياسية في واشنطن نفسها. فالانتقادات لم تعد تقتصر على الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، بل امتدت لتشمل شخصيات وازنة في الحزبين. السيناتور الديمقراطية جين شاهين، وهي عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قالت: “إن إذن إدارة ترامب بعمليات سرية لوكالة المخابرات المركزية، وشن ضربات مميتة على القوارب، والتلميح بعمليات برية في فنزويلا، يدفع الولايات المتحدة نحو صراع مفتوح دون شفافية أو رقابة أو أي ضوابط واضحة”. وأضافت في تحذير مباشر: “يستحق الشعب الأمريكي أن يعرف ما إذا كانت الإدارة تقود الولايات المتحدة إلى حرب أخرى تعرض حياة أفراد الخدمة العسكرية للخطر، أو تسعى لعملية تغيير نظام”. تكشف هذه التصريحات عن قلق متزايد من داخل المؤسسة الأمريكية من أن سياسة حافة الهاوية التي يتبعها ترامب قد تخرج عن السيطرة وتورط الولايات المتحدة في مستنقع جديد.
ولعله مما ينبغي التذكير به دائماً أن خلف ستار الدخان الكثيف لدعاية “الحرب على المخدرات”، تكمن الدوافع المادية الحقيقية التي تحرك شهية واشنطن للحرب. ففنزويلا جائزة جيوسياسية واقتصادية كبرى، إذ تمتلك أكبر احتياطي مؤكد للنفط في العالم، بما يمنح من يسيطر عليه نفوذاً على أسواق الطاقة العالمية قد يفوق الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية حالياً. كما تملك مخزونات هائلة من الذهب والمعادن الاستراتيجية مثل الكولتان والبوكسيت، التي تعتبر حيوية للصناعات التكنولوجية المتقدمة. إن “جريمة” التشافيزيين، منذ عهد هوغو تشافيز، هي أنهم شكلوا حجر عثرة أمام الهيمنة الأمريكية، ليس فقط بتبني خطاب اشتراكي، بل بترجمة هذا الخطاب إلى سياسات ملموسة: تأميم قطاع النفط، وطرد الشركات متعددة الجنسيات، ومراجعة العقود المجحفة مع الشركات الغربيّة، واستخدام عائدات الثروة الوطنية لتمويل برامج الصحة والتعليم والإسكان التي انتشلت ملايين الفنزويليين من ربقة الفقر. إن بناء نموذج سيادي يضع مصالح الشعب فوق مصالح رأس المال الأجنبي هو أمر ترفضه الولايات المتحدة شكلاً ومضموناً، لا سيما في “حديقتها الخلفية”، أمريكا اللاتينية.
ولعله من الملفت أن هذا التصعيد الأمريكي الأحدث يأتي على خلفية ما كُشف عنه مؤخراً بأن حكومة الرئيس مادورو عرضت عبر قنوات دبلوماسية سرية، إبرام صفقات وشراكات مع شركات نفط أمريكية لزيادة الإنتاج مقابل تخفيف العقوبات، لكن واشنطن رفضت ذلك بشكل قاطع، وأصرت على رحيل النظام. يثبت ذلك أن المسألة تتجاوز مجرد الوصول إلى النفط لتصبح قضية سيطرة كاملة على القطاع النفطي الفنزويلي والقرار السياسي في كاراكاس في آن واحد.
في مواجهة هذا التهديد الوجودي، تصعّد الحكومة الفنزويلية استعداداتها الدفاعية، محاولةً تحويل التهديد الخارجي إلى فرصة لإعادة التعبئة الداخلية. وفي هذا السياق، أمر الرئيس مادورو بإجراء مناورات عسكرية في أكبر الأحياء الشعبية (الباريوس) في البلاد، معاقل الدعم التاريخية للتشافيزية. تهدف هذه الخطوة إلى إيصال رسالتين: الأولى لواشنطن، ومفادها أن أي محاولة للتوغل براً ستواجه مقاومة شعبية منظمة ومسلحة في كل شارع وحي، وليس فقط مقاومة من الجيش البوليفاري النظامي. والرسالة الثانية للداخل، وهي محاولة لإعادة إحياء عقيدة “التحالف المدني-العسكري” التي تشكل أساس استراتيجية الدفاع البوليفارية، وإذكاء شعلة الحماس الثوري الذي خفت بريقه بفعل الأزمة الاقتصادية. لقد أعلن مادورو بالفعل عن تعبئة الجيش والشرطة والميليشيات المدنية للدفاع عن كل شبر من الأراضي الفنزويلية، من “الجبال والسواحل، إلى المدارس والمستشفيات والمصانع”.
إن الحرب الأمريكية الهجينة على فنزويلا قد دخلت الآن أخطر مراحلها، وهي حرب ستحدد لا مصير الثورة البوليفارية فحسب، وإنما معنى السيادة والاستقلال في كل دول الجنوب العالمي.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2025-10-18