حين تطل الفتن برأسها ويسود فقه التطرف.. ما أحوجنا إلى:
الشيخ محمود شلتوت
فقيهاً يؤسس للوحدة والاستنارة !!
بقلم/ د. رفعت سيد أحمد
وسط فوضي العنف الديني التي أنتجتها داعش وأخواتها من جماعات التطرف منذ بدء ما سمي بالربيع العربي عام 2011 ..يحضر فكر وسيرة الكبار من رجال الفكر والدعوة الذين أثرو حياتنا وثقافتنا العربية والاسلامية وفي مقدمة هؤلاء يأتي الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق وأح أعظم رموز التوحيد الاسلامية والاستنارة الدينية العابرة للاجيال
* * * *
* ولد الإمام العلامة الشيخ محمود شلتوت في الخامس من شهر شوال سنة 1310هـ ـ الموافق للثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 1893م، في قرية منشأة بني منصور “منية بني منصور”، التابعة لمركز آيتاي البارود، أحد مراكز مديرية البحيرة، في بيت عرف بالعلم والأدب
وفي سنة 1941 عين عضوا بجماعة كبار العلماء، فكان أصغر عضو فيها.
وفي عام 1946 عين عضوا بمجمع اللغة العربية، ثم انتدب بعد ذلك لتدريس فقه القرآن والسنة بجامعة فؤاد الأول – القاهرة الآن – وفي سنة 1950 عين مراقبا عاما لمراقبة البحوث والثقافة الإسلامية، وفي سنة 1957 عين مستشارا للمؤتمر الإسلامي، وعضوا في اللجنة العليا للعلاقات الثقافية الخارجية، وعضوا في مجلس الإذاعة الأعلى، ثم شيخاً للأزهر الشريف عام 1958، ومن أبرز الأعمال التي قام بها أنه عمل على توحيد الصف الإسلامي.. فكان من كبار المؤسسين لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية.. وهي الدار التي قامت لتحقيق الأخوة الإسلامية، وإزالة الجفوة الموجودة بين الشيعة وأهل السنة، وتوثيق الصلات بين المذاهب الإسلامية عموما، والتي كان من آثارها الفتوى الشهيرة ـ التي أصدرها الشيخ عندما كان إماماً للجامع الأزهر مطلع الستينات ـ بجواز التعبّد على مذهب الأمامية الجعفرية من الشيعة.
* * * *
تلك سيرته؛ أما عن دعوته فإن الشيخ لم يترك مجالاً يهم أمور المسلمين إلا واشتبك معه بالفكر والفقه والسلوك، فمثلاً في دعوته من أجل التوفيق بين المسلمين نجده يقول: (إن دعوة التقريب.. هي دعوة التوحيد والوحدة.. هي دعوة الإسلام والسلام، وإن أسلوبها الذي تنتهجه لهو الأسلوب الحكيم، الذي أمر الله به رسوله الكريم في قوله تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”. ويقول أيضاً: (لقد آمنت بفكرة التقريب.. كمنهج قويم.. وأسهمت منذ أول يوم في جماعتها.. وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة.. كان منها تلك الفصول المتتابعة في تفسير القرآن الكريم.. التي ظلت تنشرها مجلة “رسالة الإسلام” قرابة أربعة عشر عاما.. حتى أكملت كتابا سويا.. أعتقد أنه تضمن أعز أفكاري.. وأخلد آثاري.. وأعظم ما أرجو به ثواب ربي.. فإن خير ما يحتسبه المؤمن عند الله ما ينفقه من الجهد الخالص في خدمة كتاب الله.. ولقد تهيأ لي بهذه الأوجه من النشاط العلمي أن أطل على العالم الإسلامي من نافذة مشرقة عالية.. وأن أعرف كثيرا من الحقائق التي كانت تحول بين المسلمين.. واجتماع الكلمة.. وائتلاف القلوب على أخوة الإسلام.. وبهذا تكون الفكرة التي آمنا بها.. وعملنا جاهدين في سبيل تحقيقها قد تركزت الآن.. وأصبحت رسالة الدار محل التقدير والتنفيذ).
