ذكريات من زمن الفدائيين….4!
أبو علاء منصور.
اعتدتُ أنا (أبو علاء منصور) أن أشتغل في مخبز صديقي عطا في العطل الصيفية. وفي اثنتين من العطل الجامعية انخرطتُ في دورتين تدريبيتين في معسكرات حركة فتح. الأولى سياسية\عسكرية في معسكر 99 بجبال السلط عام 1969. كان نزيه أبو نضال -مسيحي من بلدة ماحص- قائد المعسكر، ونائبه عبد الفتاح القلقيلي -أبو نائل- من قرى نابلس، ومدربان عسكريان، جيفارا -إيراني- وأنطون من طولكرم. والثانية تثقيفية انعقدت في مدارس الأونروا بمخيم الوحدات، وشارك فيها حوالي مئة من كوادر فتح في مختلف الأقاليم. كان الدكتور نبيل شعث مسؤول الدورة، ومنير شفيق والدكتور حنا ميخائيل -أبو عمر- نائبيه. وفي الدورة الأخيرة تلقينا محاضرات في الاستراتيجية والتكتيك، والإعلام، وناقشنا عديد الكتب ولخصناها.
أسابيع بعد انتهاء الدورة ووقعت أحداث أيلول المأساوية! حماني الله من الوقوع في مأساة، أنني حملتُ مادة دراسية للدور الثاني. عدتُ إلى العراق لتقديم الامتحان مستخدماً إجازة فتح التي دخلتُ بها الأردن! ماذا لو وقعت الحرب الفتنة وأنا في الأردن؟ سأعتقل وتضيع الدراسة.
كانت الإجازة تتيح لحاملها التنقل عبر حدود بلاد الشام والعراق عوض جواز السفر، وكان استخدامها يبعث فينا فخراً باعتباره تمرداً على حدود سايكس بيكو.
أنقذني التراجع الأكاديمي في ذلك العام من كارثة! لكن الفقر أدى دوراً هداماً، حدّ من حيويتي الاجتماعية ومسّ بروح المبادرة عندي. كنتُ أنزوي بعيداً عن كشك المشروبات متجنباً حرج استضافتي وليس لدي ما أرد به، كان ذلك يبث في قلبي مرارة. وخنق الفقر مشاعري العاطفية، ففي السنة الجامعية الثانية انجذبتُ لطالبة كردية جميلة. لكن الفقر وقيم النضال المثالية حالت بيني وبينها، كأن الحب ممنوع على الفدائي! بالمقابل اختبر الفقر صلابتي.
بعد عقود قلتُ لابني علاء وهو يتهيأ للسفر إلى أمريكا للدراسة:
_ إن زاملت في الجامعة ابنة رئيس وشعرت بميل عاطفي نحوها فلا تتردد.
معاناة شديدة، لكني لم أضطر والدتي لبيع أرض ولم أتخلف في الدراسة. بقيتُ ملتزماً بوعد النجاح فأمدني بطاقة ساعدتني في تجاوز المرارات. بعد أربعة أعوام عدتُ بشهادة بكالوريوس في الرياضيات، لأصبح أول جامعي في القرية مع أننا أسرة فقيرة. بالمقابل تملك عائلة زميلي سمير عمارة ومكتب تكسي في مدينة الزرقاء. بعد السنة الجامعية الثانية في بغداد سافر إلى بريطانيا لدراسة الطب، شهرين ورجع فسألته:
_ لماذا عُدتَ يا سمير؟
_ خشيتُ أن تُهدم عمارتنا بعدما اندلعت الاشتباكات بين الفدائيين والجيش الأردني!
طريقة تفكير تتوقع الشر قبل وقوعه فتُغرق صاحبها في الألم.
