سيث انزسيكا واتفاقية كامب ديفيد!
رنا علوان
بدايةً جرى توقيع هذه الاتفاقية بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن في 17 سبتمبر / ايلول 1978 شهدهما الرئيس جيمي كارتر ، فى منتجع كامب ديفيد الأمريكى
وقد تلى هذه الاتفاقية ، معاهدة سلام بين دولة مصر وإسرائيل المحتلة ، كما نصت هذه المعاهدة على الكثير من البنود التي يلتزم بها الطرفين
(من أهم بنود هذه المعاهدة هو قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي المصرية أي من أراضي سيناء ، على ان يتم ذلك الانسحاب عبر مرحلتين ، تتمثل المرحلة الأولي في انسحاب الجيش الإسرائيلي المحتل خلال فترة ثلاثة أشهر حتى تسعة أشهر ، وذلك منذ تاريخ توقيع المعاهدة
أما المرحلة الثانية تتضمن الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي المحتل من كامل أراضي سيناء ، وذلك خلال فترة تصل إلى 3 سنوات من توقيع المعاهدة )
وتضمنت اتفاقية كامب ديفيد ، إجراء الكثير من معاهدات السلام بين الدول العربية وإسرائيل المحتلة ، من أجل ان يتم التعايش في سلام ، بالإضافة إلى أتباع البنود الخاصة بميثاق الأمم المتحدة ، ولعله اهم ما تضمنته هذه المعاهدات شرط التخلي عن المقاطعة الاقتصادية التي تم فرضها على المنتجات الإسرائيلية
، وإقامة اللجان المتعلقة بالدعاوى القضائية مع الاعتراف الكامل بوجود إسرائيل
أما حقيقة السلام الذي تضمنته هذة المعاهدات تبلورت مباشرة بفرض حظر تجوّل عسكري على أهالي بلدة حلحول بفلسطين بعد استشهاد اثنين من أبنائها
وفي نفس اليوم أيضا قصفت إسرائيل منطقة الدامور بلبنان ، وأقرت توسيع مستوطناتها في الخليل بفلسطين
وبعدها بخمسة أشهر فقط ، بينما كان السادات مع بيجن في شرم الشيخ كان طائرات الـ F16الإسرائيلية تُنهي آخر تدريباتها ، لتقوم بعملية قصف مركز الأبحاث النووي في العراق
عندها وقف السادات ليهتف أمام المجموعة التي وصلت مجلس الشعب زاعما أن الشعب المصري كله يرحب بالسلام وهذا عكس الحقيقة تماماً ، فالشعب كان يغلي ويفور غضبا بما فيهم أقرب المقربين من السادات ، فقد قدم ثلاثة من وزراء خارجيته استقالتهم كان آخرهم محمد إبراهيم كامل
الذي كتب في مذكراته قائلًا [ وقّع السادات في النهاية على ما لم يكن ليراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلًا ]
ولعل ما أقدم عليه السادات من جرم بتوقيعه هذا أدى إلى إحداث تشقق رهيب في العالم العربي استغلته إسرائيل شر استغلال ، ولم يستحوز حتى على رضى أقرب الرؤساء العرب إليه وهو حافظ الأسد الذي خاض معه معركة العاشر من رمضان ، فقد توجه السادات إلى دمشق أولا ، آملًا في دعم سوريا ، لكن الأسد أبلغ السادات أن الذهاب إلى الكنيست استسلامٌ لا سلام ، وأنه يعني التخلي عن التضامن العربي الذي حقق نصر أكتوبر
لكن الأخير كان مقتنع بما يفعل وقرر المُضي وحده في طريق الصلح مع العدو الإسرائيلي ، وعليه قدم إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري ومحمد رياض وزير الدولة للشئون الخارجية استقالتهما احتجاجًا على مبادرة السادات ، فتم تعيين بطرس غالي ليقوم بمهامهما ويكون ضمن الوفد المتوجه إلى الكنيست في القدس
ظن السادات أن مبادرته ستدفع الرأي العام وخصوصًا الأمريكي والإسرائيلي إلى الضغط على بيجن لتحقيق السلام لكن زادت زيارته المنفردة من تعنت العدو الإسرااائيل ، كما إلى مزيد من الشرخ العربي فتصدرت الجزائر وسوريا وليبيا حملة ضد زيارة السادات ، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وهذه الدول ، وجاء عنوان التايمز البريطانية [ وداعًا للتضامن العربي ]
