خزي الكتابة…!

الراحل أحمد حسين
حاولت أياما تجنب خزي الكتابة الذي اعتدنا عليه ،ولكنني في النهاية فشلت . ولا أقصد الكتابة عن غزة ( فلسطين اليوم ) فهي التي تكتب لنا عن نفسها الآن ، وما تزال تأمل بوجود من يفهم أو من يستحي على الأقل . كما لا أقصد الكتابة عن ” النوايا !!! ” الإسرائيلية أو الدولية أو العربية تجاه الفلسطينيين ، فهذا أصبح أمرا مخلا بالشرف ، بعد أن كتبت هذه النوايا بدم الأطفال . لا يوجد شيء يوازي في وضوحه دم الأطفال . علينا إذن احترام الوضوح ولو مرة واحدة في حياتنا . لذلك سأكتب مداخلة لا أدري إذا كان يجب كتابتها . ولكنني أريد أن أكتب لنفسي .
حينما يكون الوضوح هو سيد المواقف جميعا ، يجب الإمتناع موضوعيا عن الشرح , إذ ليس له مبرر في مثل هذه الحالة سوى سماجة العقل البحثي العاطل عن العمل ، ومحاولته التسلل إلى وضعية غموض مجاني ، تعيد إلى العقل السمج اعتباره ، وحقه في الكلام . ليس بإمكان الإنسان الفعلى الإمتثال لنظام تغريري مفروض عليه يغاير قانونه الحيوي الواقعي إلا إذا استطاع أن يقيم تلاعبه الخاص داخل هذه العلاقة المستحيلة عمليا ويتحول إلى نموذج ثقافي ملفق وعقيم ومثير للإستغراب . هكذا نحن منذ قرون مديدة . أرسى الفقهاء لدينا بمختلف تدرجاتهم قواعد مشروع التلاعب ،على تكثيف المعارف الفقهية البسيطة مثل الزنا ونواقض الوضوء ، ليزجوها في الغموض ، وتصبح بحاجة إلى الشرح ، ويصبح الناس بحاجة إلى خدماتهم التوضيحية باستمرار . وتبنى عقلنا الخاص والمشترك هذه اللعبة إلى أن أصبحت ميزة بنيوية لدى الهجري ، حتى ولو كان عالم ذرة أو قوادا سياسيا .
طبقنا هذا على القضية الفلسطينية منذ بدايات الصهيونية الأولى إلى مذبحة غزة الحالية . أستطاع مشروعنا في الغموض أن يفسر لنا كل شيء حدث اليوم . ولكن الغموض يعود في اليوم التالي ، لأن مشروع التاريخ كان يفعل شيئا آخر إلى جانبنا . صحيح أن الوطن ضاع ودماءنا أصبحت سلعة قومية في سوق التداول مثل النفط ، ولكن لا أحد يستطيع أن يقول أن الغموض لم يسهم في صمودنا امام هذه النكبات . ولولا التواجد على شرح الغامض لما استطعنا أن نصمد في التواجد على المذبحة ستين عاما . لذلك لولاه أيضا لما كان بوسعنا أن نصمد أمام جريمة تصدح كالكروان في غزة ،مثل جريمة شرف العائلة . فلولا تكثيف دوافع العدو الصهيوني وطرحها للتفكيك المتأني الذي يعطي للدم بعده الإستراتيجي اللازم , لما كان لدينا ما نفعله ؟ هل كنا لولا نعمة الغموض ، سنخرج للتظاهر وندعو للوحدة الوطنية بين فتح وحماس وحل الإشكال السطحي بينهما , لحرمان العدو الصهيوني من الذرائع التي يتسلح بها لذبح الغزيين عموما ؟ لاحظوا أن الغموض يزداد كثافة هنا ، فالعقل العادي لولا الشرح سيظل يعتقد أنه لا حاجة إلى الذرائع لذبح الأطفال ، لآنه لا يوجد ذرائع كهذه في المعقول البشري . وقد ظل العقل العادي عاجزا عن الفهم إلى أن ذكره بعض شراح الغموض أن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون .
