حين تساوي قطرة الماء …قطرة الدم : وجه آخر للقضية الفلسطينية ..تفاقم ازمة المياه بسبب الاحتلال !
بقلم د.رفعت سيدأحمد
************
للقضية الفلسطينية أوجه عدة ومستويات مختلفة ..يتشابك بعضها مع البعض الاخر مشكلا صورة بانورامية لصراع معقد وممتد تتقاطع فيه الخطوط والقضايا في قصة طويلة تتطلب مقاربات فكرية وسياسية جديدة لكي تتوقف تلك المأساة الانسانية الكبري التي تجري وقائعها منذ أكثر من مائة عام علي أرض فلسطين .
* ومن بين الاوجه (القديمة – الجديدة ) للقضية الفلسطينية ؛تأتي قضية (المياه ) والصراع المحتدم حولها ..لتصبح (قطرة الماء في هذا الصراع تتساوي وقطرة الدم ) …فماذا عنها ؟
**************
*فى البداية تتحدث التقارير الجديدة الواردة من فلسطين ومن مصادر رسمية أن ثمة ازمة مائية تتعرض لها الاراضى الفلسطينية بقوة خلال الفترة القريبة الماضية ..ان كمية المياه المتاحة للشعب محدودة جداً وهو الافقر مائيا فى المنطقة والاراضي المحتلة تتعرض لازمة ماء حادة
ويعيد الخبراء سبب شح الماء الي عدم سماح اسرائيل للجانب الفلسطينى بزيادة المصادر الطبيعية بحفر الابار الا بأذن منها فمشاريع الحفر تحتاج تصاريح وتراخيص حتى فى المناطق المصنفة (ج) التابعة للسلطة حسب اتفاقية اوسلو والتى تشكل 60%من اراضى الضفة الغربية .
أما الاسباب الاخرى فتتعلق بمنع اسرائيل الفلسطينيين منذ 1967م من حفر اباربالحوض الغربى اهم الاحواض المائية بفلسطين وهى لاتسمح لهم بالوصول لنهر الاردن منذ ذلك التاريخ .
وتوكد التقارير الرسمية الفلسطينية ان سيطرة اسرائيل على مصادر المياه المشتركة وخاصة نهر الاردن والابار الجوفية بالضفة تضع العراقيل أمامهم من ناحية نقلها بحكم ان سلطة المياه لا تستطيع الوصول لتلك المياه .
ولعدة سنوات متتالية أتهمت السلطة الفلسطينية ؛ اسرائيل بسرقة المياه وبيعها للفلسطينيين بأثمان باهظة تقارب دولارين لكوب الماء الواحد
وحسب الوثائق الفلسطينية يعيش مائتاً تجمع فلسطينى دون شبكة مياه والمتاح اقل ما تسمح به منظمة الصحة “حيث لايتجاوز استهلاك الفرد الفلسطينى من60-70 لتراً يومياً بينما يستهلك الاسرائيلى ما يقارب 350-380 “
هذه الحقائق اكثر مرارة في قطاع غزة وأكثر مأساوية “لدرجة أن أقل من 10% فقط من مياه الحوض الساحلي الجوفي الذي يزودهم مياه صالحة للشرب” يعود إليه ثلاثين مليون كوب مياه عادمة، ومع ذلك يشرب منه الناس نتيجة للحصار “خاصة شماله ومنطقة بيت لاهيا”.
وتؤكد المصادر الموثوق بها فلسطينياً ان 70% من الأمراض المنتشرة بالقطاع لها علاقة بالمياه، والبدائل فى التحلية مكلفة خاصة أن 80% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.
وفي تقرير حديث للبنك الدولى أكد أن إسرائيل تسرق المياه وتعرقل حصول الفلسطينيين عليها، ودعا لإعادة النظر بترتيبات اتفاقية أوسلو خاصة في الشق المتصل بالمياه والثروات الطبيعية الفلسطينية !
هذا وقد اعتبر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قضية المياه سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، بقوله “السرقة الإسرائيلية الممنهجة للمياه الفلسطينية بل والعربية تشكل تهديداً للأمن المائي الفلسطيني والعربي”.