* * * *
وكان الشيخ محمود شلتوت يرى أن فكرة التقريب بين المذاهب تقوم على أساس التعارف العلمي، وتضيق شقة الخلاف؛ وليس معناها التوحيد بين المذاهب كما قد يذهب البعض من الغلاة على الطرفين الشيعي والسني. وإنما التقريب المقصود ـ وفقاً للشيخ ـ هو أن لا يصل الخلاف في الفروع إلى حد العداوة؛ فالتقريب اتجاه جاد داخل الإسلام، مجرد من اللون الطائفي أو الإقليمي، للتخلص من العداوة المتبادلة بين أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة، والعمل على صيانة وحدة الأمة الإسلامية، والتقريب مرتبط ارتباطا تاما بوحدة الأمة المسلمة، ويسعى لإنقاذ الوحدة الإسلامية من عوامل الهدم والمكايد، التي يدبرها للإسلام أعداؤه، وليس التقريب انتصارا وغلبة لمذهب على آخر، وليس إدماجا لمذهب في آخر، وليس تقريبا بين الأديان المختلفة، وإنما يقوم على التسليم بحقوق وواجبات عامة للمسلمين في كل مكان، بغض النظر عن مذهبه وجنسيته ولونه، وكذلك اعتقاد أخوة المسلم للمسلم، لأنها أخوة في الله، فليس بين المسلمين خلاف في الأساسيات والأصول العامة، وإنما الخلاف في الفروع فحسب.
* * * *
ومن أجل هذه الأفكار البناءة ؛أنشئت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة سنة 1948، واستمرت حتى عام 1970، ثم أعيد الترخيص لها في عام 2004م برئاسة العالم الجليل الراحل الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق، وقد انفتح بها في الأربعينات وحتى إغلاقها الأول باب عظيم من الأمل.. في توحيد صف المسلمين.. على اختلاف مذاهبهم في جميع أنحاء العالم.. ويذكرنا تاريخ الأزهر المضيء أنه في مجال التقريب بين المسلمين يأتي الشيخ محمد مصطفى المراغي.. والشيخ مصطفى عبد الرازق.. والشيخ عبد المجيد سليم.. وليس فقط العلامة الشيخ شلتوت.. وكلهم قد تولى منصب مشيخة الازهر
* * * *
وبعودة إلي الشيخ محمود شلتوت مجدداً، فإننا نستطيع نلتمس دعوته لنبذ الإرهاب والعصبية باسم الإسلام قوله: “إن المتقي لله في مقام ابتغاء العلم.. هو ذلك الذي لا تأخذه عصبية.. ولا تسيطر عليه مذهبية.. ولا ينظر يمينا أو شمالاً.. دون قصده، كنت أود لو أستطيع أن أصور بنفسي فكرة الحرية المذهبية.. الصحيحة المستقيمة.. على نهج الإسلام.. والتي كان عليها الأئمة الأعلام في تاريخنا الفقهي.. أولئك الذين كانوا يترفعون عن العصبية الضيقة.. ويربئون بدين الله وشريعته عن الجمود والخمول.. فلا يزعم أحدهم أنه أتى بالحق.. الذي لا مرية فيه.. وأن على سائر الناس أن يتبعوه.. ولكن يقول: “هذا مذهبي.. وما وصل إليه جهدي وعلمي.. ولست أبيح لأحد تقليدي وإتباعي.. دون أن ينظر ويعلم من أين قلت ما قلت.. فإن الدليل.. إذا استقام.. فهو عمدتي.. والحديث إذا صح فهو مذهبي”.
* * * *
أما عن موقفه من الوحدة بين المسلمين رغم اختلاف مذاهبهم وأهميتها فنجده وبتواضع العلماء ووعيهم الرسالي يقول: “كنت أود لو أستطيع أن أتحدث عن الاجتماعات في دار التقريب حيث يجلس المصري إلى الإيراني أو اللبناني أو العراقي أو الباكستاني أو غير هؤلاء من مختلف الشعوب الإسلامية، وحيث يجلس الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي بجانب الأمامي والزيدي حول مائدة واحدة تدوي أصوات فيها آداب وعلم وفيها تصوف وفقه وفيها مع كل ذلك روح الأخوة وذوق المودة والمحبة وزمالة التعليم والعرفان“.
