رسالة الثورة في عيد الاستقلال: معا من اجل الحرية وضد الاحتلال
الاعتقال الجماعي لعلماء الدين ظاهرة غير مألوفة في البحرين التي ما برحت تفرخ العلم والعلماء وتفتخر بتاريخها العلمي العريق. وباستهداف العلماء على هذا النطاق الواسع اثبت الطاغية حقيقتين مهمتين: الاولى انه بئس الحاكم، وانهم نعم العلماء. فاالمفاصلة بين الطرفين ضرورة لحفظ الدين وقيمه ومبادئه، والتنصل من الطاغية شرط مطلوب للتغيير.
وقد من الله على العلماء الذين نكل الديكتاتور بهم وعددهم يربو على الخمسين ان طهرهم من دنس العلاقة بطاغية مجرم عاث في الارض فسادا، فهدم بيوت الله واعتقال الاخيار ونكل بالفضلاء وعذب الاحرار، واضطهد المواطنين. واخيرا تطاول على كبير العلماء ورمز الشعب، وواحد من كبار مؤسسي الدولة الحديثة المحكومة بالدستور والقانون. وجريمة الديكتاتور هذه المرة مركبة: فقد اعتدى على العلم والعلماء، واثبت عداءه للدين والعلم والانسانية. كما تصدى لاكبر رمز ساهم في كتابة دستور البلاد بعد الاستقلال، وساهم في وضع الاسس التي كانت سترسخ دعاماتها لو لم يعمد الخليفيون لهدم ذلك كله. ومنذ اعتلائه سدة الحكم قبل سبعة عشر عاما، قرر الطاغية استكمال مشوار الفساد الذي انتهجه عمه بانقلابه على الدستور والغائه التجربة البرلمانية الفتية في مثل هذه الايام قبل 41 عاما. وبتلك الاجراءات القمعية مهد “العم العزيز” للبقاء رئيسا للوزراء 45 عاما، وهي الفترة الاطول في العالم.
الشعب يستعد للاحتفاء بذكرى الاستقلال، وتنتابه مشاعر متباينة. فهو سعيد باحياء ذكرى خروج المستعمر البريطاني بعد نضال اسلافه عقودا وسقوط الشهداء تباعا في الخمسينات والستينات. وهو حزين لان خروج المستعمر البريطاني اعقبته حقبة سوداء كالحة استمرت ربع قرن اولى كانت خلالها محكومة بقانون امن الدولة السيء الصيت الذي رسم معالمه المقبور ايان هندرسون. ذلك الضابط الاستعماري أسس اكبر نظام امني مارس القمع عقودا وادى لقتل العشرات من البحرانيين تحت التعذيب.
وبين الفرح والحزن تختلج في نفوس ابناء البحرين آمال عريضة بحتمية النصر على الطغيان والاستبداد والاحتلال. فالأيام دول، كما يقال، وسنن الله في المجتمعات والامم نافذة، والصمود عنوان النصر، والثبات على المطالب شرط للبقاء، والصبر وسيلة اساسية للنصر. تلك هي الدروس التي تعلمها الثائرون المرابطون على ثغور الوطن. ومن هذه الثغور منزل سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم الذي اصبح عنوانا للقضية واختصارا لها.
فالحاكم الذي يضيق ذرعا بالعلم والعلماء ويستهدف الفكر والفقه معا لا يستطيع اهتداء الطريق، فالجاهل يتخبط حتى يسقط في الهاوية وينتهي ذكره الى الابد. ولقد ناضل الجيل الحالي من اجل احياء ذكرى الاستقلال، بينما تنكر الطاغية وعصابته لها، ورفضوا الاعتراف بها كمناسبة وطنية او عيد للاستقلال. فهم يعلمون مغزاها الذي لا يناسب سياستهم. فهي تعني ان لكل احتلال او استعمار نهاية حتمية، فاذا كان البريطانيون قد عجزوا عن الاستمرار في استعمارهم، فان الخليفيين اعجز من الاستمرار في احتلال البلاد. كما تعني ان النضال الوطني كفيل بتحقيق انتصار للشعوب الباحثة عن الحرية.
وما يزال هناك من يتذكر دوره في انتفاضتي الخمسينات والستينات التي كان من اهدافها طرد الاستعمار البريطاني.