والنظام العربي عاجز . لذلك يبصقون في وجهه بسبب هذا العجز . ومرة أخرى يجب الشرح لوقف العقل العادي عند حده . ولكن العقل العادي يصر هذه المرة ليس على مخالفة الشرح ، بل على نسف المقولة من أساسها . العاجز هو من لا يستطيع أن يفعل ما يريد أو يرغم على فعل ما لا يريد . فهل ما يجري يخالف إرادة النظام العربي أو مصلحته ليتهم بفضيلة العجز ؟ ألا يمكن القول أنه يختبيء وراء مقولة العجز من مقولة الخيانة والشراكة في المذبحة ؟ ألم يقل وزير خارجية قطر على مشارف حرب العراق ، وهوعائد من أمريكا ، ” لا نستطيع أن نفعل شيئا سوى التوسل لآمريكا ” ؟ هذا التفاخر بالعجز ليس منطقيا بالنسبة لدولة ، أو حتى لعاهرة . كان بإمكانها أن تكون دولة عاجزة أو عاهرة بدون الإعلان عن ذلك . ولكن الوزير أراد أن يقول لا يحق لكم أن تحاكمونا على العجز . ولماذا يكرر الرئيس مبارك ذات الكلام اليوم ؟ ولماذا يقف هيكل ليذكر أن لدى إسرائيل مائتي رأس نووي ؟ على الأغلب أن حماس لا تملك رؤوسا نووية ، ولكن إذا كان الخيار الوحيد المطروح هو الموت مقابل تجريد الإنسان من حقه في أن يكون إنسانا ، فإن كثيرا من الناس يختارون الموت مقابل أشياء أقل من حرمانهم من المساواة داخل العرف البشري واعتبارهم جنسا ثالثا . من الواضح أن هذا الكلام عاطفي ومتطرف ، لذلك كان الشرح مقتضبا أيضا هذه المرة : حسنا ! تحملوا إذن ثمن بطولاتكم وموتوا ساكتين . ، نحن عاجزون عن حماية من يريد الموت . هكذا قال الرئيس مبارك .
يبدو أنه لا فائدة . لم أسمع أو أقرأ أن حاكما تغلب على شعبه في أية مواجهة . وما دام هذا الحاكم قائما على كرسيه رغما عن شعبه فإن العاجز هو الشعب . هناك صفقة بيننا وبين النظام عقدتها ثقافة التكثيف المشتركة . النظام عاجز وليس خائنا ، والشعب عاجز امام النظام العاجز وليس مقصرا ، وهذا ليس عيبا بعد شرحه . العجز العربي سببه هو العجز العربي ! هناك إجماع حول هذا الأمر ، لذلك علينا أن نتجنب خزي الكتابة ، ونموت ساكتين .
أعرف أنني لم أقل شيئا له قيمة . فقط أردت تكثيف الوضوح .
نجحنا في إقامة مشروع حيوي خاص بنا ، نمارس كل شيء داخله ولكن بطريقة ملتوية وثقافتنا الإسلامية تجميعية نقلية واتباعية ضحت بسياق الأصالة الثقافية والعقلية والمعرفية ، لصالح البرنامج الحزبي للمشروع السياسي لفصيل التهويد اليثربي . لم يكن لدينا أية فرصة للإبداع لآن الحرية العقلية معدومة وكل الأجوبة على أسئلة الوجود مكتوبة في الكراريس الحزبية التي حملناها معنا عبر العصور نفسر العالم على أساسها بدون أي خوف من الخطا . وكانت الإضافة إلى محتويات الكراريس غير واردة أبدا ، ولكن مع ذلك فقد كان علينا أن نفكر رغم كل شيء وان يؤدي العقل حركته الحيوية اللاإرادية على وجه من الوجوه . ونكتب ولكن بعقل خاص من خلال صفقة مع الوعي مغلقة على حدود آمنة . أي نكتب بدون أن يكون لدينا ما نضيفه لآن الإضافة إلى ما هو في الكراريس غير وارد أبدا . فاهتدينا إلى لعبة الغموض المجاني أي إلى تكثيف النصوص الواضحة لإضافة الغموض إليها لنجد ما نكتبه . أصبحنا كالفقهاء سواء بسواء نعمل على تكثيف المعارف الفقهية البسيطة ، مثل نواقض الوضوء ، أو الزنا ، ونزجها في الغموض اللاهوتي ، لتصبح بحاجة إلى الشرح ، ويصبح الناس بحاجة إلى خدماتنا التوضيحية . هذا هو لب ثقافة الوجود المجاني للمثقف أو المفكر العربي ، في عقل مجتمعه الذي هو بدوره وبالتماثل مع الفقهاء بحاجة دائمة لمتابعة التعقيدات والحصول على نشوة المعرفة الجديدة وملء فراغات السمر الإخواني بالدهشة . هكذا أصبحت مذبحة غزة التي تصدح في الوضوح كالكروان ، مثل جريمة شرف العائلة ، جريمة بحاجة إلى تكثيف بحثي ومعرفي لإزالة آثار الوضوح عنها ، وزجها في سياق تكثيف مفتعل يمدها بالغموض ، وبالمعضلات البحثية لنتمكن من الكتابة وإشباع نزعة التواجد على فقه الحركة وليس على الحركة ذاتها .
