رحلت باكراً يا عم أحمد!
بقلم معن بشور
رحلت باكراً يا عم أحمد عبد الرحمن بعد 90 عاماً افنيتها منذ كنت فتى في ميادين الفكر والتعليم والسياسة والنضال وحمل لواء القضايا المحقة في أمّتك والعالم.
رحلت باكراً لأن السودان الذي نذرت حياتك لخدمته ما زال بحاجة إليك جسر تواصل بين أبنائه بعد أن نجح أعداؤه في إقامة المتاريس بين مكوناته من الجنوب إلى الشمال.
رحلت باكراً يا عم أحمد لأن أمّتك العربية والإسلامية ما زالت بحاجة إلى جهودك من أجل قضاياها المحقة، ولاسيّما قضية فلسطين، خصوصاً مع “طوفان الأقصى” الذي أكّد للعالم كله وأن ما كنت تسعى مع إخوانك في السودان وعلى مستوى الأمّة لإثبات الحق الفلسطيني ولاحتضان إرادة المقاومة في شعبها كان في محله.
رحلت باكراً يا عم أحمد، لأن قارتك الأفريقية ما زالت بحاجة إليك وأنت الذي حملت همومها وآمالها كما لم يحمله آخر، وكانت “جامعة أفريقيا” التي شاركت في تأسيسها في الخرطوم حاضنة لآلاف الأفارقة من كل القارات، وقد التقينا بمعظمهم يوم عقدنا في السودان “ملتقى التضامن العربي – الإفريقي” في آواخر عام 2010، وكنت من المشرفين عليه مع الصديقين الدكتور قطبي المهدي و الدكتور محمد حسب الرسول.
رحلت باكراً يا عم أحمد لأن حركة التحرير العالمي ما زالت بحاجة إليك لتسهم مع إخوانك في المؤتمر القومي العربي والمؤتمر العربي العام والمركز العربي الدولي للتواصل والتضامن، في إطلاق جبهة تحرر عالمية مناهضة للعنصرية والإمبريالية والصهيونية، كيف لا وقد أنجزت من خلال “مجلس الصداقة الشعبية العالمية” الذي كنت ترأسه فعاليات كبرى على هذا الصعيد، لاسيّما أنك كنت من أوائل رجالات هذه الأمّة الذين انتبهوا لأهمية الصين ودورها المستقبلي فبذلت جهداً كبيراً لتوثق العلاقات بها.
رحلت باكراً يا عم أحمد لأن المؤتمر القومي العربي يفتقدونك أيضاً، وانت الذي كنت من رموز الحركة الإسلامية وأحد أبرز أعضائها وأصبحت عضواً في أمانته العامة، إيماناً منك أن الإسلام هو روح العروبة، وأنك في بلاد فيها العربي المسلم وغير المسلم، وفيها المسلم العربي وغير العربي.
رحلت باكراً يا عم أحمد وقيم كثيرة حملتها في حياتك ما زالت بحاجة إليك وأهمها “الوفاء” الذي بات يعتبر معياراً في قياس مدى أخلاقية الإنسان وإخلاصه.
ويروي لي الباحث السياسي الدكتور محمد حسب الرسول، عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي ورفيقك في المعتقل عام 1985، وتلميذك في الحركة الإسلامية في السودان، وزميلك في لجنة التواصل السياسي الذي أنشأها المؤتمر الوطني العام عام 1999، التي شكلها المؤتمر الوطني في السودان برئاستك من أربعة شخصيات تواصلية هم وزير الخارجية الأسبق لام أكول ووزير الإعلام الأسبق الدكتور غازي صلاح الدين والدكتور محمد حسب الرسول، قصة عن وفائك لأصدقائك تعتبر نموذجاً ينبغي الاحتذاء به.
يقول أبو أحمد (محمد حسب الرسول) أنه رغم تباعد المسارين السياسي بينهما، كانت تجمع العم أحمد رحمه الله، بعمر نور الدايم، أحد قادة حزب الأمّة علاقة قوية جداً لدرجة أنه حين اضطر عبد النور الدايم الإقامة خارج السودان خلال حكم الرئيس عمر حسن البشير، قام أحمد عبد الرحمن بشراء أرض في الخرطوم لعبد النور الدايم وعائلته وأشاد منزلاً في تلك الأرض ليؤكّد في عمله مكانة الصداقة بين الرجلين حجم الوفاء للصداقة عند أحمد عبد الرحمن.
لقد عرف السودانيون أحمد عبد الرحمن مناضلاً صلباً، واستاذاً جامعياً في السودان وخارجه، ونائباً ووزيراً ومعتقلاً سياسياً، لكن الأهم من ذلك كله أنهم عرفوه رجل مبادئ ثابت عليها، وأخلاق عالية متمسك بها، في زمن يتباهى فيه العديد من السياسيين “بذكائهم” في التحرر من المبادئ، والتفلت من الأخلاق، وحين كنا نلتقي في دورات المؤتمر القومي العربي في بيروت أو في العواصم العربية الأخرى، كان يلاقيني بوجهه البشوش دائماً، قائلاً “ماذا فعلتم بي لقد انتخبتموني عضواً في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي وأنا المؤسس في الحركة الإسلامية في السودان”، وكنا نجيب عليه “هذه هي مهمة المؤتمر أن يتلاق في رحابه كل مؤمن بالمشروع النهضوي العربي أياً كانت خلفيته الفكرية والسياسية”.
11/2/2025