حين خرجت الفكرة من النص: حوار حول الأجيال وفلسطين والمستقبل!
غانية ملحيس*
لم أكن أتوقع، عندما كتبت «حين تصبح الكتابة حوارا مثمرا بين الأجيال»، وأرفقت به القراءة النقدية التي كتبها أمين كعابنة «ابن البادية» لمقالي «الثقل الذي… انتقل والقضية التي بقيت: من تعدد الساحات إلى معمار سياسي فلسطيني جديد»، أن يتجاوز الحوار حدود المقال وقراءته إلى هذه المساحة الواسعة من الأسئلة.
كنت أريد، في الأصل، أن أختبر معنى بسيطا بالنسبة لي: ماذا يحدث حين نضع ما كتبناه أمام عين من مكان وجيل آخر، لم نعتد الحوار معه في القضايا السياسية الفلسطينية، ونطلب منه ألا يجاملنا، بل أن يقرأ ويعترض ويسأل ويضيف؟ لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أكتشف أن السؤال أكبر من تجربة كاتبة مع قارئ شاب، وأن الكتابة حين تخرج من صاحبها يمكن أن تبدأ حياة أخرى لا يستطيع أن يتنبأ بمساراتها.
تتابعت المداخلات، وتعددت الأصوات والجغرافيات والأجيال، وأخذ كل مشارك الفكرة إلى مكان جديد. وهكذا لم يعد الحوار يدور حول مقالي أو حول قراءة أمين فقط، بل بدأ يمس أسئلة أوسع: علاقة الأجيال، وعلاقة النخبة بالناس، وتعدد الجغرافيات الفلسطينية، وطبيعة الخطاب السياسي، وما الذي نريد أن نورثه للأجيال القادمة، وكيف يمكن أن تتحول الكتابة من معرفة جميلة إلى قوة قادرة على التأثير في الحياة.
لذلك رأيت أن أنقل هذا الحوار من هامش التعليقات إلى المتن؛ ليس بوصفه أرشيفا لما قيل، وإنما بوصفه نصا تشكل أمامنا، وأصبح في حد ذاته تجربة لما كنت أكتب عنه: أن تخرج الفكرة من صاحبها، وتدخل في حوار، ثم تعود إليه وقد أصبحت أوسع مما كانت.
من الاختلاف إلى الالتقاء
كان من أوائل من التقطوا هذا المعنى الصديق نافذ الرفاعي، الذي رأى في مقالي وقراءة أمين «التقاء عميقا» أكثر من كونهما اختلافا. ولفتني هذا الوصف؛ لأنني وجدت فيه تفسيرا لما حدث فعلا.
كتب نافذ أن أمين «يسحب هذه الأفكار إلى الواقع»، وأن النظرية تتحول، من خلال أسئلته، إلى واقع وسؤال عن الساحات واللامركزية وتعميق الانقسام والتراكم في التجربة، ورأى أن المقال والرد يمكن أن يتحولا إلى ندوة تناقش مستقبلنا والحلول الممكنة.
أسعدني تعليقه؛ لأن أمين لم يدخل إلى المقال من موقع التجربة وحدها. فهو يجمع بين المعايشة والبحث والتكوين والمعرفة، وهذا تحديدا ما أعطى قراءته قدرتها على الانتقال بين الفكرة والواقع، وبين السؤال النظري وتفاصيل الحياة.
أما اقتراح نافذ أن يتحول المقال والرد إلى ندوة، فقد بدا لي جميلا وقابلا لأن يكون خطوة لاحقة. فالحوار الذي بدأ بين كاتبة وقارئ لم يعد محصورا فيهما، وكل تعليق جديد كان يضيف سؤالا وزاوية وتجربة.
من النخبة إلى الناس… ومن الناس إلى النخبة
جاءت مداخلة الدكتورة نهى العايدي لتأخذ الحوار إلى سؤال آخر: كيف تخرج الكتابة من دائرة النخب لتصل إلى الإنسان الذي يعيش الهم اليومي وتفاصيل المكان؟
تحدثت نهى عن البادية والمخيم والقرى والتجمعات المهددة بالتهجير، ورأت في قراءة أمين محاولة لنقل الكتابة السياسية من النظرية إلى التطبيق، وإشراك قطاعات أوسع من المجتمع في النقاش والحوار. وأنا أتفق معها في أن الكتابة والأطروحات النظرية تفقد جزءا من قيمتها إذا بقيت حبيسة المقال وحديث النخب.
لكن أمين أضاف إلى هذه الفكرة واحدة من أهم الخلاصات التي خرج بها الحوار كله. فقد قال إن قيمة الحوار لا تكون فقط في أن «تنزل الأفكار من النخبة إلى القاعدة»، وإنما أيضا في أن «تصعد أصوات القاعدة إلى النخبة».
هذه الجملة صححت، بالنسبة لي، اتجاه السهم كله.
فنحن لا نريد أن نصل إلى الناس لكي نشرح لهم قضيتهم، وكأن المعرفة تسير في اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل. فالذي يعيش الهدم والتهجير والمصادرة لا يحتاج فقط إلى من يشرح له ما يحدث؛ يحتاج أيضا إلى أن يُسمع صوته وهو يروي ما يحدث من موقع التجربة.
وقد أوضح أمين ذلك بعبارات لا يمكن تجاهلها. فهو لا يكتب عن البادية وكأنها مكان بعيد، بل يكتب من داخلها. وأهله وربعه في المعرجات هُجّروا، ولذلك فالتهجير بالنسبة إليه ليس خبرا يقرأه، ولا مشهدا يصفه من بعيد، بل جرحا أصاب أهله وجزءا من جغرافيته الفلسطينية.