لقد كان العجز يمثل سحنة الوجود العربي لقرون طويلة . وهو عجز بنيوي متجدد تعيد البنية إنتاجه بوصفه نمطا من التلاعب أيضا تحول إلى عادية وجود . متوارث الحركة مثل آخر مقاسات العجز العربي ، واكتشاف علاقة المذبحة بالإنتخابات الإسرائيلية ، وحاجة الفلسطينيين الملحة إلى الوحدة الوطنية لقلب موازين التبرير داخل تلك المذبحة . هذه المعضلات بالإضافة إلى غيرها ، هي معضلات يفترض أن تفكيك بناها الإشكالية المكثفة هو الذي سيوضح إشكالية علاقة اسرائيل بمعضلة الدم الفلسطيني ويحقق الحسم المصيري بهذا الشأن المعقد . وفي الحقيقة ، أن هذه المعضلات من الناحية البنيوية ، هي مجرد صفقات تهدئة بين المفكر العربي والواقع الشديد المرارة ، الذي جرده الوضوح من أية إغراءات بحثية . وهذا ابتكار عربي قديم . فالعجز هو سحنة الوجود العربي منذ قرون طويلة . ولو كان المفكر العربي يلاحق أسباب هذا العجز ، وليس العجز نفسه ، لكان هذا العجز العربي الآن في وضع صعب . ولكن ملاحقة الأسباب تصرف غير آمن يوقع في المهالك ، وتجنبه فطنة ، ولعن العجز المطلق أسلم من تحري أسبابه .
هناك إجماع شبه تام بين أولئك المفكرين ، حول أن سبب العجز العربي هو العجز العربي . وهذا تكثيف بحثي يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف أن العرب هم ” ظاهرة صوتية ” ، ولكن دون معرفة السبب . هذا السلوك الفكري الآمن ، حول كون النظام العربي عاجزا ينطلق في سلوكه من واقع عجزه ، تماما مثل الشعوب العربية سواء بسواء ، هو أساس التعايش الحالي بين هؤلاء المفكرين والشعوب العربية من ناحية والنظام العربي من ناحية أخرى . فمقولة العجز المجهول الهوية ، تبريء كل مظاهر العجز العربي وتوحدها تحت مقولة : الفاعل مجهول . بعد هذا الإجماع ، يصبح العجز ثروة قومية موحدة يستفيد منها الشعب والنظام ، فالشعب يختبيء وراءه من هراوات الشرطة ، والنظام يجلس تحت ظله الوارف ويجعل منه غرفة عمليات ميدانية ، يواصل منها إدارة مؤامراته غير العاجزة ضد رعاياه . يصبح هذا العجز الأسطوري ثورا خرافيا يجر عربة التبرير من ناحية وعربة الخيانة من ناحية أخرى . فالنظام العربي ليس عاجزا . وهو كنظام هيمنة وتحكم أكثر رسوخا وقدرة على القمع من أي نظام آخر . أما علاقته بقوى الهيمنة الخارجية فهي لا تنبع من منطلق شعوره بالعجز وإنما من منطلق وعيه بالمصلحة الذاتية . فهو يدرك أن نظاما في مثل عفويته السهلة والبدائية لا يمكن أن يراهن على التغيير . أي أن أكبر عدو موضوعي مفترض له هو شعبه من هذه الناحية . إذن فالخيار واضح . عليه أن يضحي بمصلحته أو بمصالح شعبه في إشكال البقاء . والخيار واضح أمامه . فهو كائن معولم بالتوظيف داخل سياق الهيمنة الشامل ، ومصلحته هناك . فهو إذن لا يمكن أن يخون مصلحة انتمائه العضوي ، الذي يتناقض مع مصلحة انتمائه الشكلي ، أما قضية كونه عاجزا عن مواجهة الهيمنة الخارجية فقد أصبحت فريته المفضلة في تجنيب شعبه الويلات ، خاصة وأنه ليس