روسيا تخسر امام الولايات المتحدة!

رنا علوان
بعد أن كانت روسيا هي مصدر الغاز للقارة العجوز ، أصبحت اليوم بغنًا عنه ، بعد ان أبرمت اتفاقيات مع عدة دول بينهم دول عربية
هذا الاستغناء بالتأكيد سيشكل عبئًا ثقيلاً على كاهل الكرملين وشركة غازبروم الحكومية ، صحيح ان روسيا كانت قد نجحت بصورة كبيرة في ايجاد منافذ بديلة لإمدادتها من النفط ، بعدما اغلقت اوروبا ابوابها امام شحناتها ، لكن كان قطاع الصين متربصًا ، اما اليوم فالصين قد هدأ حماسها امام هذا الاستيراد
وفي ظل ما يجري من أحداث ، تمكّن الاتحاد الأوروبي من إبرام عدة اتفاقيات في عام 2022 ، للتخلص من اعتمادها على الغاز الروسي ، أولها كان وأهمها مع الولايات المتحدة ، وهي اتفاقية تنص على زيادة صادرات الغاز المسال الأميركي إلى الاتحاد الأوروبي ، من ثم اتفاقًا ثلاثيًا بين الاتحاد الأوروبي ومصر والعدو الإسرائيلي ، بهدف زيادة الصادرات من هذين البلدين المنتجين للغاز في السنوات المقبلة
واتفاقية ثالثة في عام 2022 بين الاتحاد الأوروبي وأذربيجان ، إذ التزمت الأخيرة بزيادة إمدادات الغاز نحو عام 2027 ، عبر ممر الغاز الجنوبي الذي يتكوّن من 3 خطوط أنابيب
وفي مقابلة اطّلعت عليها منصة الطاقة، ونشرتها منصة “كليه دي مواين أوريون” الناطقة باللغة الفرنسية (Clés du Moyen Orient)
فقد وقعت الجزائر وإيطاليا اتفاقية لزيادة إمدادات الغاز الجزائري بوساطة خط الأنابيب عبر البحر المتوسط ، في حين أبرمت ألمانيا 3 اتفاقيات أخرى مع قطر والإمارات وأستراليا ، لاستيراد الغاز المسال
ولنقف قليلًا عند قطر ، فقد واصلت الأخيرة تربّعها على عرش قائمة أكثر الدول العربية إنتاجًا للغاز الطبيعي خلال العام الماضي ، مع وجودها في المركز الخامس عالميًا
كذلك ارتفع إنتاج قطر من الغاز الطبيعي خلال العام الماضي إلى 178.4 مليار متر مكعب ، مقابل 177 مليار متر مكعب في عام 2021
ولو ان سوريا وافقت على مرور الخط بينها وبين تركيا عبر اراضيها لكانت حققت قطر ارباح ومكاسب ضخمة ، لكان ما حال دون ذلك هو رفض سوريا لأن وجهة تصدير الخط القطري التركي ، كانت القارة الأوروبية لتحقيق رصيد كبير من الاستثمارات ، والدليل هو توجّه الطرفين إلى إبرام العقود مع الشركات الأوروبية ، والأمثلة حاضرة، مثل توقيع قطر عقودا مع شركات “توتال” الفرنسية و”شيل” الألمانية لتطوير الجزء الخاص بها المشترك مع إيران
وقد تجسّدت أهمية الخط القطري التركي في كونه الأقرب إلى أوروبا ، فضلاً عن كونه مفضّلاً للاتحاد الأوروبي ، إذ يسمح لأوروبا باستيراد الغاز من قطر بسعر أرخص بنحو 3 مرات من ذاك الذي تصدّرُه روسيا
ولو قدر لهذا الخط النجاح ، لكان كفيلاً بتحرّر القارة العجوز من الاعتماد على الغاز الروسي ، ولأثّر سلبًا في الاقتصاد الروسي
ولو نُفّذ الخط القطري التركي ، لكان الآن في ظل العملية الروسية الأوكرانية ورقة رابحة بيد الدول الأوروبية ، ولكانت المواجهة العسكرية أشد وطأة ، والعقوبات الاقتصادية أكثر شمولاً وأطول زمنيًا ، ولما أمكن روسيا الصمود فترة طويلة في ظل المؤثرات السلبية التي أمكنها تجنّها
وبالنسبة إلى الخسارة التي كانت ستصيب روسيا لو مرّ الخط القطري التركي ، يمكن القول إنّ صادرات النفط والغاز تشكّل ثلثي مجمل صادراتها، ولكانت خسارة روسيا نحو مليار دولار يومياً من الريع الغازي ، وفقاً لما أظهرته البيانات التي نشرتها إدارة معلومات الطاقة الأميركية
ولكن ورقة الطاقة الموجودة بيد روسيا قلبت المعايير ، والفضل أولاً وأخير يعود إلى عدم مرور الخط القطري التركي عبر سوريا ، وهو ما يجعل أمن روسيا اليوم واستقرارها واستمرارها تعود كلُّها إلى قرار القيادة السياسية السورية وصدقيتها في مبادئها وعلاقتها بحلفائها وقوتها على أرض الواقع
بالإضافة إلى ذلك، دخل خط أنابيب غاز جديد الخدمة في نهاية عام 2022، وهو “خط أنابيب البلطيق” الذي يربط بين النرويج والدنمارك وبولندا
وقد ذكر مدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية الفرنسي (IRIS) فرانسيس بيرين ، أن تحوّل الأوروبيين إلى مُصدرين جدد للغاز بدأ قبل عمليات التخريب ضد خطي أنابيب الغاز نورد ستريم 1 و2 في نهاية سبتمبر/أيلول 2022 ، ردًا على الحرب في أوكرانيا
وقال بيرين: “بذلك يصل إجمالي 8 اتفاقيات للغاز وقعها الأوروبيون في أقل من عام لتنويع مصادر إمداداتهم.. وهذا أمر غير مسبوق.. في وضع استثنائي، قدم الاتحاد الأوروبي استجابة استثنائية”
في الوقت نفسه ، تُجرى مناقشة اتفاقيات أخرى للحصول على إمدادات موثوقة بعيدًا عن الغاز الروسي، إذ تتفاوض فرنسا ايضًا مع الجزائر منذ 2022 ، وتتفاوض ألمانيا مع عمان ، لكن لم يجرِ التوصل بعد إلى اتفاق بين هذه الدول
لكن يجري النظر في مصادر أخرى محتملة ، مثل كندا والدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى ، بحسب تصريحات بيرين
وتطرق بيرين إلى العديد من مشروعات خطوط أنابيب الغاز، مثل مشروع خط أنابيب غاز الشرق المتوسط “إيست ميد” الذي سيربط العدو الإسرائيلي بالاتحاد الأوروبي عبر قبرص ، ثم اليونان وإيطاليا ، ومشروع آخر لإنشاء خط أنابيب للغاز بين العدو الإسرائيلي وتركيا ، ما سيزيد من ارباح العدو في الفترات المقبلة
من جانب آخر يجب الوضع بالحسبان ايضًا ، ان آفاق تنفيذ هذه الإتفاقيات ، ليست بالضرورة مشرقة جدًا لأسباب جيوسياسية
تركيا التي تسعى منذ مدة إلى ترسيخ نفسها بوصفها مركزًا للغاز في السوق الدولية والتركية ، كونها دولة مهمة بالنسبة إلى روسيا والاتحاد الأوروبي ومنطقة بحر قزوين ، وما تزال تشكل منطقة نقل رئيسة للغاز الروسي ، فخط أنابيب الغاز “بلو ستريم” -الذي ينقل الغاز الروسي بين روسيا وتركيا- يزود السوق التركية ، في حين أن الغاز المنقول عبر خط أنابيب الغاز ترك ستريم -الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا- مخصص لتركيا وسوق الاتحاد الأوروبي ،وفي ظل سعيها لكي تصبح مركزًا لنقل الغاز من الدول المنتجة إلى الاتحاد الأوروبي ، اقترحت تركيا على العدو الإسرائيلي بناء خط أنابيب للغاز حتى تتمكن من تصدير الغاز إلى أوروبا عبر تركيا ، وهذا ما لم تغفل عنه روسيا لبرهة
تستورد تركيا الغاز المسال ، وتنتج بنفسها الغاز للسوق التركية، وفي أبريل/نيسان 2023، دخل حقل الغاز الرئيس في البحر الأسود “صقاريا” حيز الإنتاج ، إلا أنه لا يكفي لتلبية الاستهلاك الوطني
علاوةً على ذلك ، تسمح تركيا بتسليم الغاز الأذربيجاني عبر ممر الغاز الجنوبي، الذي يربط بين أذربيجان [التي تنتج الغاز في بحر قزوين] وجورجيا وتركيا والاتحاد الأوروبي (حتى إيطاليا)
وتمتد هذه الشبكة المكونة من 3 خطوط أنابيب غاز متتالية على مسافة أكثر من 3 آلاف و500 كيلومتر ، وتعمل بكامل طاقتها منذ ديسمبر/كانون الأول 2020
ويربط خط أنابيب الغاز الأول (الذي يُطلق عليه اسم خط أنابيب جنوب قزوين) أذربيجان وجورجيا بالحدود التركية، ثم يتولى خط أنابيب الغاز العابر للأناضول “تاناب” المسؤولية، ويعبر تركيا من الحدود التركية الجورجية إلى الحدود التركية اليونانية
ويتصل خط “تاناب” بخط أنابيب غاز ثالث ، وهو خط أنابيب الغاز العابر للبحر الأدرياتيكي “تاب”، الذي يخدم اليونان وإيطاليا على وجه الخصوص ، كما أنه متصل بخطوط أنابيب غاز أخرى في أوروبا
كما يجري الحديث أيضًا ، عن خط أنابيب للغاز عبر بحر قزوين ، قد يسمح لتركمانستان بتمرير غازها عبر بحر قزوين أذربيجان ، وسيستعمل بعد ذلك الشبكة التي تمر عبر تركيا لنقل الغاز إلى الاتحاد الأوروبي
ولم تكتفِ تركيا فهي تطمح ، أن تكون بمثابة نقطة عبور للغاز العراقي ، ومن الممكن أيضًا ، أن تمر صادرات الغاز من إيران إلى أوروبا عبر الأراضي التركية في المستقبل ، ولكن العقوبات الأميركية تجعل هذا الخيار غير ممكن في الوقت الحالي
إن الغاز الروسي ما زال يصل في الوقت الحالي إلى دول الاتحاد الأوروبي ، لكن الأحجام انخفضت بصورة حادة مقارنةً ببداية عام 2022 ، حيث سجل التراجع الروسي من 18% الى 15.5% ، ليصب في صالح الولايات المتحدة التي ارتفعت حصتها من 24% الى 25% ، محققة اميركا بذلك نقطة لصالحها في ظل هذه الحرب بينهما
2023-09-14