سوريا المنكوبة تقفل الباب على العتاب!
ريما فرح
العلاقات الطبيعية مع سوريا لم تكن تحتاج إلى زلزال، فالهزات التي تطال لبنان كانت كفيلة بفتح حدود التواصل الرسمي بين البلدين.
سوريا التي بدأت تستقبل رسميين وغير رسميين، ليست عاتبة على أي جهة أو بمعنى أدق لن تفتح باب العتب طالما أنّ المصلحة العليا تعود لبقاء واستمرار هذا البلد…
هكذا يردد دائماً الرئيس السوري بشار الأسد في حاضرة زائريه، ولعل أول من سمع هذا الكلام الوفد الحكومي اللبناني الرسمي الذي كسر لأول مرة منذ سنوات الحصار السياسي الذي كان يفرضه بعض الداخل والكثير من الخارج على لبنان الرسمي حيال أي بادرة تجاه سوريا.
فالزلزال الذي ضرب سوريا كما يصفه الرئيس الأسد، له أثره السلبي على المعنويات…، والحزن حاضر بكل جوانبه في سوريا وتركيا، أما في السياسة فلا شك أن انفتاح بعض الدول العربية علناً شكّل خرقاً جيداً بعدما كان عدد منها يجري اتصالات سرية مع القيادة السورية خوفاً من العقوبات.
يقول الرئيس الأسد أمام زوّاره اللبنانيين إنه يستقبل الجميع “فأنا أتناسى كل المراحل الماضية لأن مصلحة سوريا فوق كل اعتبار”… ولأنّ الأسد يعتبر أنّ ما يربط الدول هو القيم وليس المصالح، فإن دمشق تنتظر أن تتحوّل اللقاءات التي تجري بشكل شبه يومي ببعدها الإنساني، إلى لقاءات لها بعدها وطابعها السياسي.
فكل مشاريع التقسيم من جهة، وربط المناطق ببعضها من جهة أخرى، سقطت ولم تنجح، لا بفعل السياسة ولا بأدوات الحرب والقتل، ولا بفعل الحصار والمقاطعة، وإنما همّ سوريا اليوم هو النازحون خارج بلادهم وهو أمر يحتاج كما يقول الرئيس الأسد إلى حوار هادئ لتكون نهايته عودة الجميع إلى بلدهم.
اليوم وبعد زلزال شباط/فبراير حقيقة سياسية واحدة تتصدّر، وكأن بعض دول الجوار العرب والكثير من الدول الأوروبية والمنظمات الإنسانية في العالم، كانت تنتظر حدثاً ما لتعلن عن “فعل الندامة” عمّا اقترفته بحق سوريا وأبنائها، وبحق التاريخ والجغرافيا العربية التي طالما كانت دمشق شريانها الأساس وصلبها.
فسوريا في توصيفٍ دقيق لمساعد وزير الخارجية السفير السابق في لبنان علي عبد الكريم علي، كانت متقدمة تاريخياً على دول المنطقة بالعيش المشترك وبالأمن والأمان والسلم ووفرة العيش، لحين أتت الحرب المركّبة. لكن اليوم ومع هول الكارثة التي حصلت في محافظاتها وفي المدن التركية التي يوجد فيها عدد كبير من السوريين، تقدّمت اللهفة السورية على أي حسابات أو خلافات، وحضرت من جديد صورة هذا الإنسان السوري الأصيل المنتصر الذي التف بفئاته وأطيافه كافة حول بعضه أينما وجد في العالم، ما ولّد طاقة إيجابية في نفق الوضع الصعب والقاسي.
كارثة الزلزال كما يقول السفير علي فتحت أيضاً باب المراجعات على المستوى العربي والإقليمي والدولي بفعل الواقع الموجود في سوريا، ما سينعكس إيجابيات ويخرق عوائق المكابرة التي طالما أحب أن يمارسها البعض. وكارثة الزلزال أثبتت مرّة جديدة عمق تحالفات سوريا وهي دول مستمرة في تقديم الدعم لها. ولا شك أن كل اللهفة العربية اليوم مُقدرة وسط الألم الذي داهم كل منزل والذي وحّد كل السوريين.
ولا يستبعد علي أن تزداد أصوات الضاغطين في العالم لفك الحصار، ليستعيد كل إنسان حياته في بلدٍ فيه الخيرات والخبرات والأديان والحياة المدنية والمحبة التي لم تنل منها بشاعة السنوات الماضية يختم علي.
انفتاح تحت هول الكارثة ربما لن يعيد الحياة للشهداء. لكنه سيعيد الأمل إلى كل متمسكٍ بالعيش في سوريا وإلى كل من يحلم بالعودة إليها. وعودة سوريا إلى دورها المحوري في المنطقة يشكّل باب أملٍ جديد أيضاً للبنان، خاصة وأن تعافيها يعطي زخماً لبيروت التي تنهار في الثقافة والاقتصاد والحياة…
وكما يقول الكثيرون، العلاقات الطبيعية مع سوريا لم تكن تحتاج إلى زلزال، فالهزات التي تطال لبنان كانت كفيلة بفتح حدود التواصل الرسمي بين البلدين، وإذا كان الرئيس السوري بشار الأسد لم يوجّه أي عتب للبنان ولا لزائريه، فبالطبع على لبنان أن يعتب على نفسه لأن الطبيعة دائماً تنتصر على الحسابات… ففي الجغرافيا والتاريخ والعادات والقربى تحاك السياسات والعلاقات، وليس بالخوف والتهديد الذي تفرضه أميركا التي لم ترحم لبنان رغم انصياعه الرسمي للكثير من مطالباتها، والدليل ما يحصل اليوم من تهاوي الدولة والارتطام الكبير الذي لن يصمد أي لبناني أمامه.
2023-02-17