دراسة نقدية لمقالة “*التهجير هاجس نتنياهو الاستراتيجي” لبكر السباتين!

بقلم الدكتورة شذى فاعور..
أتابع الأستاذ بكر سباتين فيما يكتب من مقالات سياسية وغيرها، ولا أخفي عليكم أنني بادئ الأمر لم أشعر باندماجي بالفكر التحليلي السياسي، لأن ميولي النقدية التحليلية تنحو منحى الشعر والرواية والكتب النقدية على اختلافها، وسواء وافقته أم لا، أحببت السياسة أم لم أحب، فنقد المقالات السياسية واجب على الباحث والناقد، ويأتي من عمق لغوي تحليلي ورغبة في الاختلاف؛ لذلك فقد بقي هاجس نقد المقالات يلح عليّ، رغبة في تنويع النقد ومجالاته المختلفة، ولأشجع نفسي على دراسة المقالات باختلاف موضوعاتها والاهتمام بها وبفكرها وفهم أيدلوجيتها وعمقها .
وفي المقالة التي اخترتها للقراءة التحليلية وهي بعنوان “التهجير هاجس نتنياهو الاستراتيجي” يبدأ سباتين بأسلوب فكري يعكس توجهه لفهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من خلال رؤية عميقة تندمج فيها معطيات المقاومة الحمساوية مع الأيدلوجية الصهيونية المتطرفة، حيث يعرض السباتين فكرة جوهرية تنبع من عمق التفكير الجابوتنسكي المتشدد لنتنياهو، كما يحاول السباتين فهم المشروع الصهيوني في تكوين خريطة الشرق الأوسط الجديد، في محاولة من بكر سباتين لفهم مدى تأثر نتنياهو بفكر زئيف جابوتنسكي الصهيوني المتطرف، في أفكاره نحو الجدار الحديدي العازل أو التهجير القسري وغيرها.
هذا من ناحية الفكرة الأيدلوجية العامة للنص، أما عن بنية النص الأسلوبية فقد جاءت مُثقلة بدلالات الفكر الأيدلوجي المناهض لحركات التطرف، ومن هنا كان لا بدّ من تناقضات وثنائيات ضدية تصوّر تلك المناهضة، مثل:المقاوم/ المجرم، الخير / الشر، التهجير /البقاء الصامد، الاحتلال/المقاومة المشروعة، الانتصار المقاوم / الهزيمة والإخفاقات .
ويعدّ نص بكر سباتين كذلك أمثولة للتوثيق البحثي الإعلامي الحجاجي؛ من أجل كشف الحقيقة وجمع المعلومات الدقيقة، حيث ذكر كتابيّ: ( الشرق الأوسط الجديد ) لبيريز، وكتاب ( مكان تحت الشمس) لنتنياهو، وفي الإعلام نجده يذكر القناة ١٢ الإسرائيلية، وفي ذلك أسلوب توثيقي فضلا عن كونه أسلوبا حجاجيا بالحديث بلغة المحاجج معه.
ويستحضر سباتين بذكاء لغوي استشهادي مشاهد حية وواقعية مرادفة لأسلوب الحجاج اللغوي، ومن تلك المشاهد، مشهد إمارة الخليل التي كنا قد سمعنا بها، وهي التي كانت بقيادة الشيخ الجعبري. كما يذكر فكرة التهجير نحو مدينة رفح بجمل متلاحقة وغيرها من جمل استشهادية تعكس عمق الفكر السياسي الحجاجي لدى بكر سباتين. ويحاول كذلك أن ينقل لنا مشهدا حيّا من طاولات العمق الداخلي الإسرائيلي، وكأننا أمام شاشة بث مباشر لمعارضتين داخلية وخارجية، ومآزق متتابعة لاتنتهي أمام نتنياهو، حيث يأتي بجمل متلاحقة، تبين عمق الأزمات السياسية التي قد لا يذكرها الجانب الإسرائيلي.
ويبدو للقارئ مدى ترابط الأفكار الداخلية للمقال السباتيني وإرفاقها بالأدلة والبراهين، وذلك يصب في عمق الأسلوب الحجاجي؛ فبعد أن وضّح أفكار نتتنياهو وتطرفه المتشدد، وضّح الغاية الجغرافية السياسية أو الجيوسياسية وراء تلك الأعمال، فأتى على أمثلة حيّة وواقعية ومنها: مدينة نيوم، والممر الهندي الأوروبي التجاري، وآخرها إتفاقية أبراهام أو الإبراهيمية الجديدة، حيث بينّ أنّ غزة تقف في وجه طموحاتهم التوسعية.
ويمكننا أن نسمي نص سباتين، نصا جماهيريا خطابيا من خلال الجمل القوية والنبرة الواضحة، فهو مقال سياسي يخلو تقريبا من العواطف والصور الفنية الكبيرة، وذلك في سبيل استنهاض الحقيقة وفضح النوايا الصهيونية، وحتى عندما أراد استخدام الاستعارات، فقد استخدمها وفقا لثقافة الإجرام الصهيوني مثل : مصائد الموت، وهي تصوير للمصيدة الإنسانية في غزة لتقديم المساعدات الإنسانية بظاهرها بينما هي تقدم الموت المجاني للغزيين، وهذه المصائد تبنتها أمريكا بقيادة العميل ياسر أبو شباب. والاستعارة الثانية جاءت في قوله: السجن الوظيفي، وهي استعارة تفيد معنى التهجير الطوعي والقسري بسياج إسرائيلي لتحقيق وظيفة التهجير الحقيقي.
أما عن معجم سباتين فقد كان أحيانا حجاجيا مستدعيا ألفاظا توراتية من عمق التفكير الإسرائيلي، مثل: حجارة داود، عربات جدعون، والأسد الصاعد، وفي استحضارها تقزيم لقيمة تلك العمليات في مقابل المعجم الانتصاري للمقاومة.
وخلاصة القول فإنّ سباتين استخدم في مقاله سردا توثيقيا أيدلوجيا، اتضح فيه عمق الفهم السياسي وإدراج الأدلة والبراهين بأسلوب واضح، مستدعيا أفكار العدو وقنواته الإعلامية وكتبه، فهو يتكلم مع الآخر بلغة يفهمها. وأجمل مافي الأمر أن بكر سباتين لم يكن متخبطا في مقاله، بل تسلسل في أفكاره وربط بين العنوان والمضمون ولم يخرج عنه البتة. كما تبين أنه لم يكتف فقط بنقد سياسات التطرف الصهيوني، بل تعداها لنقد لسياسات فلسطينية عربية؛ فقد انتقد العمالة المتمثلة بعصابة ياسر أبو شباب، وانتقد سياسات المحاكم الدولية في غياب مفهوم العدل الحقيقي، وانتقد سياسات بعض الدول العربية في محاولاتها تقسيم فلسطين إلى إمارات متفرقة.
13/7/2025