دافوس والحداثة الغربية: التصفيق للقواعد وللقوة العارية معا!
غانية ملحيس
الملخص التنفيذي
ينطلق هذا المقال من لحظة رمزية مكثّفة: اعتراف رئيس الوزراء الكندي في منتدى دافوس بزيف ما سُمّي طويلا «النظام الدولي القائم على القواعد»، في القاعة ذاتها التي صُفّق فيها لخطاب دونالد ترامب الداعي إلى إحلال منطق القوة العارية محل أي التزام معياري.
لا يتعامل المقال مع هذا الاعتراف بوصفه اختراقا أخلاقيا، بل يضعه في سياقه البنيوي والسياسي، بوصفه تعبيرا عن أزمة عميقة في نظام بات واعيا بانكشافه، دون أن يكون مستعدا للتخلّي عن امتيازاته أو عن حقّه في الاستثناء.
يُجادل المقال بأن الاعتراف حين يصدر من قلب منتدى مغلق للنخب السياسية والمالية، لا يفتح التاريخ على التغيير. بل يعيد تنظيم شروط إدارة الأزمة. فالاعتراف الذي لا يقترن بمساءلة قانونية ولا بتكلفة سياسية، يتحول من مدخل للعدالة إلى أداة لإدارة اللاعدالة. من هنا، لا تُنزَع الأقنعة في دافوس لتُحاسَب القوة. بل لتُعاد صياغتها بقدر أقل من النفاق وأكثر من الصراحة.
يفكّك المقال مفهوم «الحداثة الغربية المادية العنصرية» بوصفه بنية تاريخية مهيمنة، لا كيانا ثقافيا متجانسا ولا مؤامرة فاعلين منفردين. هذه البنية تشكّلت عبر تلاقي الرأسمالية والاستعمار والدولة القومية وإنتاج المعرفة، وأنتجت تراتبية في تعريف الإنسان وقيمته، تعمل من خلال شبكة متصارعة من القوى وتحتوي تناقضات داخلية حقيقية. لذلك، لا يرى المقال في انتقائية القواعد خللا طارئا، بل آلية حكم: تُمنح الحقوق حين لا تهدد البنية، ويُعترف بالضحايا حين لا تُفتح ملفات المحاسبة والتعويض.
في هذا الإطار، تقرأ الظاهرة الترامبية لا بوصفها انحرافا شيطانيا أو قطيعة مع النظام الليبرالي، بل باعتبارها لحظة انكشاف تاريخي لعجز الهيمنة الناعمة عن الاستمرار.
بالاستناد إلى والرشتاين وغرامشي، يُبيّن المقال أننا نعيش مرحلة تفكك في قلب المركز، حيث تفقد القواعد قدرتها على ضبط التناقضات البنيوية للرأسمالية المعولمة، فيُستدعى منطق القوة الصريحة بوصفه بديلا اضطراريا عن الإجماع المتآكل.
ترامب، بهذا المعنى، لا يصنع الانهيار، بل يُفصح عنه، ويعلن علنا ما كانت المنظومة تمارسه ضمنيا: تعليق القواعد، توسيع الاستثناء، وتحويل القوة من وسيلة إلى مبدأ.
تبلغ المفارقة ذروتها في دافوس، بوصفه فضاء مكانيا واجتماعيا، حيث تلتقي السلطة والقوة والمال في أكثر صورها تركزا وانفصالا عن شروط الحياة البشرية. فالمكان ليس منصة حوار كونية، بل ناد مغلق تُدار فيه مصائر الشعوب كما تُدار تقلبات الأسواق.
وحين يُعترف بانتقائية النظام الدولي في هذا الفضاء، يصبح الاعتراف آلية تطمين للنخب: نقد بلا تفكيك، وأخلاق بلا كلفة، بينما تُترك الإبادة لتُدار في الأسفل.
يعزّز المقال هذا التفكيك بمعطيات اقتصادية صادمة، مستندا إلى تقرير حديث لأوكسفام صدر في 16/1/2026 تُظهر وصول تركّز الثروة والسلطة إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيا.
لا تُستَخدم هذه الأرقام لتوصيف تفاوت اقتصادي فحسب، بل لإظهار من يملك فعليا سلطة القرار في أسئلة الحياة والموت، ومن تُدار حياته بوصفها تكلفة جانبية في معادلات الربح والاستقرار. في هذا السياق، يصبح الحديث عن «إعادة ترتيب القواعد» انعكاسا لهيمنة طبقية عابرة للحدود، لا نقاشا أخلاقيا مجردا.
يضع المقال إبادة غزة في قلب هذا الانكشاف. فغزة ليست سببا وحيدا لأزمة النظام الدولي، ولا اختزالا لمساراته البنيوية، لكنها لحظة اختبار قصوى لادعاءاته القيمية. الإبادة المنقولة بالبث الحي أجبرت الخطاب الغربي على الاعتراف بما كان يُدار سابقا في الظل: الانتقائية الفجّة في تطبيق القواعد، والفجوة بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية. بهذا المعنى، تُضعف غزة احتكار الغرب للأخلاق، كما تُضعف تحولات النظام الدولي احتكاره للقوة.
لا تُقدّم غزة في المقال بوصفها رمزا أخلاقيا مجردا، بل كحقل اختبار عملي لانكشاف آليات الهيمنة، وحدود الخطاب الحقوقي حين يواجه القوة العارية. وهي، في الوقت ذاته، ليست مولدا تلقائيا لبديل حضاري مكتمل، بل عقدة انكشاف تتكثف عندها تناقضات النظام، وتصبح فيها كلفة تعليق القواعد أخلاقيا وسياسيا أعلى من السابق.
يؤكد المقال أن الانكشاف وحده لا يصنع التغيير. فالقطيعة الحقيقية لا تبدأ بالاعتراف بزيف السرديات، بل بنزع حقّ الاستثناء من بنية النظام الدولي، وتحويل القواعد من مجال التفاوض إلى مجال الإلزام المتساوي. ويقترح فهم «البديل» لا كنموذج مؤسسي جاهز، بل كمسار تاريخي تعددي، يبدأ بتقييد الاستثناء عبر آليات قانونية وحقوقية عابرة للدول، ويمرّ ببناء استقلالات نسبية في المعرفة والاقتصاد والسياسة، ويتجسّد في تعددية مؤسسية تكسر احتكار المنصّة دون استبداله بهيمنة جديدة.
في الخلاصة، لا يرى المقال في التصفيق المتزامن للاعتراف وللقوة مفارقة أخلاقية فحسب، بل انسجاما بنيويا في طريقة إدارة الانكشاف. وفي هذا المشهد، تقف غزة مرآة للنظام الدولي في لحظة عجزه عن التوفيق بين ادعاءاته وممارساته. ويبقى الامتحان مفتوحا: إما أن يتحول الاعتراف بزيف القواعد إلى استعداد لدفع كلفة الحقيقة، أو أن يظل وعيا مريحا يُدار في منتجع معزول، بينما تُدار الإبادة في الأسفل.
للمزيد اضغط على الرابط
غانية ملحيس – دافوس والحداثة الغربية: التصفيق للقواعد وللقوة العارية معاا | الأنطولوجيا
25/1/2026