وأوضح في بيان أن إسرائيل تسيطر منذ 1964 على مياه نهر الأردن وتحول مجراه، وتجفف بحيرة الحولة، وتسيطر على مياه نهر الحاصباني “ومنعت الفلسطينيين من الحصول على كامل حصصهم المائية الإضافية التي تقررت في اتفاقية أوسلو الثانية والبالغة 80 مليون متر مكعب”.
***************
أن هذه المأساة تعيدنا الى محاولة تأمل جديدة لجغرافية فلسطين المحتلة وكيف تؤدى هذه الجغرافية الى العدوان الاسرائيلى المستمر على المياه ،وليس على البشر فحسب ،ان ارض فلسطين تتكون كما هو معلوم من ثلاث مناطق واضحة المعالم هى :
- السهل الساحلى:-
ويتكون من جيب سهلى فى الشمال يقع بين الناقورة وحيفا طوله على الشاطئ نحو ثلاثين كلم ،ويمتد شرقاً الى البصمة وعمقه وكفر باسيف وشفا عمرو حيث يلتقى بالاجزاء الغربية من مرتفعات الجليل ثم ينتهى بحيفا حيث يحده جبل الكرمل .وعند رأس الكرمل يضيق السهل ثم يأخذ بالاتساع تدريجياً لان سلسلة الجبال تبتعد تدريجياً عن الشاطئ ويبلغ اقصى عرضه عند غزة وهذا الجزء من السهل كان يسكنه الفلسطينيون وهم الذين اخذت فلسطين اسمها منهم وعلى مقربة من الشاطئ تكثر الكثبان الرملية التى تسد مجارى الانهار فتتكون المستنقعات قرب الشاطئ ويسمح تنوع التربة بإنتاج انواع مختلفة من المزروعات.
2- المرتفعات الجبلية :وتتكون من ثلاث مجموعات .
-جبال الجليل: تتصل شمالاً بجبل عامل وتمتد نحو من خمسين كلم يبلغ معدل ارتفاعها بين 200و600متر الا ان قممها تتجاوز هذا الارتفاع ،فجبل الجرمق وهو اعلى جبال فلسطين علوه 1100م وجبل كنعان قرب مدينة صفد يرتفع حتى 841م ويبدوا هذا الجبل كأنه كتله ضخمة تتوسط سهل مرج بن عامر .
-جبال السامرة (مع الكرمل): وهى أقل ارتفاعاً من جبال الجليل،ليس فيها سوى جبل واحد يقرب ارتفاعه من الف متر (جبل جريز قرب ناباس).
اما جبل الكرمل فيبلغ ارتفاعه 50متر وتقع هذه الجبال الى الجنوب من مرج بنى عامر شمالاً وتمتد الى الجنوب من مدينة نابلس عند (خان اللبن)
-جبال القدس والخليل : الى الجنوب من نابلس ،تتداخل جبال السامرة بجبال القدس والخليل التى يتراوح ارتفاع القسم الاكبر منها بين 500و1000 من الامتار .وهى مناطق صخرية جرداء وتمتد هذه الجبال الى الجنوب من مدينة الخليل بحيث تتصل بالنقب.
أما النقب فهو هضبة يتراوح ارتفاعها بين 300و600م.
– منخفض الاردن: ويشمل غور الاردن والبحر الميت ووادى عربة ، وبعض الجيولوجيين يربط هذا المنخفض بالبحيرات الاستوائية الافريقية التى تقع حول منابع النيل وهونتيجة حركة فجائية فى قشرة الارض احدثت انخفاضاً فيها يبلغ بضع مئات من الامتار . اما سهل مرج بن عامر فيقع بين جبال الجليل وجبال السامرة ،وتحديداً بين ضواحى حيفا والناصرة وجنين ، وله امتداد شرقى جنوبى نحو بيسان يعرف باسم وادى عين جالوت او سهل يزرعيل وهناك مجموعة من السهول الداخلية.