ثم يبين لنا الأسباب التي دعت إلى الفرقة والعصبية ويرشدنا إلى كيفية الخروج منها والعمل على إزالتها، ليتوحد الصف الإسلامي فيقول: لقد كان أكثر الكاتبين عن الفرق الإسلامية.. متأثرا بروح التعصب الممقوت.. فكانت كتاباتهم.. مما تورث نيران العداوة والبغضاء.. بين أبناء الملة الواحدة، وكان كل كاتب لا ينظر إلى من خالفه، إلاّ من زاوية واحدة، وهي تسخيف رأيه، وتسفيه عقيدته، بأسلوب لا يليق بالمسلم، وشره أكثر من نفعه، ثم يقول عن الوحدة، وإنها مطلب أساسي للجماعة المسلمة: “إن الله سبحانه طلب من الأمة الإسلامية أن توحد كلمتها، فلا تكون شيعا وأحزابا، يضرب بعضهم رقاب بعض، وقد استغل المستعمرون أسباب الفرقة بين المسلمين أسوأ استغلال.. ورغم أن المصلحين من المسلمين تنبهوا إلى الأضرار التي تحيق بدينهم وبلادهم، من جراء هذه الفرقة، فنادوا بوجوب وحدة الصف الإسلامي، والتخلي عن أسباب النفرة بين أبناء الملة الواحدة، والعقيدة الواحدة، وليست الدعوة إلى تقريب المذاهب الإسلامية، دعوة إلى لقاء أو غلبة مذهب على حساب مذهب آخر.. ولكنها دعوة إلى تنقية المذاهب من الشوائب، التي أثارتها العصبيات والنعرات الطائفية.. وأذكتها العقلية الشعوبية، ولقد فهم المسلمون الأولون حقيقة هذا الدين الحنيف، واختلفوا في فهم نص من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم مع هذا الخلاف كانوا يداً واحدة على من عاداهم”.
“ثم خلف من بعدهم خلف، جعلوا دينهم تبعا لأهوائهم، فتفرقت الأمة إلى شيع وأحزاب ومذاهب وعصبيات، واستباح بعضهم دماء بعض، وطمع فيهم الأعداء، ومن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أذى، وذهبت ريحهم، وضعفت كلمتهم.. ولقي الإسلام على يد هؤلاء وأولئك ما لقي من نكبات، ومصائب، ولولا قوة تعاليمه، وصفاء جوهره، ومنبعه وسلامته، وطهارة عقيدته، واستقامتها مع الفطرة الإنسانية، لحرمت الإنسانية من مزاياه وفضائله”.
* * * *
بهذه الوصف الدقيق.. وضع الشيخ شلتوت للأمة الإسلامية المنهج.. الذي يجب أن تستقيم عليه. وكما هو معلوم لدى المؤرخين لحياة وفكر شلتوت، فإن الشيخ قد اهتم بالفقه المقارن، ولم يكن يتعصب لمذهب بعينه، إلا إذا قوى دليله، وبانت حجته، وأنه كان يرى وجوب التقريب بين المذاهب الإسلامية الصحيحة .. توحيدا لصف الإسلام والمسلمين؛ لأنه كما كان يقول” في الاتحاد قوة.. وفي التفرق ضعف ومذلة.. والله خلقنا أمة واحدة.. دينها واحد.. ولغتها واحدة.. وقبلتها واحدة” ولإيمانه العميق بهذه المبادئ.. في الوقت الذي كانت فيه بذور الخلاف بين ـ الفرق والمذاهب الإسلامية للأسف موجودة ـ حاول بقدر إمكانه هو- ومن سار معه على درب التقريب- قطع بذور الخلاف.. وإحلال بذور الوحدة والتعاون محلها.
* إن حاجة الأمة اليوم، إلى أمثال الشيخ محمود شلتوت العالم المستنير، الداعي لدرء الفتن ورفض التعصب، حاجة ملحة وأساسية، فلقد تداعى على الإسلام الوسطي، إسلام الأزهر؛ الأكلة، والقتلة، (داعش والقاعدة وأخواتهم )ولم يعد يجدي معهم أنصاف الحلول، لابد من المواجهة الجادة، وفق إستراتيجية إسلامية شاملة ..تقتدي في عملها بمنهج الكبار الراحلين وفي مقدمتهم العلامة الشيخ محمود شلتوت رضوان الله عليه ورحمته .
2022-10-21