دونالد ترامب .. “مكر الله” أم دولار يمشي على قدمين؟
د. عمر ظاهر
يقول بعضهم عن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب أنه شخص مهووس. ويرى بعضهم أن ترامب هذا رجل أعمال جمع ثروته عن طريق النصب والاحتيال، فهو نصّاب، وأنه سيحتال الآن على دول العالم كلها وعلى أمريكا نفسها ليزيد ثروته الشخصية. ومنهم من يقول إن دونالد ترامب ليس إنسانا أصلا، بل هو عبارة عن دولار حي، ينطق ويمشي على قدمين، ولا يعرف دينا، ولا مبدءً أخلاقيا، وليس له ضمير. وهناك من لا يخفي خشيته من أن وجه ترامب يخفي وراءه الشيطان نفسه.وهناك منجمة بلغارية تنبأت قبل أكثر من عشرين سنة أن شخصا أسود، أوباما، سيكون آخر رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، ويأتي بعده المسيخ الدجال، أي ترامب. وهناك من يقول أيضا أن ترامب هو زعيم “الربيع الأمريكي”، وأنه سيكون بلاء على أمريكا وعلى العالم كله. وقد تسمع بين المسلمين من يطلق على دونالد ترامب لقب “مكر الله”.
على أية حال، فقد قل في العالم، أو انعدم من تفاءل بصعود ترامب إلى منصب الرئاسة في أمريكا، وحتى أقرب أصدقاء أمريكا وحلفائها يخفون جزعهم من وضع القوة في يدي ترامب وراء احترامهم للديمقراطية الأمريكية وللناخب الأمريكي. يقولون “يجب أن نحترم خيار الشعب الأمريكي”. وهذا على ما يبدو هو أضعف الإيمان، فكل من يعرف العملية الديمقراطية في أمريكا يدرك بوضوح أن ترامب ليس خيار الأغلبية من الأمريكيين. إنه خيار من يتحكمون في آلية اختيار الرئيس عبر إعطاء الدوائر الانتخابية المختلفة قيما مختلفة. وهذا تجلى خلال أسبوع بعد تنصيب ترامب فالمواطن الأمريكي العادي استقبله بالمظاهرات والاحتجاجات. أما من عبّر عن سروره، وشعوره بالنصر فهم نخبة من أغنى رجال الأعمال في أمريكا. إنه خيار الدولار.
ونضع جانبا ادعاء بعضهم أن ترامب هو، ويا لسخرية الأقدار، خيار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فهو من تدخل الكترونيا لتزوير الانتخابات، وترجيح كفة ترامب لغاية في نفسه. نضع هذا الادعاء جانبا، ونفترض أن ترامب هو خيار أغنياء أمريكا كما كانت الحال مع كل رئيس أمريكي قبله، فهذه الدولة، رغم صبغتها الديمقراطية، ليست دولة المواطن العادي، بل هي دولة الأغنياء ذوي الثروات الخرافية المصحوبة بالحول والقوة. والأغنياء اختاروا دولارا حيا يمشي على قدمين، ويملأ الدنيا بهذيانه، بأنه يريد “أن يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (To Make America Great Again).
وعلى ما يبدو فإن هذيانه بهذه العبارة هو مفتاح لفهم ظاهرة ترامب، وفهم عقلية من يصفقون له بعيدا عن كونه الشيطان نفسه، أو المسيخ الدجال، أو “مكر الله”، أو أي شيء آخر..
أن يكون الهدف الأول لترامب جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى يعني صراحة أن ترامب وأنصاره يرون أن أمريكا لم تعد عظيمة. وبالمناسبة، فكثيرون في العالم يشاطرون ترامب رأيه بأن أمريكا لم تعد عظيمة، ولكن، بطبيعة الحال، انطلاقا من تعريف مختلف تماما لمفهوم العظمة. فمن وجهة نظر بعض الناس يدل وضع ترامب في منصب الرئيس في أمريكا على انحدار شديد في هيبة أمريكا.
العالم لم يشهد خلال قرن من الزمان ولا رئيسا أمريكيا واحداً يلتزم بمعايير الأخلاق والإنسانية. ترامب ليس أسوأهم، فالرجل الأسود أوباما فعل بصمت، وبدون صخب أو تهريج، وتحت غطاء من جائزة نوبل للسلام من السوء ما لا يقل عما يعلن ترامب أنه يريد أن يفعله.
