خريطة الشرق الأوسط الجديد وعلاقتها بخطة ينون!
رنا علوان
بادئ ذي بدء ، تعريف خطة ينون (Yinon Plan) هي مقال نُشر في فبراير 1982 في المجلة العبرية كيفونيم بعنوان «إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات»
كتب المقال عوديد ينون ، المشهور كمستشار سابق لأرييل شارون ، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية وصحفي في جيروزاليم بوست أيضًا
يُستشهد به كمثال مُبكّر لوصف المشاريع السياسية في الشرق الأوسط بمنطق [الانقسامات الطائفية] وقد لعب دورًا كبيرًا في كل من تحليلات “حل النزاعات” من قبل الباحثين الذين يعتبرونه كدليل أثّر في صياغة السياسات التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية في عهد جورج دبليو بوش ، والتي بموجبها توّقع المقال أو ما تضمنه من خطط لأحداث سياسية كبرى في الشرق الأوسط منذ الثمانينيات ، بما في ذلك غزو العراق عام 2003 والإطاحة بصدام حسين ، والحـرب الأهلية السورية وصعود داعــش
في Yinon Plan اعتقد ينون أن اتفاقات كامب ديفيد 1978 ، [اتفاقية السلام التي وقعها مناحم بيجن وأنور السادات] ، كانت خاطئة ، فقد كان أحد أهداف العدو الإسرائيلي في الثمانينيات ، كما زعم ينون ، تقطيع أوصال مصر ، الدولة التي وصفها بأنها «جثة» ، من أجل إعادة الوضع السابق ، عندما كان العدو الإسرائيلي يسيطر على شبه جزيرة سيناء
وعلّق ينون التوقعات على إعادة الغزو الإسرائيلي السريع لسيناء بسبب تمزق مستقبلي من قبل مصر لشروط السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة ، وهو الأمر الذي لم يحدث في عهد حسني مبارك
ما يجب معرفته في سياق الاسترسال ، بأن مقال ينون تم تبنيه من قبل أعضاء معهد الاستراتيجيات الصهيـونية في الإدارة الأمريكية حتى تم تناوله بشكل مفترض كوسيلة لتعزيز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ، وكذلك تحقيق الحلم اليهودي بدولة “من جدول مصر إلى نهر الفرات”، وتشمل غالبية الشرق الأوسط ، كما هو مكتوب في الكتاب المُقدّس العبري
ناهيك عن ان مجلة «كيفونيم» كانت مُكرّسة لدراسة اليهودية والصهيونية ، وقد ظهرت بين عامي 1978 و 1987 ، ونشرها قسم الإعلام في المنظمة الصهيونية العالمية في القدس
بالطبع كان للأردن والضفة الغربية حضور مُهم في Yinon Plan ففي روايته للسياسة الخارجية الروسية والعرب، يضع يفكيني بريماكوف ورقة ينون في سياقها من حيث مضمون ما قاله سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة ، [جورج بال] ، في شهادته في أغسطس أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أشار بال الذي كان يناقش الغزو الإسرائيلي الثاني للبنان إلى المحادثات مع أرئيل شارون ، والتي ورد فيها أن شارون ذكر أن استراتيجيته طويلة المدى تتمثل في “إخراج الفلسطينيين من الضفة الغربية… والسماح فقط بما يكفي منهم للبقاء للعمل “
اقترحت خطة ينون أن سياسة العدو الإسرائيلي ، في كل من الحرب والسلام ، يجب أن تصبو الى هدف واحد هو “تصفية الأردن” كما تحكمها المملكة الهاشمية ، إلى جانب زيادة الهجرة الفلسطينية من الضفة الغربية إلى شرق الأردن ، وان تفكّك الأردن ، كما اعتقد ينون ، سيضع حدًا لمشكلة وجود تجمعات كثيفة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية التي احتلها العدو الإسرائيلي في حرب الأيام الستة عام 1967 ، مما يتيح لهم بالانتقال إلى أراضي تلك المملكة السابقة
أما لبنان ، فقد غذّت ورقة ينون نظرية مؤامرة لبنانية قديمة ضد وحدة أراضيها تعود إلى عام 1943 ، والتي بموجبها كان من المقرر أن يتم تجميع البلاد على أسس عرقية قومية ، (وعلى وجه الخصوص خلال السبعينيات) وقد أخذت الفكرة حيز التنفيذ ، وخاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 ، كما ارتبطت بشخصية [هنري كيسنجر] الذي كان يُعتقد أن دبلوماسيته في الشرق الأوسط تضر بشكل كبير بالمصالح اللبنانية ، والذي ترددت شائعات أنه يخطط لتقسيم لبنان [إلى دولتين او دويلات]
