خلية الدبوية!
أبو علاء منصور.
الكهف..
منذ عام 1975 والخطة الاستراتيجية للجنة التنظيم 77 تقوم على إنزال ثلاث دوريات إلى الأرض المحتلة، تتمركز إحداها في الشمال، والثانية في الوسط، والثالثة في الجنوب، وبهدف إنجاح هذه الخطة تعاونت اللجنة مع قائد قطاع الجولان عبد الإله أبي محسن الملقب “الحاج حسن” الذي كان هذا الحلم محور تفكيره. تعثّرت الخطة مرارًا، وكان آخر العثرات استشهاد أبي الراتب الذي كان من المُفترض أن يقود أولى هذه الدوريات. كانت اللجنة تسعى لإقامة ثلاث قواعد عسكرية تُعنى بتدريب مناضلي الداخل وتأهيلهم عسكريًا، ليصبحوا قادرين على مواجهة جنود الاحتلال بكفاءة. لم يكن الأمر سهلًا بالطبع، لكنّه حلم ظلّ يراود قادة لجنة 77. بناءً عليه تقرّر أن يقود عدنان جابر الدورية التي سُمّيت “دورية الدبويا”، تلك التي اكتسبت اسمها من عملية عسكرية قادها عدنان ضد البؤرة الاستيطانية المسماة “الدبويا” وسط مدينة الخليل.
بدا عدنان مهمومًا وهو يعبر زقاق بيته في “شارع لوبيا” بمخيم اليرموك: “من سيعتني بالمسكينة في غيابي؟ ربما تُصاب بجلطة قاتلة لو أبلغتها أنّني سأقود دورية عسكرية للداخل”. جفّ ريقه، كاد يتلعثم وهو يُفاتح زوجته نصف المشلولة بما ينويه وهما يحتسيان الشاي بعد الغداء: “حدثتك يا ابنة عمي عن حلم ذهابي بدورية إلى الأرض المحتلة، ها قد حان الوقت، لن تطول غيبتي إن شاء الله، أثق بصبرك، ولن يُقصّر رفاقي معك”. ردّت الزوجة بعيون ذابلة: “لم أكن لأتردد بموافقتك الرأي لو أن عندي ولد أو أهل. لو لم تكن صحتي كما ترى”. قالت ذلك وانهمرت دموعها، فاحتضنها متظاهرًا التماسك.
أمضى عدنان أيامه الأخيرة بجانب زوجته ثمّ تهرّب وزميله عزيز إلى الأردن. في عمّان استقبلهما قاسم الذي سبقهما إلى هناك قبل شهرين، زوّدهما بهويتين إسرائيليتين مزوّرتين، وبمئتين وأربعين دينارًا. أسبوع وحملهما فؤاد السروجي إلى “مزرعة الملاّحة” المحاذية للنهر. حلّ الليل فعبر بهما أبو سليم النهر غربًا، كان ذلك في الأول من حزيران/يونيو عام 1979.
أمضى الفدائيان يومًا غرب النهر، وبعد الغروب عبرا “خط الأثر” . عند الثانية بعد منتصف الليل كانا في بيت حسن عبد الفتاح اخميّس (أبي فيصل) في قرية مرج نعجة. أمّا عمر الحروب المُكلّف بنقلهما إلى الخليل، فكان قد غادر المكان بسبب تأخرهما عن الموعد، فوجوده المتأخر في منطقة حساسة يجلب الشبهة لسيارة ترخيصها صادر من بيت لحم. كيف سيتصرفان وقد كشف العدو عبورهما لخط الأثر؟!
“علينا أن نُسرع إلى قرية تياسير قبل أن يكشفنا الجيش”. هذا ما اقترحه عدنان.
انتشر جيش الاحتلال، وراحت طائرات هليوكابتر تجوب السماء. اختفيا في مغارة حتى حلّ ليل اليوم التالي. في الطريق صعودًا إلى القرية استضافتهما عجوز بدوية. انتفضت المرأة غاضبة حين ناولها عدنان عشرة دنانير بدل الطعام الذي قدمته لهما. “مالك يا رجل؟! هل جُننت؟!”.
