ذكرى التحرير..!

رنا علوان
ثلاثة وعشرون عامًا على التحرير ، قد تكون تبدلت فيهم بعض الصيّغ والمعادلات ، إلا أن نشوة النصر لا زالت حاضرة كالأمس ، يوم استيقظ أهل لبنان وتحديدًا أهل الجنوب على وقع اندحار العدو وعويل اذياله من العملاء الذين خلّفهم وراءه كالنفايات بإذلال ، لكن حقارتهم وحقارة افعالهم ودنّوهم ، ابت الا ان تدفع بهم للهرولة وراءه طلبًا للآمان من عدوٍ لا أمان له ، ولو أنهم تابوا وارتّدوا لكان خيرًا لهم ، فعقاب الدنيا لا يوازِ شيئًا أمام عقاب الآخرة
في يوم الواحد والعشرين من أيار بدأ التحرير ، بعد أن أعلنت قيادة القطاع الأوسط في الجيش اللبناني الجنوبي(جيش لحد) المرتبط بإسرائيل الإستسلام بفعل ضربات المقاومة الباسلة وصمود الأهل الأعزاء ، و على أثر هذا الخبر زحف الجنوبيون الى الأراضي التي كانت تحت وطئ الإحتلال ، ومن البلدات الأولى التي تحررت هي بلدة القنطرة التي لم يدخلها أحد منذ العام 1978 ، وكان ذلك مدخلاً لعودة الأهالي الى بلدات الطيبة وديرسريان وعلمان وعدشيت
في اليوم التالي امتد موج التحرير ليشمل بلدات جنوبية جديدة انضمت الى قافلة التحرير وهي بلدات حولا ومركبا وبليدا ، بالإضافة الى بني حيان وطلوسة والعديسة وبيت ياحون ، ولحقت بها كل من كونين ورشاف ورب ثلاثين
أما في اليوم الثالث كانت بلدة بنت جبيل ، وعيناتا أول الغيث ولحقت بها يارون والقرى المجاورة لها ، ومن أبرز الأحداث كان اقتحام الأهالي لمعتقل الخيام وتحرير كل المعتقلين ( ولقد كان لي شرف زيارته بعد ثلاث أيام من النصر المبارك ، كما نلت شرف التعرف على بعض الأسرى الذين كان لهم حكايات من النضال في اروقته ، فهؤلاء من صُناع النصر ، ولقد رووا لي بفخرٍ بعضها
كان كل ما في المعتقل على حاله ، نعم لا يمكن للعين الا ان تدمع ، لكن القلب يكبر بصمود هؤلاء الأبطال ، ومن بين الزنازين في المعتقل كان هناك زنزانة انفرادية للبطلة سهى بشارة التي كنت ارى فيها أيقونة ، فدخلتها للحظات واغلقت بابها ، عليّ أشعر بعزٍ من بعض ما ناله الأبطال ، فذكرياتهم فيه ما هي الا وسام شرفٍ وعز ، كما انه دين في عنقنا جميعًا إزاء تضحياتهم )
أما اليوم الرابع انتقلت قافلة التحرير لتشمل قرى وبلدات البقاع الغربي وحاصبيا
قبل يومين من النصر المبارك ، شعر عدد من المقاومين أن اللحظة المنتظرة باتت قاب قوسين او أدنى ، فقد كانوا قد نفّذوا عملية على موقع البياضة العسكري في منطقة صور ، يومها طلب منهم قائدهم عماد مغنية الاستعانة بدبابة [ لقد كانت الرسالة واضحة وجلية ( إنها ساعة حسم ) بما أنها المرة الأولى التي تقترب فيها دبابة إلى مكان قريب جدًا من الموقع المستهدف ، فأمطرت دشمه بالقذائف قبل دخولها إليه وتفجيرها ليسقط الموقع بأكمله على رؤوس من فيه ]
أعوامُ نصرٍ مضت لم تزداد إلا تألقًا ، خصوصًا بعد أن تبلورت نتائجها ، فباتت تُشكل منطقة الشريط الحدودي عبء على مستوطنات شمال فلسطين المحتلة ، بدلاً من أن تكون حزامًا أمنيًا لها
ونجحت المقاومة من خلال فرض معادلة الصواريخ التي كانت إنهالت وستظل تنهال على المستوطنات ردًا على أي حماقة يأتي بها العدو الأرعن ، فضلاً عن إلزامه بتحويلها الى قيد اضافي على صانع القرار السياسي والأمني ، ما يجبره أيضً إلى الالتزام بالمعادلات التي فرضها حزب الله ( وهذا ما وفرّ للمقاومة المظلة التي مكَّنتها من مواصلة عملياتها ، وتحقيق نصرها في حرب تموز 2006 )
إمتازت مرحلة الصمود والمقاومة قبل التحرير ، [ بأكثر من بُعد ] ما يُثّقل ذلك حجم الانتصار الهائل ، فلو درسنا ضيق المساحة الجغرافية وطبيعة تضاريسها ، التي وفرت الارضية لجيش العدو للإستفادة من هذه الميزة ، بما يساهم في تقليص خسائره البشرية
وفي نفس الإطار ، كيف شكلت عصابات انطوان لحد من نفسها [أكياس رمل لجيش الاحتلال] ، ما وفر عليه أيضًا الكثير من الخسائر البشرية ، وهذا الأمر ساهم الى حد كبير في اطالة امد الاحتلال ، ناهيك عن جميع المساندة الخارجية له سواء غربية أم عربية ، ومن مزايا الاراضي التي كانت محتلة أنها ملاصقة لحدود فلسطين ، وهو ما اضفى عليها بعدًا استراتيجيًا اضافيًا يتصل بالعمق الاسرائيلي ، واستنادًا الى هذه الخصوصية يمكن لنا فهم منسوب التمسك الاسرائيلي باستمرار احتلال هذه المنطقة ، والاصرار على عدم التخلي عنها من دون أثمان سياسية وأمنية كان العدو يراهن على انتزاعها من لبنان ، الى أن اضطر للاندحار مرغمًا بعد أن استنفذ ما لديه من قوة على المواجهة والصمود
ختامًا ، لن نسمي هذا النصر نصرًا مكتملاً إلا اذا تحرر القدس ، فهو نصرٌ ناقص وشرفنا في القدس يُدنس ، لا عذر لنا في ان نسكت او نغض الطرف لبرهةٍ ، ( عميت عين رأت ما يحدث في أرض الطُهر فقبلت به )
لذلك يجب ان تتغير جميع المعادلات والموازين ، ويجب أن تُكسر الحدود ، وجدران الخذلان والخنوع ، لكي ننتزع إكتمال نصرنا من قلب عدونا وبكل ما أوتينا من قوة ، وهذا ما هو فعلاً بالحسبان ، ولينظر العدو الى المناورة التي ستقام احتفالاً بالحدث نهار الأحد القادم ، وليتمعن بها كي يُعيد حساباته لعل شيئًا منها قد سقط سهوًا فيلتقته ، [ وليكد كيده ، وليسعى سعيه ، وليُناصب جهده ، فو اللهِ ليست أيامه إلا عدد ، ولا جمعه إلا بدد ]
2023-05-19