أما بالنسبة للعراق ، ولكي تكون المعلومات صحيحة أكثر ، يجب الحديث عن علاقات العدو الإسرائيلي وكردستان العراق ، حيث اعتبر ينون ان العراق بثروته النفطية هو بمثابة [التهديد الأكبر] لكيان العدو الإسرائيلي ، وكان يعتقد أن الحرب الإيرانية العراقية ستقسم العراق ، الذي يجب أن يكون حله وتفككه هدفًا إسرائيليًا استراتيجيًا ، كما توّقع ظهور ثلاثة مراكز عرقية : الشيعة الذين يحكمون من البصرة ، والسنة في بغداد ، والأكراد وعاصمتهم في الموصل ، وبذلك تُصبح كل منطقة (تسير على غرار التقسيمات الإدارية للدولة العثمانية السابقة)
السؤال هل انتهت الخطة على ما تم ذكره اعلاه ؟!؟ الجواب على العكس فقد تم ترجمتها الى اللغة الإنكليزية ، من قبل “اسرائيل شاحاك” ، وقد فسّر شاحاك في مقدمة ترجمته الخطة على أنها خيالية ولكنها في الوقت عينه (انعكاس صادق للإستراتيجية التي طورها أرييل شارون ورافائيل إيتان) ، فقد وضعت أوجه شبه مع كل من الأفكار الجيوسياسية التي ازدهرت في ألمانيا من عام 1890 حتى عام 1933 ، وتبناها هتلر فيما بعد ، كما طبقها في أوروبا الشرقية ، وان تفكير «المحافظين الجدد الأمريكيين» الحديث ، أثر على ينون ، وذلك بسبب جمعه للمصادر المذكورة في ملاحظاته ، ولقد قيل إن ترجمة شاحاك الإنكليزية هي التي دفعت ينون إلى دائرة الضوء العامة ، ما أدى الى إحداث ضجة كبيرة في ذلك الوقت
ولقد ردد الكاتب الأمريكي جوزيف كرافت ، بعد شهر واحد فقط ، أفكار ينون في مقال مفاده [ أن سوريا ستنهار من الداخل إلى شظايا طائفية مكونة من مجتمعات علوية ودروز وسنية ] وهي الدولة التي سيتم احتلالها بعد الغزو الإسرائيلي لفلسطين ، وستكون الحجر التالي لأحجار الدومينو ، فمثل هذا الحدث يجب أن يسبب أصداء في جميع أنحاء العالم العربي ، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل الدول الجزئية العرقية المضمونة لإدخال عصر السلام ، لكن تم رفض الفكرة في ذلك الوقت
تمت مراجعة الخطة آنذاك في نيوزويك (26 يوليو 1982، ص 32) ووول ستريت جورنال (8 ديسمبر 1982، ص 34) كما راجعها عاموس إيلون في صحيفة هاآرتس وغيرهم
لكن اهم من اتى على ذكرها هو الفيلسوف الفرنسي ، ومنكر الهولوكوست ، روجيه غارودي ، فقد استخدم النص في العام التالي من صدور النسخة الإنكليزية داخل كتابه (L’Affaire Israel: le sionisme politique) لدعم رأيه ، بخصوص أنه تم وضع آلية لطرد العرب مما كان يعرف بأرض الميعاد وتفكيك الدول العربية
أما إيلان بيليج فلقد وصفها بأنها «مرآة حقيقية لنمط تفكير اليمين الإسرائيلي في ذروة حكم بيجن»
بعدها قام نعوم تشومسكي بتحليل أكثر دقة للسياق التاريخي واقترح على ان الآراء التي يتبناها ينون يجب فصلها عن النظرة الصهيونية الرسمية السائدة في ذلك الوقت ، خاصة في تجسيد «التخيّلات الأيديولوجية والجيوسياسية» التي يمكن تحديدها مع الخط الذي تم تطويره حزب تهيا القومي المتطرف ، الذي تأسس عام 1979
، والذي يتبنى إستراتيجية دافيد بن غوريون عندما تأسست الكيان الإسرائيلي ، والتي تهدف الى (سحق سوريا وشرق الأردن ، وضم جنوب لبنان وترك ما تبقى من الشمال للمسيحيين الموارنة ، وقصف مصر إذا كانت ستقاوم)
السؤال هنا ، هل خطة ينون تناسى ذكرها مع مرور الوقت ، الجواب ، كلا
فلقد قالت ، ليندا هيرد، التي كتبت لـكاونتربنش في عام 2006 ، والتي استعرضت السياسات الأخيرة في عهد جورج دبليو بوش مثل الحرب على الإرهاب ، والأحداث في الشرق الأوسط من الحرب الإيرانية العراقية إلى غزو العراق 2003 ، وخلصت إلى ما مفاده :
[هناك شيء واحد نعرفه … إن «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط» التي أطلقها عوديد ينون عام 1982 تتبلور إلى حد كبير اليوم ، فهل هذه محض صدفة؟!؟ أم انها أجندة طويلة الأمد]