ترامب ليس الأسوأ بمقاييس الأخلاق والعدالة، لكنه أول رئيس أمريكي مسخرة. وليس مبالغة القول بأن تنصيب ترامب رئيسا لأمريكا هو بحد ذاته إعلان صريح عن أن أمريكا لم تعد عظيمة، فكل من جاء قبله كانوا يثيرون السخط، لكنهم كانوا يحظون باحترام جزء كبير من العالم، دولا، وشخصيات، وحكومات. ترامب هو أول رئيس أمريكي لا يثير السخط وحسب، بل والسخرية أيضا، ويثير اشمئزاز العالم كله.
ربما كان من قبله موهوبين في إخفاء حقيقتهم كمثيرين للسخرية. أما ترامب فرئيس أمريكي نموذجي بوجه حقيقي سافر. ويبدو أنه سيضحكنا كثيرا خلال السنوات الأربع القادمة إن أكملها في الحكم، في نفس الوقت الذي سيبكينا .. على عظمة لم يحافظ عليها الأمريكيون مثل الرجال.
لكن مفهوم ترامب عن العظمة مختلف تماما عما نرى ويرى الآخرون. العظمة في عالم ترامب تعني أن تكون غنيا، وتصبح أغنى، وبكل الوسائل، بالنصب، والاحتيال، وخنق الآخرين، واغتصاب حقوقهم، وتركهم للموت والمرض. وترامب يرى أن الأمريكيين جميعا على شاكلته يفكرون بالعظمة من منطلق الغنى دون أية اعتبارات أخلاقية. وهو يرى أن سياسات الرؤساء السابقين المنافقين جعلت الأمريكيين فقراء، فيعدهم هو أن تعود أمريكا به عظيمة تسرق، وتحتال، وتنهب لتجعلهم أغنياء.
ورب من سائل “ولكن هل بقي في العالم مكان لم تنهب أمريكا ثرواته، وتقتل شعبه حتى يأتي الآن ترامب ويفعل ذلك؟” كيف ستحتال أمريكا ترامب لتسرق وتنهب أكثر مما فعلت في ظل أوباما، وعائلة المعتوه بوش، والصبي الشبق كلينتون؟ تلك هي مزية ترامب. إنه قادر دائما على أن يبدع وسائل الاحتيال، والنصب، والابتزاز. إن لم يبق عند الفقراء في العالم ما تنهبه أمريكا فإنها ستسرق هذه المرة من الأغنياء، حتى لو كانوا أصدقاءها، وجيرانها، وحلفاءها، وشركاءها.
أول الغيث هو أن ترامب يلغي الاتفاقيات التجارية التي تنفع شركاءه، فلا يعودون قادرين على كسب مليم واحد في السوق الأمريكية، فتبقى هذه السوق حكرا على الشركات والمصانع الأمريكية، وتغتني أمريكا وتعود عظيمة. إن فرائص العالم ترتعد لذلك، فقد تربى العالم كله على مدى القرن الماضي على الإيمان بأن أمريكا هي شريان الاقتصاد العالمي، وعلى أنه لو عطست أمريكا فإن العالم كله سيصاب بالزكام، فكيف إذا انقلبت على مبادئ التجارة الحرة؟
ترامب لا يعطس فقط، بل يفعل أكثر من ذلك، لكنه سيكتشف أن العالم ربما لديه دواء ضد الزكام الذي يتسبب فيه عطاسه، وغير ذلك. وسيرى أن شركاءه – الأوروبيين تحديدا، سيكونون قادرين على أن يجدوا شركاء جدد، وسيكونون قادرين على أن يردوا له الصاع صاعين، فهناك أسواق الصين والهند، وروسيا، وغيرها. أغنياء أمريكا سيستعيدون احتكار سوقهم المحلية، لكنهم سيخسرون الكثير من سوق العالم خسارة مصحوبة بانتهاء أسطورة أن أمريكا لو عطست فإن العالم سيصاب بالزكام.
وهنا يأتي من يقول لنا أن ترامب يستحق لقب “مكر الله” لأن انغلاق ترامب ونفضه يديه عن العالم الخارجي سيؤدي إلى ما هو أسوأ، فالأموال التي سيجنيها ترامب من سياساته والتي يوفرها من هنا وهناك لن تذهب إلى جيوب فقراء أمريكا، بل إلى جيوب أغنيائها. إنه سيحول أمريكا أكثر من ذي قبل إلى أمريكتين، أمريكا “عظيمة” لأنها غنية، وأمريكا منحطة لأنها ليست غنية.
ويفرح من يعتبرون ترامب “مكر الله”، فهو وأغنياء أمريكا يمكرون، وهم لا يعرفون أن هناك مَن مكرهُ أشد ولو كان مكرهم لتزول منه الجبال. وبهذا فإن ترامب هو خيار الله لأمريكا والعالم حتى يرينا أنه خير الماكرين!
