خلف الجدران (3):
الهجرة… نجاة أم خيانة؟
وفاء درباس
في المخيم، لا يكبر الإنسان بالعمر فقط، بل تكبر معه الخسارات.
يخسر اسمه أحيانا، أوراقه، مكانته، وطنا لم يولد فيه، ووطنا لا يغادره ولا يعترف به.
وفي منتصف كل هذا، يولد حلم ثقيل اسمه: الهجرة.
لكن، ليست الهجرة ترفا لأبناء المخيم.
هي ليست مشروعا مؤجلا، بل خيارا مرا حين تنعدم الخيارات.
حين لا نجد عملا، ولا نكمل تعليما، ولا نقدر حتى أن نحلم دون أن يقطع علينا الحلم بسؤال: طيب بعدين؟ لو درست، لو اشتغلت، لو تفوقت شو مستقبلك؟
آدم، 25 عاما، تخرج من كلية الهندسة، ظل يلاحق فرصة تناسب ما تعب لأجله، بين المنظمات، بين الدورات، بين الوعود والخذلان.
عمل في مهن لا تشبهه، حسن سيرته الذاتية عشرات المرات، حضر تدريبات، تطوع، انتظر.
وفي النهاية، حين شاخ الحلم، قرر أن يهاجر.
لم يحمل جوازا، بل جرحا. لم يعرف اللغة، بل عرف القهر.
قال:
أنا ما تركت أمي والمفتاح الصدئ اللي معلق بالغرفة لأني طماع تركت لأني تعبت من العيش كأني غير موجود.
في إحصائية نشرت عام 2023، ظهر أن أكثر من نصف الشباب الفلسطيني في لبنان يفكرون بالهجرة، وأن نسبة كبيرة منهم يرونها لا كفرصة، بل كوسيلة نجاة.
الهجرة لا تعني أنهم يكرهون بلادهم، بل لأن البلاد كثيرًا ما تجاهلتهم.
ومع ذلك، لا تزال الروح تقاوم.
داخل المخيم، أطلق مجموعة من الشبان مبادرة لدعم من يفكر بالهجرة بطريقة آمنة وقانونية، تقدم لهم إرشادا، دعمًا نفسيا، ومساعدة في تعلم اللغة.
قالت منى، إحدى المنسقات:
نحن لا نشجع على الهجرة، بل نحاول أن نحمي أحلام الناس من الموت وهم على الحدود أو في البحر.
الهجرة ليست نهاية، ولا بداية
هي تنفس في لحظة اختناق.
هي محاولة للعيش لا للهروب.
نحن لا نهاجر لننسى، بل لنعيش. نحمل المخيم في لهجتنا، في وجوهنا، في نبرة الحنين، ونمضي.
خلف الجدران، لا يسكن فقط من قرر البقاء، بل أيضًا من اضطرّ للرحيل.
الشتات ليس خيانة، بل نتيجة خذلان طويل.
وما نحتاجه، ليس فقط أن يسمح لنا بالبقاء، بل أن يفتح لنا الباب للحياة.
نريد أن يعامل أبناؤنا كمواطنين لا كأرقام.
أن تفتح أمامهم أبواب التعليم والعمل والكرامة.
أن يستطيع شاب أن يكتب اسمه على وطن لا على تذكرة سفر بلا عودة
2025-08-08