الوحيد الذي أدرك قسوة معاناتي هو صديقي رشيد. شاب يتيم الأم، ويشتغل والده عامل نظافة في بلدية الرصيفة شمال عمان. كلانا قابضان على جمر فقرنا، لكنه محظوظ بكثرة طلبة منطقة طولكرم في جامعة بغداد، يقترض مالآ من هذا ويلبس ثياب ذاك…. في سنتنا الجامعية الثانية حصل رشيد على منحة جامعية، وبدأ يتقاضى خمسة عشر ديناراً شهرياً، فدعمني بخمسة دنانير شهرياً على مدى ثلاثة شهور. رشيد شخص استثنائي في كل شيء. درس اللغة الفرنسية في المعهد الفرنسي ببغداد! وجاب أوروبا حتى باريس! كيف تجرأ على ذلك وليس لديه المال الكافي؟! كان يتنقل عبر (الأوتوستوب) وينام في الحدائق؟ اقتحم قسوة الحياة بشجاعة مقاتل وعزم فدائي، دون أن يبدو على مظهره الخارجي شيء من ذلك. كانت قوته داخلية. بعد أربع سنوات من عمله في الكويت، سافر إلى بريطانيا، وحصل على شهادة دكتوراة في الرياضيات من جامعة بيرمنغهام، وهو الآن بروفسور في الرياضيات. رشيد شخص بسيط، لكنه جاد وخيّر. بالجد وصل وكافأه المولى على فعل الخير.
في جامعة بغداد تعرفتُ على شابين عراقيين مسيحيين، باهر بطرس وكوركيس خضر. قبل أن يصبح باهر صديقي، لفتت انتباهي كتابة أخبار الثورة الفلسطينية على اللوح في قاعة المحاضرات كل صباح! سألته عن ذلك بعدما جندته لفتح فقال:
_ أنا كنتُ أفعل ذلك. كنتُ أستمع لنشرة الأخبار من صوت العاصفة ليلاً، وأعيد كتابتها على اللوح قبل حضور الطلبة في اليوم التالي.
التقيتُ وصديقي باهر في عمّان صيف العام 2019 فقال:
_ أنا أؤمن أن ما نقدمه من خير نقرضه لله فيعيده أضعافاً. دعَمك رشيد بثلث ماله -خمسة دنانير- شهرياً لثلاثة أشهر متتالية، فرد المولى له الجميل بكرم إلهي. جاء في رسالة بولس الرسول لأهل روميا\الإصحاح الرابع\الآية الرابعة: أما الذي يعمل فلا تُحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دَين. أنا حصل معي شيء من هذا القبيل، فبعد العدوان الأمريكي على العراق سقطت العملة العراقية، فأصبح راتبي الشهري يعادل دولاراً أمريكياً، والثلاثين ألف دينار التي ادّخرتها وزوجتي لشراء شقة لم تعد تشتري خروفاً. في الأثناء تردت صحة قريبة لي -سيدة عمرها 89 سنة- اعتنيتُ وشقيقي أثير بها فمنحتنا ثروتها. كان نصيبي حوالي نصف مليون دولار!
يوم السابع من شهر حزيران عام 2020، التقيتُ القائد المناضل عبد الفتاح القلقيلي (أبو نائل) في بيت عزاء الأسير المحرر محمد لطفي ياسين (أبو لطفي)، فقلتُ للحاج موفق سحويل أمين سر إقليم فتح في رام الله وأنا أعرفه على أبو نائل:
_ أبو نائل في الخامسة والثمانين من العمر، استفيدوا من مخزونه الثقافي والنضالي الثري، شيء مؤسف أن القاعدة الفتحاوية منفصلة عن شخص مثل أبو نائل، ولا أريد أن أتطرق لتقصير القيادة بحق المناضلين!!
تحدث أبو نائل عن رفيق دربه أحمد شاويش (أبو معن) المقيم في كندا فقال:
_ أعترف لأبو معن بأنه أفضل مني تفكيراً وأكثر أمانة.
