رسالة في مشهد ملغوم.. ماكرون وبيت زجاجه!
د. خالد فتحي*
تحتاج أن تكون ضليعا في علم الكلام والمنطق، كي تتابع الجدل الدائر بين سياسي فرنسا هذه الأيام. هناك حرب تأويلات مستعرة لنتائج الانتخابات بين الحساسيات السياسية التي نزلت بقضها وقضيضها إلى ساحة النزال الاعلامي دفاعا عن ما تقترحه من سيناريوهات مختلفة لتكوين الحكومة .
ماكرون، بطل الانتخابات المأساوي، التقط أنفاسه أخيرا ، وقرر أن يقلص هامش المناورة لدى اليسار.
فزعم في رسالة له إلى الشعب الفرنسي أن لا أحد قد فاز. وهذه حقيقة لاغبار عليها، فلا حزب ولا تكتل قد تحصل له على أغلبية ولو نسبية. لكنها في حالته هو تبقى الحقيقة المخدومة التي يريد بها أن يضع يده على المشهد من جديد، خصوصا وأنه قد تناسى أختها الأخرى التي تقول إن الخاسر الأول من الاستحقاقات التي دعا لم يكن جهة أخرى غير كتلته التي فقدت زهاء المائة نائب .
وجه ماكرون رسالته هاته طائرا إلى واشنطن لحضور الذكرى الماسية لتأسيس الناتو، ولقد نشرها مكتوبة دون صوت ولا صورة، فهو لم يتخلص بعد من الخجل الذي يلازم عادة المهزوم، وعممها على صحافة الجهات، ليشير للفرقاء المختلفين بأن عليهم أن يستحضروا رسائل فرنسا العميقة بكل مناطقها وطبقاتها، ويزايد عليهم بأنهم إن كانوا يلازمون مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة، فهو كرئيس وكضامن لوحدة الفرنسيين مرابط عند مصالح فرنسا كلها .
منطق ماكرون بسيط جدا، والحل الذي يطرحه كان سيقبل لو وقع الرسالة أحد غيره. فحواه اذا ما قرأنا بين السطور، ان الجبهة الشعبية الجديدة التي حلت في المرتبة الأولى، لم تفز بأصواتها الخالصة ،وإنما انتصرت بخليط من الأصوات….،ومنها أصوات تختلف جذريا مع برامجها، صوتت لها كرها في التجمع الوطني لاحبا فيها لإنقاذ مبادئ الجمهورية .وبالتالي يدعو الأحزاب إلى التواضع و الى التأسي بالشعب الذي نبذ خلافاته .و تتوافق بدورها على برنامج ينقذ فرنسا من ازمتها .
من الواضح ان ماكرون وضع خارطة الطريق هاته ،ليغري من يرغب فيهم للالتحاق به مجددا ،فبعد القوس الجمهوري الذي خلصه من اليمين المتطرف ،هاهو يضع شروطا للأغلبية الجديدة، ومن ضمنها الالتزام بالتوجه الأوروبي، وكأنه يريد أن يستحث أو يخلق اغلبية على مقاسه تمكنه أن يتخلص من فرنسا الابية التي لها موقف نقدي للغاية من أوربا ، فيحول الهزيمة الى نصر من خلال ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد : 1-جمع الأحزاب الموصومة بالتطرف فوق دفة واحدة ،2- النجاة من التساكن .و3- تفرق فشل الحكومة الهجينة المرتقبة على الأحزاب, لكن مرمى ماكرون هذا تنتصب دونه صعاب دونها صعاب. لا حزب باليسار يريد أن يسبق إلى التنصل من العهود ، الأربعة لايريدون مصيرا كمصير الثيران الثلاثة الذين أكلوا تباعا بعد الخيانة الأولى .زد على ذلك ان انسحاب فرنسا الأبية أو التخلي عنها سيقلص عدد اليساريين مقارنة بتحالف معا الماكروني مما سيجعله يدعي لنفسه المرتبة الأولى، وبالتالي رئاسة الوزراء، اي بقاء غابريل عتال، وهي مايعني بقاء فرنسا في نفس المربع ،ويعني فقدان اليسار لشرعيته .ولربما قد يجعل من ميلنشون شهيدا للخيانة ،مما سيزوده بسلاح المظلومية ،حتى إذا أضافه غدا لبراعته التواصلية ،فسيكون دون شك ساكن الاليزيه القادم خصوصا اذا تعقدت الأزمة السياسية أكثر ، واضطر ماكرون للمغادرة مبكرا .
اليمين المعتدل ،ورغم حصاده الهزيل ، قرر أيضا أن ينزل إلى المزاد الحكومي مبتدعا لنفسه مقولة مفادها أن الاوروبيين بتصويتهم على التجمع الوطني وعلى الجمهورين قد اوضحوا أن مزاج فرنسا يميني وبالتالي لابد من الاستجابة لهذه الرسالة .هو يريد أن يستفيد من غلة اليمين المتطرف مع التنصل منهم ، وبالتالي يقترح رئيسا للوزراء من صلبه .
ماكرون الذي لم يتعوذ من كآبة المنظر حين السفر ، ،وجد عند عودته عقد تجمعه قد أخذ ينفرط . صار أصفياؤه يستعجلون خلافته ،وهومااضطره إلى أن يصف المشهد بالمتهافت وبالكارثي. مما يضعف اقتراحه،ويظهر ان بيته الحزبي صار من زجاج .
فرنسا ممزقة سياسيا شذر مذر ،وهي تحتاج لمعجزة كي تتكون الحكومة ،ولمعجزة ثانية كي تصمد هذه الحكومة . المشكلة ان المعجزات لاتتوالى في زمن قصير . لم تفشل لوبين وحدها، وإنما فشل الجميع في الوصول لقصر ماتينيون .ستستمر الأزمة طويلا ،وقد تستنسخ فرنسا ماوقع بالدنمارك التي تطلب تكوين الحكومة بها شهرا ونصف ،او بالمانيا التي احتاجت شهرين ،أو اسبانيا التي تعثرت اربعة اشهر ،أو هولندا التي احتاجت 222 يوما أو ببلجيكا التي استغرق بناء حكومتها 493 يوما سنة 2019 . مازال المسلسل مشوقا ،وقد يدوم اكثر من سنة ،يكون بعدها من حق ماكرون الدعوة لانتخاب برلمان جديد .وفي هذه الحالة قد تصبح لوبين او ميلنشون البديل في رئاسيات مبكرة . فالشعب الفرنسي الذي منح الفرصة للجمهوريين، لايمكن المراهنة عليه مرة اخرى بخطاب إنقاذ مبادئ الجمهورية .
كاتب مغربي
2024-07-16