على أطراف قرية تياسير التي وصلاها بعد صلاة العشاء، توقّف عدنان أمام منزل ابن عمه حسين ونادى بصوت خافت: “حسين”. أُضيء مصباح يدوي، ووجّه صوب المنادي فهمس عدنان: “أطفئ المصباح، أخفض صوتك، أنا عدنان ابن عمك جبر”. تلعثمت شقيقة حسين وقد صدمتها المفاجأة: “عدنان ابن عمي جبر!”.
أمضى الفدائيان ثلاثة وعشرين يومًا في جبال تياسير، ثمّ نقلهما عمر الحروب إلى الخليل. ظلّت الأمور طبيعية في مخبئهما الذي جهّزه لهما تيسير أبو سنينة حتى انزلقت قدم “عنزة” في باب مغارة تغمرها شجرة عنب. لن يخطر ببال الراعي أنّ تلك “الدالية” التي يعرفها منذ أعوام تحتضن قاعدة فدائيين. رفع الرجل حجرًا مُحاولًا تخليص عنزته من مأزقها ففوجئ بالمغارة! هبط باحثًا عن “أنتيكة” يُتاجر بها. بدل “الذهب” وجد نفسه في مواجهة اثنين من المُسلّحين: “بسم الله الرحمن الرحيم! أنا معي سكين، أنا معي شبرية….”. هذا ما راح يهذي به وقد تخيّل نفسه أمام جنِّيين. هدَّأ عدنان من روعه، وأوصاه بحفظ السرّ. لكنّ من أذهلته المفاجأة لم يتحمّل ثقلها. أخبر الراعي والده بما جرى، فهمس له الأب بلكنة خليلية مُحاولًا محو صورة الفدائيين من ذهنه: “ترُدّش يا بنيّي، يو! إنت مسدئ إنّ هدول فدائية! منين بدهم ييجو الفدائية لهون؟ هدول يهود يا عمي! عليّ الطلاء يهود. اليهود شياطين، هدول يهود زي ما بئلك، أبصر شو بعملوا هناك، تجيبش سيرة لحدى”. ردّ الولد مُرتبكًا: “بس بحكوا عربي زيّنا، معهم كلاشنات وقالوا إنّهم فدائية”. أجاب الأب بصرامة: “يعني اليهود بعرفوش يحكوا عربي! ما عندهمش كلاشنات!”. في الليلة التالية فوجئ الفدائيان بشخص يهمس من باب المغارة: “افتحوا. عليكم أمان الله، أنزل ولّا تطلعوا؟”. كرّر الرجل الهمس: “ابني حكى لي عنكم، ما تخافوش، جاي أخدمكم”. همس عدنان وقد تهيأ ورفيقه للمواجهة: “أدخل”.
بعد أعوام قال تيسير أبو سنينة، وقد استضافني على الغداء، وهو يحدّثني عن علاقته بلجنة 77: “في صيف عام 1973 أرسلني حمدي لأتدرب في قاعدة لحركة فتح قرب درعا. هناك سألني أحدهم: ’من أي بلد أنت؟ ما دراستك؟ لماذا التحقت بفتح؟ من جنّدك؟…’. قلتُ مستهجنًا الأسئلة: ’الآن عرفتُ ليش الشباب بينمسكوا على الجسر وهم راجعين للداخل! ليش الأسئلة اللي ما الهاش لزوم؟ لأي جهاز مخابرات معادٍ تجمع المعلومات؟’. ابتسم الرجل الذي عرفتُ لاحقًا أنّه الحج حسن قائد قطاع الجولان وقال: ’أنت فدائي’”.
عن مُلابسات استقباله “دورية الدبويا” قال تيسير: “رتّب لي حمدي لقاءً أمام دائرة البيطرة بمدينة الخليل مع جميل الذي عرفتُ في ما بعد أنّه عمر الحروب. كانت بيننا كلمة سرّ، وأنّ عليّ أن أحمل بيدي جلد ماعز، (جاعد)، وأن أكرّر الذهاب ثانية للموعد إن لم يحضر في اليوم الأول. انتظرتُ ولم يأتِ الرجل، ولأنّني معروف في المنطقة، كلما مرّ بي شخص سألني مُستغربًا: ’لماذا تحمل الجاعد؟’. للتخلّص من حرج السؤال قرّرتُ ترك الجاعد في البيت. في اليوم التالي راح شاب يحوم حولي، اقتربتُ منه وهمستُ بكلمة السر. ارتبك فقلتُ له: ’ما تقلقش الجاعد في البيت’”.