في ربيع فتح كان أبو معن رمزاً لتيار فتحاوي يساري يطلق عليه (جماعة أبو معن) وأحياناً (جماعة أبو فارس\مرعي عبد الرحمن). ومنذ ذلك الحين ارتسمت للرجل صورة مضيئة في قلبي دون أن ألتقيه، ومع أننا ننتمي لتيارين فتحاوين يساريين متصارعين. يومها كنتُ مسؤول مكتب لجنة التنظيم 77 في دمشق، وأنتمي لتيار منير شفيق، فيما هو عضو لجنة إقليم سوريا، ويتزعم تياراً يسارياً باسمه. وكان الصراع محتدماً بين طلبة تيارينا في الجامعات السورية.
يوم التاسع من شهر حزيران عام 2020، التقيتُ الصديق أبو نائل في شقته المتواضعة بحي الطيرة في رام الله، وللحديث مع الرجل الموسوعة بداية لكنه لا ينتهي. قال أبو نائل ونحن نسترجع ذكريات من زمن الفدائيين:
_ في اجتماع للجنة إقليم سوريا اعترض أبو معن على ما قاله أبو عمار، وغضب ونهض ليغادرالاجتماع. طلب منه أبو عمار الجلوس فأصرّ على المغادرة وغادر. بناء عليه قرر ابو معن إنهاء تفرغه في الحركة، والبحث عن عمل في إحدى دول الخليج. حان وقت استلام المخصص الشهري فرفض استلام مخصصه قائلاً: (لم أعد متفرغاً في الحركة، وهذا ليس من حقي). وصل الخبر لأبو عمار فأمر فؤاد الشوبكي مسؤول المالية: (إذهب إلى أبو معن ومعك اثنين من العسكر، وقل له أن المخصص من حق عائلتك)
عن نفسه قال أبو نائل:
_ انتميتُ لحزب التحرير الإسلامي وأنا في المرحلة الثانوية، وفي العام 1959 سافرتُ إلى السعودية وعملت معلماً. وفي العام 1965 شكلنا في السعودية تنظيماً اطلقنا عليه اسم (الحلقات المتصلة لتحرير فلسطين)، ولما انطلقت فتح قابلتُ أبو إياد في الكويت يوم 12\2\1965، وانضممنا لفتح، أنا وأبو معن وأبو نضال أبو شمالة، وعبد السلام الأشبال وأبو فتحي الدويك. وفي العام 1968 كنتُ موظفاً في شركة تجارية في الرياض، وأتقاضى راتباً شهرياً قدره 1500 ريال، وكانت خطيبتي نوال عابدي (أم نائل) موظفة في شركة أرامكو في الظهران، من الفئة العليا للموظفين، وتتقاضى راتباً شهرياً قدره 3500 ريال، وأصبح راتبها 4000 ريال بعد عقد القران بيننا. في ذلك الوقت كان راتب المدرس 500 ريال. قلتُ لنوال: (لن نحتاج لأكثر من ألف ريال كمصروف بعد زواجنا، هذا يعني أنه ستتراكم لدينا مبالغ مالية شهرية تجعلنا أثرياء، فيعلو السور بيننا وبين الثورة، ولا نعود قادرين على القفز عنه، علينا أن نتفرغ في الثورة قبل أن يتعالى السور فيحول بيننا وبين النضال. الثروة سور يعزل الإنسان عن الثورة. سافرتُ إلى الأردن في شاحنة تحمل تبرعات عينية للثورة، وكنزات صوفية حاكتها بنات فتح ضمن مشروع (كنزة الفدائي)، مع شيك بقيمة عشرين ألف دولار تبرعات للحركة. كان عمري في ذلك الوقت 32 عاماً. تفرغت في حركة فتح في الرابع عشر من شهر شباط عام 1968، بمخصص شهري قيمته عشرة دنانير أردني مضافاً إليه أجرة سكن، والتحقت نوال بي وتزوجنا.
مع تحيات أبو علاء منصور
2020-06-11