ثم تصاعدت الاحتجاجات في الوطن العربي على انفراد مصر باتفاقية صلحٍ تعترف فيها بشرعية دولة قامت على أنقاض فلسطين
وفي سياق ما جرى أدان مؤتمر القمة في بغداد الاتفاقية ، وهدد بقطع العلاقات مع القاهرة ، ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس
ليقابل كل هذا ، جرأة لا مثيل لها من قبل السادات فقد طفق يقول [ ان قرار قطع العلاقات مع مصر كان تطاولًا وقحًا منهم ، وأن عشرات المليارات نازله علينا وبحمد الله من غير الأمة العربية ، مضت السنين العجاف ، لأننا عرفنا طريق السلام ]
أما كتاب سيث أنزيسكا الجديد بعنوان [ تغييب دولة فلسطين ، تاريخ سياسي من كامب ديفيد إلى أوسلو ]
يروي قصة مختلفة تماماً عما رواه الآخرون ، فبدلاً من احتفائه باتفاقية كامب ديفيد ، صورّها على أنها مسؤولة إلى حد كبير عن حرمان الفلسطينيين تقرير مصيرهم ، وإقامة دولتهم
وبالتعريف عن الكاتب فقد نشأ كمتشدد يهودي في الولايات المتحدة ، وسافر إلى الكيان الإسرائيلي للدراسة في مدرسة دينية تُعرف باسم «ييشيفا» أو المدرسة الدينية ، وذلك أثناء سنواته الدراسية بين المدرسة الثانوية والكلية
وكانت «ييشيفا» في غوش عتصيون بالضفة الغربية ، بدأ أنزيسكا سنته الأولى في المدرسة في أغسطس 2001 في ذروة الانتفاضة الثانية ، كانت الانتفاضة الثانية دموييية استتتشهد فيها ما يقرب من 4000 فلسطيني
وبتفنيد أنزيسكا للإتفاقية ، فيرى بأنها مهدت الطريق أمام الكيان الاسرائيلي للتوسع في الأراضي على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية ، وانها في الحقيقة هي من بنات أفكار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ، مناحيم بيغن ، وانها لم تسمح بالاستقلال الثقافي والوظيفي والاقتصادي المحدود للفلسطينيين كأفراد ، بل حرمتهم أيضاً حقهم الجماعي في تقرير المصير والسيادة على الأرض في الضفة الغربية دون ضمها بشكل رسمي
وبإقصاء منظمة التحرير الفلسطينية عن العملية الدبلوماسية ، في وقت كانت تتطور فيه وتهتم بالمشاركة ، حرمت الفلسطينيين من أن يكون لهم أي رأي في مستقبلهم ، أو أن يكون لهم دولتهم الخاصة بهم ، ما جعلهم يشعرون بإحباط عميق
فضلاً عن أن عملية أوسلو للسلام في أوائل التسعينات ورثت البنية الهيكلية لاتفاقية كامب ديفيد ، بشأن الاستقلال والفترة الانتقالية بدلاً من الدولة الحقيقية ، وأفرزت السلطة الفلسطينية ،
لكن هذه السلطة ظلت عاجزة عن التأثير بشأن بناء المستوطنات الإسرائيلية وتوسعها ، وهي أبعد ما تكون عن كونها دولة
وبالنسبة للمصريين ، يشير أنزيسكا إلى أن الرئيس المصري أنور السادات عارض إقامة دولة فلسطينية لأنه كان مقتنعاً بأن منظمة التحرير الفلسطينية ستديرها ، وأنها ستصبح دولة تابعة للاتحاد السوفييتي
وقد قام بتغيير اتجاهه في الحرب الباردة وعدل من تحالفه مع السوفييت لينشئ علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة ، بدءاً من حرب 1973 مع إسرائيل
علاوة على ذلك ، كان السادات أكثر خداعاً ، وأكثر قلقاً بشأن الحصول على شبه جزيرة سيناء مرة أخرى ، والحصول على دعم اقتصادي جاد من واشنطن ، وهو ما كان بحاجة ماسة إليه
ولا يشك أنزيسكا في أن السادات قد ضحى بالمصالح الفلسطينية حتى يتمكن من التوصل إلى اتفاق ثنائي مع إسرائيل
وإذا عدنا إلى الوثائق ، فإن حديث السادات عن الفلسطينيين في جلساته الخاصة ، ونظرته لعرفات باعتباره مجرد أداة سوفياتية ، يظهران أن القضية الفلسطينية لم تكن تعني له الكثير ، وأن أولوياته داخلية مصرية ، كون أوضاع بلاده الاقتصادية كانت صعبة للغاية ، والحصول على استثمارات أميركية كان مسألة حيوية ، اضطر كارتر إلى أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار ومراجعة حساباته
