حين تتلاشى الأكتاف… يشرق نور السند الأبدي!
غيداء شمسان غوبر*
في دروب الحياة المثقلة، حيث تتلاقى الخطى المنهكة بهم الزمن، وحيث تلقي التحديات بضلالها الكئيبة على النفوس، يأتي على المرء حين يشعر فيه بثقل الحمل، وبمرارة الوحدة، وبالحاجة الماسة لكتفٍ يستند إليه، ليدٍ تمتد لتمسك به قبل أن يسقط. في تلك اللحظات الفارقة، حين تبلغ الحاجة ذروتها، وحين يشتد الضيق حتى يكاد يخنق الأنفاس… هناك، في قلب العاصفة، تحدث المفارقة الأشد إيلاما: تتلاشى الأكتاف من حولك تدريجيا كلما ازدادت حاجتك للإسناد.
يا لمرارة هذا المشهد! الأكتاف التي ظننتها سندا، والوجوه التي حسبتها عونا، والوعود التي بنيت عليها آمالك تتوارى، تتبخر، تتلاشى كسراب في صحراء الحاجة. ليس عن قصد دائما، وليس عن سوء نية بالضرورة، ولكنها طبيعة البشر، ضعفهم، انشغالهم، محدودية قدرتهم على حمل أثقال الآخرين، خاصة حين تكون هذه الأثقال عظيمة.
ولكن، في قلب هذا الألم، وفي عمق هذا الشعور بالوحدة والخذلان، تكمن حكمة إلهية عميقة، ودرس رباني لا ينسى. يحدث ذلك عندما يريد الله تذكيرك بأنه وحده لن يخذلك متى احتجته. إنها ليست نهاية الطريق، بل هي بداية الرحلة الحقيقية، رحلة العودة إلى المصدر الأبدي للقوة والسند. حين تغلق الأبواب البشرية في وجهك، وحين تتوارى الأكتاف التي كنت تستند إليها، فإن باب السماء يبقى مفتوحا، ويد الله ممدودة، وعونه قريبا لمن لجأ إليه بصدق.
وأشد أنواع هذا الابتلاء قسوة وأكثرها إيلاما للنفس، هو حين يأتي التخلي من أقرب الناس إليك، من أحبهم إلى قلبك، من كنت تظنهم جزءا من روحك. فيبتلي الله العبد بأحب الناس إليه ليعلمه أن البشر أحيانا يتخلون عمن يحبون. نعم، قد يتخلون، قد يقصرون، قد تعيقهم ظروفهم، أو تغيرهم الحياة، أو يظهر الابتلاء حقيقة ضعفهم البشري. هذا الألم المضاعف، هذا الجرح العميق، ليس عبثا، بل هو ليزيل عن قلبك كل تعلق بغير الله، ليزرع فيه حقيقة راسخة كالجبال: ولكن الله لا يتخلى عمن يحب…!
يا لعظمة هذه الحقيقة! يا لروعة هذا اليقين! البشر يتخلون، الأكتاف تتلاشى، الأيدي قد ترتخي، ولكن الله… الله الذي خلقك وسواك، الله الذي يعلم سرك ونجواك، الله الذي هو أرحم بك من نفسك، لا يتخلى عمن يحب. حبه أبدي، سنده لا يميل، عونه لا ينقطع، رحمته لا تنضب. هو السند حين لا تجد سندا، هو القوة حين يخور البدن، هو النور حين تشتد الظلمة، هو الأمان حين يحيط الخوف.
فحين تتلاشى الأكتاف من حولك، لا تيأس. وحين يبتليك الله بأحب الناس إليك، لا تحزن حزن من فقد كل شيء. بل ارفع رأسك إلى السماء، وامدد يدك بالدعاء، واعلم أن الله يريدك لنفسه، يريدك أن تعتمد عليه وحده، أن تلجأ إليه وحده، أن تؤمن بأنه وحده القادر على حمل ثقلك، وعلى إزالة همك، وعلى إنجلاء كربك.
إن هذا الابتلاء هو دعوة لإعادة ترتيب الأولويات في القلب، لإعادة توجيه البوصلة نحو القبلة الحقيقية للسند والقوة. هو لتدرك أن كل قوة بشرية هي إلى زوال، وأن كل سند بشري هو إلى ضعف، وأن السند الوحيد الذي لا يميل، والقوة الوحيدة التي لا تضعف، هي قوة الله وسنده.
فيا أيها المبتلي، ويا من تلاشت من حوله الأكتاف، ويا من خذله القريب قبل البعيد… لا تحزن. إنها رسالة من السماء، لتعلمك أن الله يحبك، ويريدك أن تعود إليه، لتجد عنده ما لم تجده عند أحد. هناك، في رحاب الألوهية، تجد السند الذي لا يميل، والحب الذي لا يتغير، والقوة التي لا تقهر. هناك، وحده، تجد السند الأبدي.
#اتحاد_كاتبات_اليمن
2025-05-08