صاحب الفكرة الأساسي وإنما صاحبها بالتنبي فقط . فهي طرح لشجرة العقل المعرفي العربي الموحد يقتسم خيراتها مع شعبه . وكلنا يتذكر وزير خارجية قطر ، عراب حضارة السيلية والتطبيع والشرق أوسطية ، يوم وقف يقول بذل الجارية ” لا نستطيع أكثر من التوسل لأمريكا ” . لقد كان هذا التبرير كافيا لشرح معاناته وحسن نواياه تجاه العراق ، وافتراض أنه كان في أمريكا ليتوسل لإنقاذ العراق . تحت هذا الظل الوارف من العجز جلس النظام العربي منذ البداية ، ويجلس الآن متلفعا بالشلل التام كذريعة هيأتها الأقدار ، لاستبدال تهمة الخيانة بجنحة العجز . أي أن نعمة ألعجز الذي ليس له حدود ولو افتراضية ، والتي أسبغها عليه عليه المفكرون العرب ، وحناجر ملايين المتظاهرين في الوطن العربي ، هي الكبش الذي نزل عليه من سماء الزجل المعرفي العربي لافتدائه . لهذا السبب وحده يسمح النظام للعجز الشعبي المقيم ليعبر عن ألمه الأعمى وغضبه بمهاجمة العجز العربي ، فاتحا الطريق أمام حيثيات براءة النظام العربي من التآمر من ناحية ، ومانحا الجماهير ، ممثلة العجز الحقيقية ، فرصتها التظاهرية ، للتملص من مواجهة النظام من ناحية ، ومداراة عجزها هي بالهتافات الجريئة . إن مخبري النظام العربي هم الذين يقفون اليوم وراء براءة التظاهرات المليونية الزجالة التي تشبه المآتم . إنها على خطورتها الميدانية أفضل من وعي الحقيقة ، كما يمكن استغلالها في توجيه دفة السياق نحو الهدف المطلوب .
وأبرع ما تمخضت عنه إبداعات الفكر العربي هو اكتشاف العلاقة المريبة بين ما يحدث في غزة والإنتخابات الإسرائيلية . لو فكر الإسرائيليون بهذه الطريقة العربية المتعمقة والذاتية في الأداء لسقطت عنا تهمة التخلف والعجز . بعد ستين عاما في لهيب التجربة وعدم الفهم نكتشف أن نظاما تتحكم به دسائس القصور ، هو الذي يتحكم في قلب المفاهيم التاريخية في هذا العالم . وليس هذا غريبا على عقل يتحدث عن أهداف إسرائيلية في غزة , تقف عند حدود الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل .
لم يعد هناك قمصان أو أحذية غير معولمة في الأسواق . فكيف يكون هناك صراعات غير معولمة في أي بقعة في العالم ، خاصة في صراع له فرادة تاريخية استراتيجية ينفق عليها الغرب من ماله وقوته وشرفه الإنساني ، وينفق عليه النظام العربي من عائداته النفطية ، ويشارك قادته في مسرحية دموية يلعبون فيها علنا دور القرود والفاجرات . غزة هي بداية الطريق إلى بغداد مرورا ببيروت ودمشق وطهران . هذه المعركة الدائرة كما تفصح عنها مقدماتها الدولية هي حرب الغرب الفاصلة في الشرق الأوسط لن تنتهي إلا بالفشل أو الإستيلاء على حركة التاريخ في هذه المنطقة . إنها المعركة التي بدأها بوش ليصل عبر العراق إلى إسرائيل ، يعيدها الآن من أسرائيل إلى العراق تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية الأمريكية التي أسفرت عن انتخاب مهرج اسمه أوباما لا تتعدى مهمته التنسيق داخل هذه الحكومة .
