يتنامى شعورنا بكراهية الآخر عبر خطاب وسلوك وممارسة ناتج عن تربية قطبي الأسرة وهما (الآب والأم) مع علوية الأم التي ترفع أو تخفض خزين عدائية منسوب الكراهية في هذا الخطاب. وهذا يعني بأن الكراهية التي يتبناها الأفراد، وينطلقون بها نحو المجتمع والنظام السياسي تبدأ من الأسرة..
بوصف الأسرة البذرة الأولى، التي يُزرع عن طريقها هذا الخطاب، الذي يُسوق بكل أسف مذهبياً وقومياً وأيديولوجياً وعرقياً… في المجتمعات المتميزة بالتنوع.
لذا نحاول تحديد دوافع ومحركات خطاب الكراهية، بداية ثمة دوافع ومصالح داخلية وأخرى خارجية. أولاً الداخلية: لما كان (خطاب الكراهية) مستوطناً في الذات الجماعية فهو بحاجة لشخص مؤثر يستغل ثقة جمهوره، ويوظفها لصالح أهدافه، عبر تأجيج الكراهية، وأحياناً تفعيلها نحو العدائية العنفية لذلك غالباً ما يقع في فخ هذا الخطاب الناس البسطاء، فيتكؤون على شخص يتسلح بالحكمة وأحياناً بالقداسة المدعومة بالغايات النبيلة، والوعود الوردية سواءً دينية كانت أو أيديولوجية بينما واقع الحال يشير إلى استغلالهم كسلاح لضرب المختلف الآخر، وفي العراق الزاخر بتنوعه الديني والطائفي والقومي، تمكن الإرهاب من نشر خطاب الكراهية الذي تحول إلى أبشع حالات العنف في العراق إذ إشعال نار الفتنة الطائفية بوقود خطاب التحريض عبر نبش التاريخ والبحث في التراث عن روايات تغذي التوحش .
فضلاً عن صراع حزبي يستثمر خطاب الكراهية لإستغفال الجمهور وتوفير شعارات تدغدغ مشاعره،وتوجهات من أجل الاستحواذ على المغانم عن طريق من لايمتلكون القدر الكافي لفهم مجريا الامور حيث تبدأ العملية من هنا، فيشرع السياسي في بث لغة العنف، وتدمير منظومة القيم والأخلاق وتجريف الروابط والعلاقات الاجتماعية للجماعات والأقليات التي عاشت متآخية لمئات السنين فتعمد إلى شحنهم وتعبئتهم بقناعات وأفكار سوداوية حتى يصلون إلى حالة من التشبع بها، فتسود الثقافة العنصرية والتمايز الطبقي والمناطقي بين ابناء الشعب الواحد، وفقدان الثقة حتى الوصول لمرحلة التناحر وصولاً لمرحلة إلغاء الآخر وقتله. إما بشأن البعد الخارجي: فتعمل المؤثرات الخارجية على تعزيز خطاب الكراهية لتحقيق مصالحها الخاصة التي تكمن بهذا الخطاب، عندما تعد نفسها الوصي والحامي للأقليات أو ما يسمى بالمكونات، كما تعمل على دعم المؤسسات الإعلامية والثقافية على تعزيز هذا
فتعمل المؤثرات الخارجية على تعزيز خطاب الكراهية لتحقيق مصالحها الخاصة التي تكمن بهذا الخطاب، عندما تعد نفسها الوصي والحامي للأقليات أو ما يسمى بالمكونات، كما تعمل على دعم المؤسسات الإعلامية والثقافية على تعزيز هذا الخطاب وفرضه كواقع حال على المجتمع، والشواهد بهذا الخصوص كثيرة لا مجال لذكرها هنا…
السؤال الكبير كيف يمكن لنا معالجة خطاب الكراهية والتصدي له انطلاقاً من قاعدة التسليم بأن لكل داءٍ دواء؟ وللإجابة، يمكن الرد عن طريق خطاب التعايش السلمي، والتوعية الجدية بمدى خطورة هذا الخطاب الذي لا ينتج عنه سوى الخراب والدمار والتهلكة، وتمزيق النسيج الاجتماعي فضلاً عن تداعياته. أذن هناك ضرورة للتوعية بأهمية احترام الحريات، وتقبل المختلف الموجود سواءً بذات الرقعة الجغرافية، أو خارجها والتعايش معه، فماذا لو كانت المدارس والجامعات سباقة بتعزيز خطابات التعايش السلمي، ونبذ خطاب الكراهية؟ واتخاذ مواقف صارمة تجاه من يحاول توظيف هذه التوجهات نحو مكاسب أيديولوجية عبر التثقيف بمتبنياته الحزبية، كون ذلك يعد مخالفاً لعمل المؤسسات التعليمية. ونرى من الضروري تغيير المناهج من الروضة إلى الجامعة، بما يؤكد الانتماء لحضارة بلاد النهرين من السومرية والأكادية والبابلية والأشورية…إذ إن تنمية هذا الشعور يجعل من الطالب لا ينظر للآخرين كمختلفين.
نؤكد مرة أخرى على ضرورة تدخل المؤسسات التعليمية لكونها تضم أهم وأخطر الفئات العمرية التي تفتقر للتجربة والخبرة الحياتية، فإن سلوكها يكون انعكاس لما تتغذى به من أفكار وتقع على عاتق الأستاذ أو المعلم مسؤولية التثقيف بمراعاة التنوع والاختلاف واحترام الآخر، وتوفير قناعات للمتلقي من الطلبة بأن التنوع والتعدد هو مصدر قوة للمجتمع، وليس مصدر قلق وكراهية ومساحات للنزاع أو ساحات للتناحر، ولا يقف التنوع عقبة في تقدم الأوطان وازدهارها، ومن الأهمية بمكان الاهتمام بفئة الأطفال، حيث من البيت قبل اختلاط الطفل بالعالم الخارجي يُربى على احترام الآخر، وألا يفرق بين الناس بوساطة الشكل أو اللون أو العرق أو الطائفة أو الدين أو الجنس…
إضافة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة عن طريق تنفيذ عقوبات صارمة بحق الإعلام الأصفر، ونُشطاء مواقع التواصل الاجتماعي
الذين ينشرون لغة الكراهية. وعلى الرغم من المواقف والقوانين التي تفرضها الدولة إلا أننا نلاحظ الانتشار الواسع والسريع لخطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي.
إضافة لذلك ضرورة تعزيز دور منظمات المجتمع المدني بإشاعة ثقافة التسامح والتراحم والتعايش بين أفراد المجتمع، ودعم دور منظمات المجتمع المدني النسوية التي تصنف نفسها المدافعة عن حقوق المرأة، وشروعها عبر إعداد ورش عمل في المناطق التي يتصاعد بها هذا الخطاب، تتناول هذه الورش كيفية نبذ المرأة المربية لخطاب الكراهية.
إن اردنا نبذ الكراهية (فعلياً) علينا جميعاً أن نَعي مسؤولياتنا في مكافحة هذ الخطاب، وأن لا نَستهين بمدى خطورته، إذ إنه مصدر قلق وخطر على الحياة وبناء الإنسان والحضارة.
ويقول الفيلسوف الهندي أوشو : السيطرة على الآخرين دليل كراهية وغضب وعدائية!