ذكرى رحيل طائر الحقول!
“”””””””””””””””””””
جبار فشاخ داخل.
** جبلت السنن الطيبة في الانسان ان يقدم الرجال دماءهم لكي تبنى الامم وتنتصر الشعوب، حيث لمع منتصف هذا القرن بريق دماء الأديب العراقي الشهيد شمران الياسري، لتكون أطواق نجاة تبشر بفجر اكثر اشراقاً، ففي ذكرى استشهاده، نتذكر رجلاً كان يحمل هماً وطنياً خالصاً ويضم الى قلبه منهاجاً يعالج فيه اوجاع وهموم هذا الشعب ليجعل الولاء كله للعراق، وهذا ما يذكرنا بماضيه وتاريخه .
** هو شمران يوسف محسن الياسري، الذي يعرف بأبي گاطع، المولود عام 1926 في ناحية الموفقية في محافظة الكوت، ونشأ بين اكواخ الطين في اقاصي الريف .
** تتلمذ على يد والدته وتعلم منها القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ويذكر أنه عندما فتحت مدرسة قريبة لمسكنه اخذ يتردد على المعلمين فيها واخذ منهم محاضرات في اللغة الانكليزية، وقد ثقف نفسه بمطالعة ودراسة مختلف الكتب وخاصة الماركسية منها حتى صار صحفياً واذاعياً وروائياً بارعاً .
** من صفاته انه كان لطيف المعشر، سريع البديهية ،كتلة من النشاط والذكاء والعبقرية، مستودع لا ينضب للنكات والحكم والامثال الشعبية من الريف .
** بدأ ينشر كتاباته في الصحف المحلية وهو ما يزال في الريف وقبل ان يلتحق بصفوف اليساريين ويتخذ مساره الماركسي في مطلع الخمسينيات
* بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 انتقل الى بغداد وأستمر بنشاطه الصحفي بشكل اوسع حتى اصبح صحفياً ذو شأن كبير، وفتحت امامه ابواب الصحافة والاذاعة بشكل واسع ، وبدأ اذاعة برنامجه المشهور : احچيها بصراحة يبو گاطع، وكان يتحدث فيه بلهجة الريف العراقي المفهومة، فإجتذب الملايين من المستمعين، وكان المذيع المعروف حافظ القباني يحرص بنفسه على تقديمه للمستمعين عند بث البرنامج حيث كانت عبارته اليومية : احچيها بصراحة يبو گاطع حچاية اخ لاخو ونابعه من العين صافي .. وكانت حكاياته تعتمد على المفارقة باسلوب ساخر ووخزات ناقدة .
** في أوائل عام 1962 اعتقل بسبب توقيعه مع مجموعة من المثقفين على الوثيقة لنصرة الشعب الكردي والمطالبة بالسلم في كردستان، ومكث في الاعتقال سنة كاملة، وأطلق سراحه قبل انقلاب شباط 1963 بشهرين، ولو بقي في المعتقل لغاية شباط لكان قد لقي مصيراً محتوماً على يد جلاوزة الحرس القومي كما حدث لكثير من المعتقلين .
** واجه محنة شباط الاسود بالأختباء في دار شقيقه ببغداد فترة 4 أشهر ثم نقل الى ريف الكوت من قبل سائق مغامر سلك طرقاً صعبة لإيصاله إلى هناك، ولقد جابه في ريف الكوت والحي تلك القوى الشريرة بقوة وحزم فعمل مع زملائه على نشر الوعي في صفوف الفلاحين في مدن الجنوب كلها .
** في السبعينيات اشتغل لفترة محرراً في جريدة التآخي، ثم عمل في صحيفة الفكر الجديد وبعدها في صحيفة طريق الشعب التي تفجرت قدراته فيها عندما أخذ يكتب عموده اليومي المعنون (بصراحة) وصار ذلك العمود يمثل مشكلة كبيرة للنظام الدكتاتوري آنذاك، وعمل كذلك مديراً لتحرير مجلة الثقافة الجديدة .. وكان معه نخبة من الأدباء الكبار المعروفين، وكان العمل في تلك المجلة يومذاك يعد نوعاً من المخاطرة في جو مشحون بالتوترات السياسية ومفاوضات قيام الجبهة مع حزب السلطة، ورغم انه كان مديراً للتحرير إلا انه كان ممنوعاً من الكتابة فيها.
** يوم 1977/8/3 اضطر ابو گاطع للمغادرة خلال ساعات وبشكل علني من مطار بغداد الى مطار صوفيا عصراً بعد ان ظهر مقال له صباحا جعل صدام يضرب على الطاولة أمامه غضبا، وبعد أن منع من الكتابة في أي صحيفة عراقية .
** في 17 آب عام 1981 توفي أبو گاطع في حادث سير وهو في طريقه من جيكوسلوفاكيا إلى هنغاريا لزيارة ابنه الاكبر جبران، فقرر اصدقاؤه دفنه في مقبرة الشهداء الفلسطينيين في بيروت وكتب على شاهد قبره (ضريح الشهيد شمران الياسري، استشهد عام 1981) وتركوا تاريخ ميلاده فارغاً .
** هكذا عاش شمران الياسري، وهكذا مات غريباً
* اهم رواياته هي الرباعية وتتضمن : الزناد – بلا بوش دنيا – غنم الشيوخ – فلوس إحميّد ، حيث جسد فيها تاريخ المجتمع العراقي من خلال مفردات الريف الاقتصادية والسياسية والفكرية بنماذج وشخصيات رسمها من واقع الريف العراقي … وقد كتب شمران الياسري هذه الرباعية على ضوء الفانوس في الفترة التي تخفى فيها عن اعين السلطة بعد انقلاب شباط الاسود وكان يصل الليل بالنهار وهو يكتب هذه الملحمة التي نشرت عام 1972 ضمن منشورات الثقافة الجديدة وأعيد طبعها بعد عام 2003 .. وهناك رواية اخرى مكملة لهذه الرباعية وهي (قضية حمزه الخلف) نشرت عام 1983 في الخارج وأعيد طبعها عام 2006 .
** 7 ايار 2017 – قرر مجلس محافظة بغداد، تغيير تسمية (شارع 10) الرابط بين ساحة الاندلس ومجسر ملعب الشعب باسم شارع شمران الياسري (ابو كاطع) .