أضاف تيسير: “أمضى عدنان ورفيقه عامًا كاملًا في المغارة. طوال هذه المدة كنتُ مسؤولًا عن تدبر شؤونهما، وتلبية احتياجاتهما. كنتُ أحمل فضلاتهما وبولهما في أكياس نايلون، وأُلقي بها بعيدًا في حاويات قمامة قرب الحسبة. كنّا نأخذ بالاعتبار كل صغيرة وكبيرة، لا نترك شيئًا للمصادفات. كان الوضع شديد القسوة في الشتاء، ليس بسبب شدة البرد، فقد زوّدتهما بألبسة شتوية دافئة، بفراش وحرامات ثقيلة. كانت مشكلتي في صعوبة الوصول إلى المغارة؟ كيف أمضي إلى هناك دون أن أترك أثرًا؟ كنتُ أمشي فوق (السناسل) الحجرية والصخور. في إحدى الليالي جفلتُ حين سمعتُ حديثًا بجهاز لاسلكي وقد اقتربتُ من المغارة. ارتعبتُ وقد لمحتُ جنودًا خلف (سنسلة). تواريتُ متخيّلًا أنّهم كشفوا القاعدة. بدا لوني مخطوفًا وقد هبطتُ داخل المغارة بعد انسحابهم. لم يكن وجها عدنان ورفيقه أقل شحوبًا وهما يستفسران عن صوت اللاسلكي. ذهلا حين عرفا أنّ الجنود كانوا على بعد أمتار قليلة منهما”.
دخل محمد الشوبكي الذي شاركنا الغداء على خط الحديث: “طلب إليّ ابن عمي جمال الذي يدرس في جامعة بيروت العربية أن أسافر إلى لبنان، سافرتُ، وهناك التقيتُ حمدي الذي وجد فيّ مقاتلًا مميّزًا ولديّ سلاح. بالتنسيق بين تيسير وجمال رُبطتُ بالمجموعة المطاردة؛ دورية الدبويا. في أول مرّة دخلتُ فيها المغارة التي يتخفى فيها عدنان وعزيز، كدتُ أختنق من شدة الرطوبة. ما عاد ’بابور الكاز’ الذي يهدر طوال الوقت يكفي لإزالة الرطوبة، الأسوأ أنّه زاد المكان تلوثًا. شجعتهما على الخروج. حين شاهدا الشمس، تنفسا هواء صحيًا وتحرّكتْ عضلاتهما. أيام ونقلتهما إلى الجبل بالقرب من قرية إذنا. يبدو أنّ الفترة الطويلة التي قضياها في المغارة، تركت أثرًا نفسيًا سيئًا فيهما، ففي حين أنّهما جاءا إلى البلاد بهدف تشكيل نواة قيادية عسكرية، فقد وجدا نفسيهما عبئًا على من أتيا لتشغيلهم من أبناء التنظيم”.
أضاف الشوبكي: “طلب منّي عدنان تحديد هدف لتنفيذ عملية عسكرية. استطلعنا موقعًا في منطقة قرية بيت جبرين المحتلة منذ عام 1948. قال عدنان ونحن نناقش الأمر: ’بعد العملية يمكنك أنت مغادرة الموقع بأمان، أمّا أنا ورفيقي، بوضعنا الصحي الراهن، فلن نقوى على قطع مسافة طويلة وسط الوعر. أقترحُ أن نُفجّر عبوة في الموقع بدل مهاجمته’. هذا ما حصل بالفعل. شهران وأعدتُ عدنان وعزيز إلى مغارتهما في الخليل. في هذه الأثناء استقر الرأي على تنفيذ عملية في الموقع الاستيطاني (الدبويا) وسط المدينة. ليلة الثاني من أيار/مايو كمنتُ وعدنان وعزيز وتيسير على طريق النقطة الاستيطانية. في اللحظة التي تجمّع ما لا يقل عن مئة مستوطن أغلبيتهم مُسلّحين، فتحنا عليهم نيران رشاشاتنا. ودون أن تُطلَق صوبنا رصاصة واحدة، قتلنا سبعة وأصبنا ثمانية عشر بحسب اعتراف العدو. ردًا على العملية أبعدت سلطات الاحتلال رئيسيّ بلديتي الخليل وحلحول؛ فهد القواسمي ومحمد ملحم، وقاضي القضاة الشيخ رجب بيوض التميمي، ووضع مستوطنون قنابل في سيارات بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس وكريم خلف رئيس بلدية رام الله، فبُترت سيقانهما، أمّا حسّان الطويل رئيس بلدية البيرة فنجا. على إثر إخفاق أجهزة الأمن الإسرائيلية في اكتشاف المجموعة استقال وزير الدفاع الإسرائيلي عيزر فايتسمان من منصبه، وخلفه مردخاي تسيبوري”.