أما في عام 2017، اعتبر كل من تيد بيكر ، أستاذ القانون السابق في والتر ماير في جامعة نيويورك، وبريان بولكينهورن ، الأستاذ المتميز في تحليل الصراعات وحل الخلافات بجامعة سالزبوري ، بأن خطة ينون قد تم تبنيها وصقلها في وثيقة سياسة عام 1996 بعنوان “كسر نظيف: إستراتيجية جديدة لتأمين العالم (بالإنجليزية: A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm) ، كتبتها مجموعة بحثية في معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية المتقدمة التابع لإسرائيل في واشنطن
[ أدار المجموعة ريتشارد بيرل، الذي أصبح بعد بضع سنوات أحد الشخصيات الرئيسية في صياغة استراتيجية حرب العراق التي تمّ تبنيها خلال إدارة جورج دبليو بوش في عام 2003]
يعترف كل من بيكر وبولكينهورن بأن ما يقع لأعداء إسرائيل في الشرق الأوسط (احتلال إسرائيل للضفة الغربية وهضبة الجولان وحصار غزة وغزو لبنان وقصف العراق والضربات الجوية في سوريا ومحاولاتها لاحتواء القدرات النووية الإيرانية) ينطبق مع كل ما جاء في خطة ينون وتحليل الكسر النظيف، لتكون دليلاً على أن إسرائيل منخرطة في نسخة حديثة من اللعبة الكبرى ، بدعم من التيارات الصهيونية في المحافظين الجدد الأمريكيين والحركات الأصولية المسيحية
بعدما انتهينا من الحديث عن الخطة المشؤومة وتاريخها ، سوف نأتي على ربطها بخريطة الشرق الأوسط الجديد التي رفعها نتنياهو قبل طوفان الأقصى المُبارك ، ولكي اعفيكم واعفي نفسي من جلد الذات لن اقول جملة موشي ديان الشهيرة [ العرب لا يقرأون ]
في 23/ سبتمبر /ايلول من العام 2023 ، ألقى رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ78 ، تمحورت حول آفاق وآثار التطبيع والسلام مع الدول العربية ، ودوره في تغيير الشرق الأوسط
شملت الخريطة التي أظهرها نتنياهو مناطق مكسية باللون الأخضر الداكن للدول التي تربطها اتفاقات سلام مع العدو الإسرائيلي أو التي تخوض مفاوضات لإبرام اتفاقات سلام معه
وضمت المناطق المكسية باللون الأخضر دول [مصر والسودان والإمارات والسعودية والبحرين والأردن]
ولم تشمل الخريطة أي ذكر لوجود دولة فلسطينية ، حيث طغى اللون الأزرق ، الذي يحمل كلمة “إسرائيل” ، على خريطة الضفة الغربية المحتلة كاملةً ، بما فيها قطاع غزة
من ثم نشر نتنياهو بُعيد إلقاء خطابه في الأمم المتحدة تغريدة على حسابه على موقع إكس وكتب: “إن أعظم إنجاز في حياتي هو أن أقاتل من أجلكم (الشعب الإسرائيلي) ومن أجل بلدنا … شابات شالوم”
ما جرى في حينها ان وسائل الإعلام من ضمنها الإسرائيلية ، اعتبرت أن نتنياهو “يكذب” بشأن الخريطة التي عرضها لمشروع الشرق الأوسط الجديد ، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كونه “لا مكان فيها لحل الدولتين”، لتثير تساؤلات بشأن “الجانب الذي يريد أن يصنع معه السلام”
وقال نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة إن بلاده تقترب من توقيع اتفاق سلام مع السعودية ، معتبراً أن الاتفاقيات الإبراهيمية “نقطة تحوّل تاريخية”، وشدد على أن بلاده “تتقاسم مع دول عربية عدة ، العديد من المصالح”
ختامًا ، بما انه تبين لنا ان المخطط ، بعيد أكثر مِمَ كان لنا ان نتخيل ، هنا يجب ان نعترف بكل تجرد كيف ان قادة المقاومة التي لم تسلم من تنظير جمهورها كيف انها تقرأ ما يجب أن يُقرأ ، فاتخذت الأمر بشن عملية طوفان الأقصى المُباغتة وساندتها الجبهات الأخرى، والتي حمَلت العديد من البركات اولها انها بعثرت اوراق المُخطط الصهيوني ، ولربما اطالت مدة تنفيذ المشروع وتأخيره ، وبما ان التضحيات لا يمكن قياسها بين ما جرى وما كان مخطط له ان يجري ، تبقى هناك حقيقة جليّة ، وهي أن إجرام عدونا هو وصمة يمتاز بها ولا يمكن لأي عاقل ان يُناقش فيها … وللحديث تتمة
2025-01-11
