حين يواجه الأزهر … التطرف!
بقلم/ د. رفعت سيد أحمد
إن الفكر المتطرف، أضحى اليوم(2025) أخطر من (الطلقة)، فهو يؤسس لجرائم لإرهابيين على شاكلة داعش وأخواتها ويقدم لهم البنية الشرعية التحتية والمدد الفقهى لكى يبرروا القتل والذبح للمخالفين سواء أكانوا أفراداً أو دولاً، واليوم ومع عودته من بوابة بعض البلاد العربية وبخاصة في بلاد الشام و(بيونولوك جديد !) تحتاج مؤسساتنا الإسلامية الكبرى إلى أن تواجه فكر التطرف الديني وفى طليعة هذه المؤسسات يأتى الأزهر الشريف، ذلك الرمز الإسلامى والوطنى الشامخ، وسنحاول فى هذا المقال أن نقترب من هذا الصرح الكبير فى محاولة متواضعة لإبراز الدور الذى كان، وإلى مباركة الأدوار الجادة الجديدة تجاه قضايا الأمة وشئونها، فماذا عن الأزهر اليوم ؟ وماذا عن التحديات التى تواجهه ؟ .
أولاً: وفي البداية يحدثنا التاريخ أن الأزهر الفاطمي الذي أنشأ في العام (359هـ/ 970م) كانت تتجاور وتتحاور بداخله المدارس الفقهية المختلفة دونما عنف أو صراع أو تكفير كما هو حاصل اليوم، كان الفاطميون أصحاب المذهب الإسماعيلي الشيعي قد أنشئوا الأزهر للتبشير لمذهبهم ودولتهم ومع ذلك سمحوا للمذاهب السنية الأربعة (الشافعية ـ المالكية ـ الحنبلية ـ الحنفية) بالتواجد وبقوة ليس فحسب داخل الأزهر الشريف، بل لقد خصصوا لهم مسجد عمرو بن العاص وكان معقلاً لفقهاء أهل السنة والجماعة، والطريف أن الحكام الفاطميين جعلوه المسجد الرسمي لدولتهم رغم خلافهم المذهبي مع أصحابه فكان منبره هو المنبر الرسمي للخليفة الفاطمي في صلوات الجمع في شهر رمضان وفي العيدين وفي عهد هذه الدولة استقبل الأزهر، وبرحابة صدر إسلامية واسعة، رموزاً من فقهاء وعلماء أهل السنة الكبار أمثال (أبو حامد الغزالي) الذي هرب من بطش السلطة العباسية ولجأ إلى مصر دون أن يغير أفكاره ومبادئه ودعوته بل وحتى دونما إسقاطه لخلافاته الكبرى مع المذهب الشيعي، وفي عهد هذا الأزهر الفاطمي وحكامه استقبلت مصر العالم الكبير أبو الحسن بن الهيثم الذي لقب لاحقاً بآينشتاين العرب.
كان ذلك في الأزهر الفاطمي وحوله قبل أكثر من 900 عام ترى أين نحن من هذه الرحابة والسماحة الإسلامية التي أُسس عليها الأزهر وصار رمزاً ومنارة إشعاع فكري وأداة لتوحيد الأمة قيماً ومذاهب وفرقاً!!