– الانهار : اكبر انهار فلسطين هو نهر الاردن الذى ينبع من الحاصبانى واللدانى وبانياس ليصب فى البحر الميت
– كان لهذه (التفاصيل الجغرافةالمتميزة) انعكاستها الهامة ايضاً على خلق تميز جيوبولوتيكى لمنطقتى الضفة الغربية وقطاع غزة اذ لا جدال ان الوضعية الجيوبولتيكية لهذه المنطقة متميزة فاذا علمنا ان اسرائيل عقب هدنة 1949م استطاعت ان توسع حدودها الى ان بلغت مساحتها الى ما يزيد عن 27 الف كيلومتر مربع نصفها فى صحراء النقب وان طولها من هضاب الجليل حتى البحر الاحمر يصل لـ500كلم وان اسرائيل تتفتح وتتوسع شمال حيفا وجنوبى تل ابيب وتضيق فيما بين هذين البلدين لتصير ممراً محصوراً بين البحر والضفة الغربية وتتراوح بين 20 و14 كلم وفى ذلك الممر الضيق تمر شرايين المواصلات وتتمركز المدن الرئيسية التى تقع تحت مرمى المدفعية على الحدود مع الاردن(مثلا !) !!.. اذا علمنا كل هذا عن الجغرافيا السياسية بفلسطين فإن موقعا استراتيجياً هاماً باتت تحتله المنطقة المكونة لوادى الغور والسفوح الجبلية المشربة عليه من جبهة الشرق وعلى حدود اسرائيل ما بعد 1967م – الخطر الاخضر من جبهة الغرب ،بالاضافة لمنطقة القدس من ناحية الشرق، فى الجنوب اصبحت منطقة غزة نقطة التوازن الاستراتيجي القاتلة بين القوتين المصرية والاسرائيلية وترى اسرائيل ان هاتين المنطقتين خلقاً بموقعهما الجغرافى السياسى المتميز بعض المشاكل الاستراتيجية والامنية ومن هنا كان حصارها لغزة وسرقتها لمياه الضفة !
****************
ووفقا لتقارير دولية محايدة جدا بل وأحيانا منحازة لاسرائيل تأتي تقارير جديدة للبنك الدولي لتؤكد بالوثائق أن الإسرائيليين يحصلون على مياه تزيد أربع مرات عما يحصل عليه الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وان قوانين منظومة الحكم المشترك في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي غالباً ما يسيطر عليها الإسرائيليون، في مجال توزيع حصص المياه والتي تأسست بموجب اتفاقية أوسلو المرحلية لعام 1995 وما تزال سارية المفعول حتى اليوم، لا تلبي احتياجات الشعب الفلسطيني.
هذا وقد قال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في تقارير حديثة أن 48 مليون متر مكعب كمية المياه المشتراة في الضفة الغربية هي من شركة المياه الإسرائيلية (ميكروت) واعتبر الجهاز في تقرير له بمناسبة اليوم العالمي للمياه أن قضية المياه في فلسطين قضية سياسية و أمنية بالدرجة الأولى، بحيث تشكل السرقة الإسرائيلية الممنهجة للمياه الفلسطينية بل والعربية تهديداً للأمن المائي الفلسطيني والعربي .
************** * *
خلاصة القول هنا أن هذا الوجه الاقتصادي للصراع وللقضية الفلسطينية والمتصل بالاساس بقضية المياه ..رغم قدمه ..إلا أنه يتجدد ويفرض نفسه كل حين ويعيد تأكيد حقيقة مهمة في الملف الفلسطيني – الاسرائيلي ..وهي (أن قطرة الماء ستصبح مساوية لقطرة الدم )..كانت كذلك منذ 1948 وستصبح اليوم (2023) وما تتلوه من سنوات .والمواجهة لذلك الوجه المتجدد من أوجه القضية ليس مسئولية الشعب الفلسطيني وحده بل مسئولية الامة كلها ..تماما مثله مثل القضية الفلسطينية ككل ..والتي كانت وستظل قضية العرب بالاساس هكذا تؤكد الحقائق والتاريخ !
2023-09-10