ومنذ ذلك التاريخ ، أصبحنا أمام عملية تسوية لا شأن لها بالتطلعات الأساسية للشعب الفلسطيني ، بل تهدف الى تحقيق غايات سياسية أخرى ، بينها تقديم الولايات المتحدة على أنها وسيط نزيه
وقد ساءت الأمور بشكل ملحوظ مع وصول الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى السلطة ، والذي كان يعتبر الفلسطينيين مجرد وكلاء للسوفيات
ما اضطر بريغان الى تعديل مقاربته مع انطلاق الانتفاضة الأولى من أجل الحوار مع منظمة التحرير عام 1988 والتى كانت نوعاً من الإقرار بضرورة التعامل سياسياً مع الفلسطينيين
يقول انزيسكا ( ما أشرحه في الكتاب هو أن الفترة الممتدة بين محاولة كارتر الأولى وأواخر الثمانينيات ، المُعطى المُستجدّ على الأرض فيها ، هو فقط توسّع الاستيطان في أنحاء الأراضي المحتلة )
وإن استراتيجية إسرائيل زاوجت ما بين القضاء على فكرة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير على المستوى السياسي عبر كامب ديفيد من جهة ، ومن اجتياح لبنان عام 1982 لتدمير منظمة التحرير من جهة اخرى ، عبر خلق وقائع على الأرض من خلال الاستيطان
كما نجد ان جزء مهمّ من الكتاب ، يخصّصه أنزيسكا للاجتياح الإسرائيليّ للبنان سنة 1982، وما تلا ذلك من تبعات كارثيّة ، حيث اعتقد وزير الدفاع الإسرائيليّ ، وقتئذٍ آريئيل شارون ، أنّ عدم التمكّن من الوصول إلى حلّ ديبلوماسيّ للقضيّة الفلسطينيّة ، بعد اتّفاقيّات كامب ديفيد ، يستدعى ضرورة استعراض القوّة الّتي ستهزم بشكل ما الفلسطينيّين في معاقلهم اللبنانيّة ، كما أنّ بإمكانه تدمير البنية التحتيّة العسكريّة لـ ’منظّمة التحرير‘ في لبنان ، وإضعاف المنظّمة بصفتها وحدة سياسيّة ، بغية كسر العمود الفقريّ للوطنيّة الفلسطينيّة ، ثمّ تسهيل عمليّة الاستيلاء على الضفّة الغربيّة من طرف إسرائيل
وفي سياق ذلك يُقدم أنزيسكا دليلًا ، وجده في دفتر ملاحظات موظّف وزارة الخارجيّة الأمريكيّة تشارلز هيل Charles Hill، يؤكّد أنّ وزير الخارجيّة الأمريكيّ حينئذٍ، ألكسندر هيغ Alexander Haig ، قد أعطى شارون الضوء الأخضر قائلاً له : ” لا يمكننا منعك من ان تدافع عن مصالحك ، لكنّ الحكمة تقول إنّ الأمر سيكون استفزازًا لا يمكن تجاهله “
وقد قاد الاجتياح إلى مجزرة “صبرا وشاتيلا” ، الّتي ارتكبتها الميليشيات ورجال الكتائب المسيحيّة ، الّذين “اغتصبوا، وقتلوا، وقطّعوا أوصال 800 امرأة وطفل وشيخ على الأقلّ ، في الوقت الّذي كانت فيه المشاعل الإسرائيليّة ، تضيء لهم أزقّة المخيّم الضيّقة والمعتمة”
بالنسبة إلى أنزيسكا ، كان الاجتياح “وصمة عار أخلاقيّة ، وكارثة إستراتيجيّة في الوقت نفسه ، خفّض من التأثير الأمريكيّ في المنطقة ، وحثّ على التورّط العسكريّ اللاحق في الحرب الأهليّة اللبنانيّة”
وفي هذا الشأن كتب أنزيسكا في المجلّة الأمريكيّة Nybooks، أنّ وثيقة حصل عليها ” تُظهر كيف استمرّ ذبح المدنيّين ، في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين ، جنوب بيروت”
بعد أن رضخ الديبلوماسيّ الأمريكيّ موريس درابر Morris Draper، لـ” ادّعاء شارون المخادع بضرورة القضاء على ’الإرهاابيّين‘ الّذين ظلّوا هناك”
وأن تقرير “لجنة كاهان” كان مرفقاً بملحق بقي سرياً إلى أن نشره أنزيسكا في كتابه الجديد هذا ، وفيه (ملحق) بتفاصيل اللقاءات التي جمعت بين مسؤولي الموساد والاستخبارات الإسرائيليين وبين مسؤولي الكتائب اللبنانية ، وما جرى بينهم دقيقة بدقيقة
وعليه إن لخروج مصر من ساحة النضال ضد العدو الصهيوني لهو أمر جداً صعب ، فمن يدرك أهمية مصر يدرك جيدا ما أصاب الوضع من خلل استراتيجي في المجالين العسكري والسياسي
2022-09-15