ووسيلة أخرى لترامب لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى هي ابتزاز حلفائها في قضايا أمنهم. وهنا فإنه يعلن، وبكل صفاقة، أنه لا يريد أن يصرف الأموال على حماية حدود البلدان الأخرى، وهو يقصد بشكل واضح حدود حلفائه في حلف شمال الأطلسي. إنه سلوك قرين لإجراء إلغاء التجارة الحرة، وغلق السوق الأمريكية بوجه الآخرين، وجعلها حكرا على الأمريكيين. هنا أيضا يقول النصاب أنه معني بأمن أمريكا، وعلى حلفائه بعد ذلك السلام.
إنها وسيلة ابتزاز لا غير، فترامب يقول لحلفائه الأوروبيين الغربيين نفس ما يقوله للسعوديين وغيرهم من الخليجيين “ادفعوا لنا مقابل حمايتكم”. وهنا فإن ترامب سيكسب على جبهة المال، فالأوروبيون سيدفعون له، ولكن ليس على شكل جزية، كما سيفعل الخليجيون، بل برفع مساهمتهم في ميزانية الحلف، فتقل مساهمة أمريكا، وتوفر أموالا كثيرة، وتصبح بذلك أغنى.
وهكذا فإن ترامب هو رجل أعمال يهمه المال، لا غير، فهو غير معني بالخسارة المعنوية، وبفقدان الشرف، والسمعة، والعلاقات الطيبة، وخسارة المكانة. المكانة عند ترامب تقاس بكمية المال الذي في حوزته. وهذه ليست بالضرورة طريقة تفكير الأوروبيين.
ثم إن طريقة تفكير ترامب تناقض المنطق السليم، فالغنى يعطي لصاحبه مكانة خاصة، ولكن ليس بشكل مطلق، بل في المشاريع المشتركة، فالأغنى في المشروع المشترك هو أيضا صاحب التأثير الأكبر. وعلى هذا الأساس وحده كانت أمريكا حتى الآن تهيمن على حلف شمال الأطلسي. وعندما تتعادل مساهمتها في حلف الأطلسي مع مساهمات غيرها، فإنها ستفقد الهيمنة في الحلف.
حلفاء ترامب الأوروبيون لديهم وسائل مختلفة للتعامل مع الواقع الذي يفرضه ترامب. إحدى الوسائل هي أن تصبح دولة أوروبية بحد ذاتها، ألمانيا مثلا، صاحبة الحصة الأكبر في تمويل الحلف، والحلول محل أمريكا في الهيمنة، مع كل ما يحمله ذلك من تبعات. ووسيلة أخرى متاحة للأوروبيين هي تقليل التوتر مع روسيا (العدو الأكبر للحلف) والقيام بترتيبات أمنية معها تؤدي إلى خفض الإنفاق العسكري. ترامب يمكر، لكنه يتحول بنفسه إلى “مكر الله”.
وترامب ممسك بسوط يجلد فيه عشرات الفئات المجتمعية في أمريكا التي تشعر تدريجيا أنها يجب أن تنتفض. أمريكا دولة مضغوطة بالصراعات العرقية، والدينية، والطبقية، وسياط ترامب قد توصل الضغط إلى درجة الانفجار، فيكون محقا من يرى أن أمريكا مقبلة على ما يشبه “الربيع العربي”، وقد تنتهي إلى ولايات أمريكية غير متحدة. ويستحق ترامب بذلك لقب “مكر الله”.
لو أعطينا الحق لهؤلاء فلن نملك إلا أن نقول أن ترامب اختارته العناية الإلهية لهدف مزدوج هو إبعاد العالم عن أمريكا قبل أن تنفجر من الداخل، فنرى أن من كان العالم يصاب بالزكام لعطسته صار لا يحرق إلا نفسه، وهو ينفجر صراعات مدمرة كما تنبأ بها الكاتب الأمريكي جاك لندن قبل قرن من الزمان.
ليس من الحكمة أن نستبشر خيرا من ذلك، مع أن أمريكا، إن أراد الله أن يمحيها من الوجود، وكانت صَلاتنا وحدها قادرة على استنزال رحمته عليها، فإنها لا تستحق أن نصلي من أجلها. إنما نخشى أن يؤدي انهيار أمريكا إلى أن يأتينا يوم يبكي فيه العالم على أيامها، مثلما نبكي، نحن العراقيون، اليوم على أيام صدام حسين، فمن يقفون في الدور لأخذ مكان الدولة الأعظم في العالم ليسوا خيرا ممن جاءوا إلى العراق بعد صدام.
عسى أن يكون دونالد ترامب مجرد دولار يمشي على قدمين، ويريد أن يصبح دولارا من فئة أعلى!