كما تتضمن الذكرى مغزى خطيرا له بعدان: الاول انها تعني الاعتراف الدولي بحق الشعب في تقرير مصيره والمشاركة في صياغة مستقبله السياسي، والثاني ان الخليفيين أقروا آنذاك بمبدأ الشراكة السياسية الحقيقية التي تجعل ادارة البلاد مشتركة مع الشعب. ولعل البعد الاخطر من وجهة النظر الخليفية ان الذكرى مهدت لوعي وطني تجسد لاحقا في نقاشات المجلسين التأسيسي والوطني، وأفشل مشروع القمع الخليفي الذي عبر عنه قانون امن الدولة السيء الصيت.
وجاء الانقلاب الخليفي على كل الانجازات الوطنين في أقل من اربع سنوات من الانسحاب البريطاني. ففي 25 اغسطس 1975 جاءت الخيانة الخليفية الكبرى للشعب بحل المجلس الوطني وتعليق العمل بالمواد الدستورية التي تنظم الممارسة الديمقراطية.
الذكرى الخامسة والاربعون للاستقلال محطة مهمة على طريق النضال، واستحضار للحقائق المذكورة. ألا يفسر ذلك بعض دوافع العصابة الخليفية لرفض الاعتراف بعيد الاستقلال؟ أولا يمثل ذلك ضرورة العودة للمشروع الوطني التحرري الذي تبلور قبل ثمانين عاما (عندما وقعت اول عريضة مشتركة بين ابناء الوطن في العام 1938) للمطالبة بدستور ومجلس وطني وشراكة سياسية حقيقية. لقد استمر النضال بعد الانقلاب الخليفي بدون توقف، وكان نصيب المناضلين في ظل التركة البريطانية الكبيرة التي جسدها الجلاد المقبور ايان هندرسون، السجن والتنكيل والتعذيب والابعاد. وتواصل النضال حتى في ظل الهيمنة السعودية على البلاد والعالم العربي، وبث التطرف والطائفية وشق الموقف الوطني.
الامر الذي يحق لشعب البحرين ان يفخر به انه برغم ذلك استطاع تجاوز كل تلك المعوقات الخليفية السعودية، واستمرت الاصوات المخلصة من ابناء الوطن، على اختلف انتماءاتهم الايديولوجية والمذهبية للمطالبة بوطن حر يوفر الحرية والامن والكرامة لسكانه الاصليين وينتفض بوجه من يسعى لتغيير هويته واستبدال شعبه بالمرتزقة الاجانب. ربما استطاعت العصابة الخليفية المدعومة بالمال السعودي التعتيم على الحقائق وتضليل الرأي العام وشراء بعض المواقف ولكنها لم تستطع قتل الروح الوطنية المختزنة في نفوس الكثيرين، خصوصا ممن طالهم التنكيل والاضطهاد.
لقد اصبح مرفوضا بشكل قاطع القبول بالعودة الى الوراء، كما يحاول الخليفيون الذين قدموا الدعوة الرسمية للبريطانيين بالعودة مجددا وانفقوا اموال الشعب المنهوبة لبناء القاعدة العسكرية البريطانية.
ولذلك سيستمر الصراع بين طرفين: الطغمة الحاكمة التي ينضح تاريخها بالعمالة وتسليم السيادة للاجانب المستعمرين والمحتلين، والشعب الاصيل (بشيعته وسنته) الذي اشترك ابناؤه في زنزانات الحكم الخليفي وما يزالون يدفعون فواتير النضال والصمود والكرامة.
في هذه المناسبة يشعر الشعب والوطن بضرورة التحرر من القيود الاستعمارية وهيمنة الاحتلال السعودي. والامل ان يستوعب المواطنون بكافة اطيافهم ضرورة استعادة بوصلة النضال من اجل الحرية والكرامة ورفض الهبوط الى المستويات التي يريدها الحكام الديكتاتوريون والمستبدون والطغاة.
الامل ان تكون ذكرى الاستقلال دافعا للمناضلين الشرفاء للنهوض من السبات الذي فرضته قوى الثورة المضادة بقيادة السعودية واستنشاق عبير الحرية بعمق، والانطلاق في ميادين الكرامة والشرف، ذودا عن الوطن وحماية لكرامة الشعب وبحثا عن التعايش الكريم المؤسس على المواطنة المتساوية في ظل نظام سياسي شريف يقوم على مبدأ “لكل مواطن صوت”.
هذه هي رسالة عيد الاستقلال التي تجسد انتصار الارادة الشعبية وهزيمة الاستعمار والاحتلال، فلنقرأها بوضوح وتجرد وايمان بالانسانية التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتصدق ولا تكذب وتنسجم مع رسالة السماء ولا تتمرد على الحق.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين