روحاني يعيد اكتشاف العراق باحثاً عن رئة اقتصادية جديدة ..
ثائر جبار
ستة سنوات كاملات أحتاجها ألسيد روحاني لكي تطئ قدميه ارض عراقنا بعد أن تنقل في اصقاع المعمورة من الصين وحتى ڤينزويلا حيث أسهب اليوم في كيل المديح لحكومتنا وشعبنا مذكراً مضيفيه بحقيقة ثابتة يراها الرجل وهي ان النفوذ الايراني في العراق يمتلك رصيدا شعبيا (يمكن توظيفه لتعميق العلاقات الثنائية في شتى المجالات ) على حد تعبيره ..
ذهب الرئيس الايراني ابعد من ذلك “قليلا”حين حَمَّل نفسه وحكومة بلاده مهمات تبدو للوهلة الاولى من صُلب مهمات الحكومة العراقية ومهمات مضيفيه حيث صرح بأن الحكومة الإيرانية سوف تعمل على ضمان أمن واستقرار العراق وتحقيق التنمية فيه ناشراً عبائته الكريمة كمظلة حماية لنا ويده الأكرم كحل لمشاكل العراق الاقتصادية …
في الوقت الراهن تبدو الامور مختلفة قليلا على ارض الواقع قدر تعلق الامر بجهود الحكومة الإيرانية الحثيثة لتنمية اقتصاد العراق حيث غذى العراق جارته ايران خلال الاثنى عشر شهر الماضية بمبلغ ١٢ مليار دولار من فواتير استيراد البضائع من الخضار الى السيارات الى الغاز والمشتقات النفطية ونحن نتحدث هنا عن التعاملات المعلنة الرسمية فقط وليس عن خطوط التجارة الاخرى ، اَي ان العراق غذى الاقتصاد الايراني وفِي ظل ظروف صعبة بمبلغ مليار دولار شهريا اَي ما يقرب من ٣٤ مليون دولار يوميا او ١،٤ مليون دولار كل ساعة في حين يتطلع الضيف الكريم الى العمل من اجل مضاعفة هذا المبلغ وفق تصريحه …
وفِي مسعى جاد خاطب الرئيس الايراني دول المنطقة داعيا إياها الى الاحتذاء بهذه العلاقة بين العراق وإيران كمثالا نموذجيا ينبغي اتباعه حيث قال بأن هذه هي العلاقة التي تشكل مثالا يحتذى به في المنطقة بأسرها .. نستطيع هنا ان نفتح قوس ونقول ان دول المنطقة لا ترغب بالتأكيد أن تبقى بدون وزير داخلية او دفاع نتيجة لصراع إيراني أمريكي على اراضيها فهذا مثلا ليس مثالا تحتذي به ..
وفِي حين شكلت التصريحات الإيرانية قبل الزيارة بيومين بارقة أمل لحل مشكلة المياه في شط العرب الا ان تصريحات الضيف الكريم ووفده الكبير سرعان ما اعادت العراقيين الى ارض الواقع حيث اكد الوفد بأن ( الاتفاقية ليست بحاجة الى اجرائات جديدة وفِي الوقت الراهن ينبغي فقط البدأ بتنظيف اروند رود – هكذا يصبح اسم شط العرب عندما نعبر على ساحله الشرقي حيث ان هذا النهر يتمتع بأسمين بدل واحد – من السفن الغارقة من اجل احياء موانئ خرمشهر وآبادان ( عبادان كما نسميها نحن اهل البصرة ) …والبصرة ..
ورغم مركزية القرار الايراني والتوجيهات الصارمة التي تلقاها الوفد المرافق عن نوعية التصريحات المسموح بها الا انه وكما يحدث عادة هناك جمل تتدحرج خارج السياق دائما ففي حين يريد السيد روحاني تنمية اقتصاد العراق وفرض الأمن والاستقرار فيه فأن مسؤول اخر رفيع المستوى برفقة السيد الرئيس قال لوكالة رويترز بوضوح ما بعده وضوح دور العراق كونه “كان قناة أخرى لإيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية الظالمة”، والزيارة الحالية إلى بغداد “تمنح الاقتصاد الإيراني فرصا أخرى” أي ان دور العراق هو تنمية ايران وليس العكس .. رغم ان السيد الرئيس أعطى أشارة إيجابية لدول المنطقة حيث صرح بواقعية بأن
“الأوان قد حان للمنطقة أن تزدهر اقتصاديا من خلال التعاون المشترك”.
لن يفوت السيد روحاني فرصة اللقاء مع السيد السيستاني حيث ان السيد السيستاني كان قد رفض ان يلتقي مع احمدي نجاد عام ٢٠١٣، هذا مؤشر جديد يعطي إشارة واضحة عن رؤية السيد السيستاني لرؤساء ايران وأنهم ليسوا كلهم من نفس المعدن ففي حين كان احمدي نجاد يخضع بشكل كامل للمرشد الأعلى فأن الرئيس الحالي يحافظ على مسافة يعتقدها معقولة بينه وبين المرشد الأعلى وهي مسافة انتبه اليها السيد السيستاني وكانت لاشك سببا في تقريب المسافة بين مؤسسة الرئاسة الإيرانية ومؤسسة المرجعية في النجف ، ونكاد نكون متأكدين ان الحديث سيكون وديا وعلى قدر عالي من التفهم المتبادل ليس فقط لانه سيتم بشكل مباشر وبدون مترجمين وباللغة الام المشتركة لكلا الرجلين .
وكما لاحظنا فأن الزيارة قد بدأت تحت عنوان تعزيز علاقات التكامل بين البلدين ولكنها قسمت العراقيين فيما بينهم ، حيث تراوحت المشاعر من مستهجن رافض تعامل بشكل عدائي مع الزيارة وحتى قبل ان تخرج بنتائج علنية اَي انه اصدر عليها حكم مسبق ، الى حالة نقيضة لها على الطرف الاخر يمكن توصيفها بنوع من رعشة السعادة والنشوة ممزوجة بروح التشفي والاستفزاز والاستقواء على ابناء وطنهم بالضيف الحبيب حيث انهم يعتقدون مخلصين حين يراجعون مشاعرهم ان السيد روحاني يمثلهم اكثر بما لا يقاس بما يمثله برهم صالح رئيسهم الدستوري …
بين هؤلاء “المضغوطين” الحانقين والمتطلعين الى دعم من جار آخر لئبم ، واؤلائك “المنتشين” الباحثين عن ابوة مستجداة من جار حاظر كريم ، نجد أنفسنا نحن العراقيين المنتمين للعراق وحده لا شريك له وكأننا كنّا المعنيين بكلام الراحل نزار قباني الذي اخبرنا قبل أربعون عاماً ونيف بأنه لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار او كما نعتقد نحن بعض الحالمون بأنه ربما توجد بالفعل أمرأة “نصف حامل”.
مرحباً بالسيد روحاني في العراق وعسى ان تصل حضرة الرئيس الى قناعات جديدة تؤكد لك بأن العراق شعبا اكثر منه حكومة راغبا في الاستجابة لرؤيتك الذكية بأن “الأوان قد حان للمنطقة أن تزدهر اقتصاديا من خلال التعاون المشترك” اذا كنت قادراً على إقناع بقية التيارات في حكومتك بهذا التوجه العقلاني .. مرحبا بك ..