لا أحد يستطيع أن يجزم بنتائج هذه المعركة التي يمثل فيها الإنسان العربي العاجز الوحيد . يده مغلولة ذاتيا إلى عنقه لأنه ضحية عبثية لعجزه المتوهم ووعيه المتلقي . فهو يتعامل مع أخطر بنود المؤامرة على الإطلاق وهو الوحدة الوطنية وكأنه سفينة النجاة . إنه لا يسأل نفسه سبب استكلاب جميع الأطراف على وحدة فتح وحماس ” الوطنية ” ؟ هل هناك أحد في صفه على الساحة المحلية أو الدولية ؟ فلماذا هذا الإستكلاب الجماعي إذن على تلك الوحدة سوى لأنها يجب أن تتضمن فصله عن خيار المقاومة وبالتالي فصله عن دول حزام الصد الإقليمي لمشروع التصفية الشرق أوسطي ؟ ألوحدة الوطنية هي إجماع وطني على ميثاق شعبي فلسطيني ، وليس وحدة حول صيغة وسط للخيانة مع فتح وفصائل التسوية . الوحدة الوطنية الآن هي صمام الأمان من الفشل لجميع أطراف المؤامرة في حالة سقوط مشروع المذبحة . ما لم تستطعه المذبحة ستحقق السياسة ولو جزءا منه لتظل هناك جولات قادمة لخيار التصفية . هي صمام الأمان لعدم السقوط النهائي للأوسلوية ، وخروج زمام المبادرة العسكرية بشكل نهائي من يد الجيش الإسرائيلي . وهي أيضا صمام الأمان لموقف الإعتدال العربي الذي سيعود على شكل أنظمة معدلة وطنيا تمتص وعي دورها الخياني لصالح دور التصالح مع شعوبها .
ألعاجز الوحيد هو الإنسان العربي الذي لا يفهم الدور القطري الإفتتاحي للمذبحة منذ بدايته الشهمة وحتى ظهور الشيخ القطري على شاشة التوجيه في قناة الجزيرة في مهمته الإنقاذية بعد أن أفشل الغزيون مرحلة الغزو الأولى . هذا الإنسان المفكر الطيب القلب لا يدرك أن عراب المذبحة المحلي إعلاميا هو قطر وقناة الجزيرة في ثوبها القومي الجديد ، وأن دورها تحريك الوعي وتوجيهه ضمن حالة من الضبط والسيطرة تمتص مخاطره الميدانية أثناء التنفيذ . يظن أن هذه الدولة التي تتبع مباشرة للمخابرات المركزية يمكن أن يكون لها ضمير أو عقل سياسي مستقل .
بل إن هذا الإنسان الطيب العقل ، إلى درجة الحزن ، مؤهل أن يثق بأردوغان من داخل المذبحة نفسها . لقد حولت إليه حماس كل شيكات الصمود الغزي ليحرس مصالحها في مجلس الأمن من عباس . هذه علامة سيئة جدا على تبني حماس للتكتيكات السياسية ، لأنها تفتح الباب الذي أغلقته دماء الغزيين مرة أخرى . باب الوساطات المفخخة التي ستعطي لحماس مكاسب محققة للسقوط .
وإذا كانت حماس تظن أن الغزيين يحاربون دفاعا عنها ، فهي متخلفة بحثيا أكثر من المفكرين العرب . يمكن ان تستغل رصيدها الديني لدخول الجنة ، أما أن تظن أنها تملك رصيدا أرضيا غير رصيد خيار المقاومة فسيكون هذا غلطة العمر بالنسبة لها .
انها معركة بدون غبار . كل مجرياتها واضحة . حتى الأقنعة فيها لا تفيد شيئا . فمنذ سنة 48 تتكرر نفس المسرحية مع سيناريو مختلف شكليا فقط . أماالمضمون فلم يتغير أبدا . مذبحة تدور في زقاق لم تعد العتمة قادرة على إخفاء شيء من ملامحه لكثرة ما تكرر السياق .
2023-10-12