وهنا تصبح المعادلة أكثر ثراء: المعرفة لا تنزل إلى الناس فقط، بل تصعد من الناس أيضا.
المخيم والبادية والقرية والمدينة والشتات
في هذا السياق جاءت مداخلة نهى مرة أخرى لتقول إن اختلاف الجغرافيا وتجارب الناس في البادية والمخيمات والشتات لا يلغي وحدة الهم الفلسطيني، بل يجعل الإصغاء المتبادل بين هذه التجارب أكثر ضرورة.
وهنا جاءت عبارة خالد عطية التي بقيت في ذهني طويلا: «فأنا ابن المخيم، وأمين ابن البادية، وغيرنا أبناء قرى ومدن وشتات وساحات مختلفة؛ لكن فلسطين لا تصبح وطنا سياسيا حين نتشابه، بل حين تستطيع الفكرة أن تجد طريقها إلى كل هذه التجارب دون أن تلغي اختلافها».
فالبادية، كما تكشف تجربة أمين، ليست هامشا جغرافيا في القضية الفلسطينية، كما أن المخيم ليس مجرد مساحة للاجئين، والقدس ليست مجرد ملف، وفلسطينيو 1948 ليسوا رقما انتخابيا، والمدينة أو القرية ليست مجرد مواقع على الخريطة. كل ساحة صنعت إنسانا فلسطينيا بتجربة مختلفة.
وهذه الاختلافات ليست عبئا ينبغي إلغاؤه، بل ثراء ينبغي أن يدخل في صياغة الصورة الكاملة. ومن هنا تصبح الوحدة السياسية أعمق من مجرد جمع الجغرافيا تحت عنوان واحد. إنها تحتاج إلى الاعتراف بالإنسان المختلف، والاستماع إلى تجربته، وإشراكه في صياغة ما يخص مستقبله.
من تعدد الساحات إلى سؤال المؤسسة والشرعية
دفعت قراءة أمين النقاش إلى سؤال أكثر اتصالا بالبنية السياسية نفسها: ماذا يعني أن ننتقل من تعدد الساحات الفلسطينية إلى معمار سياسي قادر على تمثيل هذا التعدد، لا أن يكتفي بإدارته.
هنا ظهرت أسئلة اللامركزية، وشكل المؤسسة، والعلاقة بين المركز والأطراف، وبين المؤسسة ومن تمثلهم. ولم تعد المسألة، في هذا الحوار، مجرد البحث عن صيغة سياسية أكثر انتظاما، وإنما عن شرعية تستطيع أن تستند إلى المشاركة والثقة والمساءلة.
في قراءته للمقال، لم يكتف أمين بالإعجاب بالفكرة أو بتسجيل الاختلاف معها. ذهب إلى التفاصيل التي تمس الساحات واللامركزية والانقسام والتراكم، وكان سؤاله مهما: هل المشكلة في تعدد المراكز، أم في تعدد الشرعيات؟
وأمين قال شيئا آخر أراه جديرا بالتوقف عنده: إن التراكم ليس فقط أن تحفظ المؤسسة ما أنتجته الساحة السابقة، بل أن تحفظ الذاكرة، وأن تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل، وأن يشعر الشاب في الخليل أن ما يحدث في غزة يعنيه، وأن يشعر ابن غزة أن القدس ليست بعيدة عنه، وأن يرى اللاجئ في المخيم نفسه جزءا من صناعة الحاضر لا مجرد حامل لذاكرة الماضي.
وهنا تتقاطع المؤسسة مع الذاكرة، والذاكرة مع الجيل، والجيل مع المستقبل. فالمؤسسة لا تستمد شرعيتها من اسمها أو تاريخها وحدهما، وإنما من قدرتها على تمثيل الناس، وعلى أن تظل قابلة للسؤال والمراجعة والتغيير.
هل نريد شابا يصغي إلينا أم شريكا يفكر معنا؟
جاءت مداخلة الأستاذ إبراهيم بن جبريل من تونس لتضع إصبعها على مشكلة أوسع. فقد رأى أن جسور التواصل بين الأجيال في بيئاتنا العربية تكاد تكون منعدمة، وأن ما يبدو من تواصل غالبا ما يكون علاقات عمودية تقوم على الأمر والامتثال والسؤال والجواب. وقال: «أن يطمئن لك شاب وتغريه بالبوح بأفكاره وتقنعه بنقاش ومحاججة فعز أن يوجد هذا عندنا».
لكن أمين اختلف معه في مفردة واحدة. قال: «الشاب لا ينبغي أن نُغريه بالبوح، ولا أن نتعامل مع صوته وكأنه شيء نحتاج إلى استدراجه حتى يخرج من صمته». وكان تحفظه مهما؛ لأن الحوار الحقيقي لا يبدأ حين نمنح الشاب «إذنا» للكلام، وإنما حين يشعر أن صوته ليس أقل قيمة من صوت من أمامه.
بالنسبة لي، لا أريد من الجيل الجديد أن يحمل ما أنجزناه كما هو. أريد أن يحمل ما يراه جديرا بالاستمرار، وأن يترك ما لم يعد صالحا، وأن يضيف ما يحتاجه زمنه. ولهذا أعجبني قول أمين: «أن يرث الابن من الأب ما يستحق أن يُحفظ، وأن يملك في الوقت نفسه شجاعة أن يقول له: هذا لا يصلح لزمننا».
حين يصبح النقد امتحانا للذاتلقراءة المزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/97021
2026-09-13