أضاف: “قبل اتصالي بحمدي كنتُ نفّذتُ عملية أسفرت عن مقتل البروفسور الإسرائيلي باراك وزوجته الصحافية. لم أكن أبغي قتلهما، كنتُ أقصد اختطافهما لمبادلتهما بأسرى فلسطينيين. حين التقطتْ لي المرأة صورة بكاميرتها، قرّرتُ إطلاق النار عليهما حماية لنفسي. اعتُقلتُ بعد العملية ولم أعترف، لكنّي أصبحتُ مشبوهًا عند المخابرات. حين اعتُقل عدنان وعزيز في أثناء محاولتهما عبور النهر شرقًا عائدَين إلى الخارج، قالا إنّهما تركا سلاحيهما عند شخص إصبع إحدى يديه مقطوعًا. بالطبع كنتُ أنا صاحب الإصبع المقطوع. في أثناء التحقيق معي قابلني رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي رفائيل إيتان، مردخاي تسيبوري، واثنان من ضباط الموساد هما أبو نهاد الذي ترأس لجنة التحقيق، وجادي. سألني الأخير: ’كم راتبك؟’. أجبتُ: ’ليس لي راتب’. ’ما رُتبتك؟’. قلت: ’مناضل’”.
في اللقاء ذاته قال تيسير مستعرضًا أحد المواقف: “مساء الثلاثين من كانون الثاني/يناير عام 1980، طقسٌ شتويٌ قارس وعتمة مطبقة، يومها كان موعدي مع عدنان وعزيز في منطقة وادي القف لنقلهما إلى الخليل. في تلك الليلة قُتل المستوطن سلّومة، فانتشر الجيش بكثافة. بدا وضعي مأساويًا وأنا أتحرّك في المنطقة دون ساتر يحميني. حمتني إرادة المولى. انتظرتُ حتى الفجر ولم يحضرا”.
ابتسم الشوبكي وأضاف عن واحدة من نوادر شقيق تيسير الملقّب بـ”عُزُّز”: “كان وسط المدينة القديمة في الخليل موحشًا يخلو من البشر حين خرج عُزُّز من الحرم الإبراهيمي بعد صلاة الظهر. سمع همسًا: ’لو أنّ القتيل يهودي لنقلوه بطائرة هليوكابتر، أما وأنّه عربي فقد تُرك ليموت!’. هبّ عُزُّز لإنقاذ المصاب. صاح تحت وقع الارتباك: ’هذا ابني عبد المعين’. انطلق بالجثة إلى المستشفى الأهلي، ثمّ فرّ بها إلى منزله حين طلب الأطباء تشريحها. تجمّع الناس لمواساة العائلة. قال الحاج محمود والد عُزُّز وقد لمح الرقم العسكري وفصيلة الدم معلقة برقبة القتيل: ’منين جبت لنا هالبلية يا عُزُّز؟ هذا مستوطن’. وقت قصير وطوّق جيش الاحتلال المنطقة، اقتادوا عُزُّز وابنه عبد المعين إلى السجن بتهمة اختطافهما الجثة، لمبادلتها بشقيقه تيسير الأسير في سجون الاحتلال. كانت هذه جثة المستوطن أهارون جروس”.
مع تحيات أبو علاء منصور
مقتطفات من كتاب رحلة لم تكتمل
2020-06-09