ثانياً: هذا الأزهر المتجاوز للفتن والصراعات والجامع لأصحاب المذاهب، كان أيضاً قائداً لثورات مصر ضد الاحتلال الأجنبي، (أنظر ثورات مصر الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية مع بداية القرن التاسع عشر ثم مواقف الأزهر الرائدة ضد الاحتلال الإنجليزي) وصولاً إلى دوره التقريبي المهم بين المذاهب في الأربعينيات على يد الشيخ عبدالمجيد سليم .. وإنشاؤه لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية، ثم الشيخ العلامة محمود شلتوت وفتاويه المهمة والمؤكدة لوحدة الامة ..ثم دور الأزهر في حروب مصر إبان عهد عبد الناصر (1956 ـ 1967) وصولاً إلى حربالانتصار في اكتوبر 1973 وما تلاها، هذا هو الأزهر العظيم
إن أخطر ما يهدد مؤسساتنا الدينية الكبري اليوم هو الاختراق الفكري الداعشي الجديد وفى هذا خطر عظيم، لماذا ؟ لأن هذا الفكر المتطرف هو الذى تستند إليه داعش وأخواتها التى أدمت الأمة.. وأدمت معها الإسلام ولازالت موجودة ولازالت خلاياها النائمة موجودة بيننا وفي كل بلادنا العربية والاسلامية ولا زالت تنسي فلسطين وغزة تماما !!، ويحدثنا تاريخ الأزهر أن هذا الفكر سبق وحذر منه عشرات من علماء الأزهر الكبار ومنهم العلامة الشيخ/ محمد الغزالي (عليه رحمة الله) وأسماه بـ(فقه البداوة) الذي ينشغل بطول اللحية وتقصير الثوب والسواك وتكفير الناس ونقاب المرأة بدلاً من انشغاله بقضايا الدين والناس وبدلاً من انشغاله بحرمة وجود قوات الاحتلال الاجنبي و حرب الابادة الاسرائيلية علي قطاع غزة منذ 2023 وحتي اليوم !!.
إن هذا الفكر هو الذي أوصلنا إلى مذابح ليبيا والعراق وسوريا المذهبية وإلى طائفية لبنان المميتة، وإلى تكفير الدول والحكام بعد أن شبع من تكفير الواقع المعاش وأهله ومذاهبه بما فيها مذهب أهل السنة والجماعة وليس الشيعة فقط، إن هذا الفكر يحاول الآن .. أن يخترق مؤسساتنا الاسلامية الكبري بسبب فتنة ثراء بعض الدول وبسبب الجهل بجوهر الاسلام ورسالته وهوفكر داعشي يمثل أحد الأسباب الكبرى في تعطيل رسالة مؤسساتنا الدينية وعدم استعادتها لدورها التاريخي المهم، وإذا أردنا أن نعيد-مثلا- للأزهر وباقي المؤسسات العربية الدينية …مجدها فلنواجه وبقوة هذا الاختراق الفكري والمالي والسياسي للفكر المتطرف قبل أن يستفحل ويبعد عن دوره ورسالته القومية والإسلامية.*
ثالثاً: إن الأزهر يمثل لدى المسلمين في العالم وكما قال لنا يوماً أحد علمائه الكبار ووفقاً لنص كلماته (إذا كانت الكعبة في مكة تمثل للأمة الإسلامية رمزاً للتوحيد ورمزاً للإسلام فإن الأزهر هو كعبة العلم والعلماء) انطلاقاً من هذا المعنى المعبر ندعو مع قادة الازهر الشريف إلى حركة إحياء تعليمي وديني وثقافي وسياسي داخل الأزهر الجامع والجامعة، وهي حركة نؤكد أن شيخ الازهر يقوم بها وأن باقي أركان مؤسسته العظيمة يقومون به ..ولكنهم يحتاجون الدعم والمساندة المستمرة لمواجهة فكر التخلف والتطرف الداعشي *
إن الأزهر الذي نطالب به هو الأزهر (القائد) لا (المقود) الأزهر الرافض للانغلاق المقاوم للاختراق الأجنبي ولفتنة الغلو والتطرف التي هدمها جيشنا وشرطتنا المصرية العظيمة … بأروحيهم… لعن الله من أيقظها في مصرنا الحبيبة!! .
*وعلي المستوي العربي …فإن كافة مؤسسات الدعوة والدين بحاجة الي مبادرة وعنفوان تجاه قضايا الأمة الرئيسية وفى مقدمتها مواجهة الفكر الداعشي؛ بالفعل وليس بالقول والفتوى فحسب، بعد رياح الخامسين القادمة به في (نيولوك جديد في المنطقة جوهره إرهابي وظاهره ديمقراطي !!) ومواجهة هذا الفكر أضحت ضرورة قبل أن نكتشف بعد طول زمن أن (تنظيم داعش وأخواته من الاخوان والقاعدة ) قد عاد مجددا , وهو الان يعود من بوابة بلاد الشام بخلاياه (المتسلفة ) والمدعية للدين ونحن نيام،قد عاد بفكره وربما بأشخاصه، إنها معركة المستقبل والدين الحق فلا ينبغي لنا إلا أن نواجه ..وسننتصر !
2025-01-18