د.موفق محادين. ما من قرية من قرى سوراقيا، بلاد الارجوان وجلجامش وحمورابي وسرجون ونبوخذ نصر ،ونينوى ، اول الايقاعات ، واوغاريت ، اول الابجديات، وارام ، اول الممالك التي قامت على حد الكلام اكثر من حد السيف ، الا وعرفت شجرة الامنيات والمباركين ولغة الالوان. من شامانات الصيد والنساء ، الى صابئة الماء وحران ، ومن كهنة النار ومعابد ايل في الجبال ، الى بصرى واولياء الله على درب محمد. اشجار هنا وهناك ، ومباركون من كل الملل والنحل والمريدين والاديان ، ينتظرون النساء في يوم موعود : سلال عامرة بالحنطة والزبيب والغلال ، ومناديل من كل الالوان ، تربط بالاغصان ويتلو عليها المباركون ، اباء وقسيسون ، صوفيون ، او كهان ، ما تيسر من التمائم او ما يعول عليه من نصوص التبريزي وابن الرومي والشيخ الاكبر، محي الدين، او من ترانيم العهد الجديد ، هللويا، او ايات من الذكر الحكيم والمعوذات برب الناس من كل وسواس . يغيب المباركون قليلا في حضرة القدوس والرحمن : السلام عليك يا مريم ، لبيك يا زينب ، ويدان كما افلاطون وارسطو ، بين الاعلى والاسفل حيث تستكمل دائرة الوجود ، الله حي ….وسع كرسيه السموات والارض وما بينهما ولا يؤوده حفظهما لون للعاقر حتى تنجب ، لون للغائب حتى يعود، لون للحقول حتى تفيض بالسنابل ، وللكرمة حتى تطفح بالعناقيد وتفرح قلب الانسان. لون لدرء الحسد وجيد المسد والغاسق اذا وقب لون للمطر والغيثيات : ياام الغيث غيثينا ، بلي زريع راعينا لون للملقنين والاسماء السرية زمن الشامانات ، وللمعمدين والمختونين زمن الانبياء. لون للمغامرين والقوافل في الرمل البعيد حينا ، وحينا في لجة الماء . لون ، ولون، ولون…… بقدر الاحزان والامنيات والضارعات لـ راكب الغيوم. فأي كثرة مباركة هذه ، تستلهم شجرة الحياة والمعرفة في بستان القدير ، وقد اودعها مفتاح الاسماء كلها ، ثم استوى على العرش المكين وفاضت كلمته على العالمين ، زلفى وبشارة ونعمة ، لا خطيئة ابدية ، كما صخرة سيزيف وسفر التكوين ، ولم تكن الاساطير وشجرة الالوان غير ظل ظليل لمشيئة الباري على الارض. من رتق الفوضى، كن فكان ، اللوغوس الاول ، حكمة الماء والنار والطين ، سوراقيا ، اول الغمر والبر والطير واول الهابطين من سفينة نوح بعد الاربعين، قلب الكون ، ربوة الربوات ، من ارض كنعان الى شرق الفرات وشجرة الامنيات. ذلك ، ما ادركه سعاده وهو يكرز في السوريين ويحمل في ( نشوء الأمم) رسالة شعب عابر للمذاهب والاعراق والسلالات ،ويزرع بالحبر والدم كما الاولين في أور واريحا واوغاريت، شجرة الحياة ، حروفا وكلمات . فالرسالات الكبرى ، لا تأتي هكذا وكيفما اتفق ، او حتمية عمياء ، او بانتظار كسول لمخلص كما غودو ، الذي لا يأتي لانه لم يكن يوما. فيا لدرب الالام الطويل والقربان الحي ، من جيل الى جيل ، يصعدون المشانق كما زقورات بابل وينزفون دمهم في كأس بلا قرار ، و من اجل نيسان بعد نيسان يصنعون وقفات العز والانسان . وفي كل ذلك ، ليس بستان هشام في الشام (من لايذكر فيروز هنا) بستان سعاده بالبستان الريان ، هكذا وكيف ما اتفق ، وليست اشجاره على حد سواء ، وليس ما تعصف به الرياح بين الحين والحين وتذروه الايام، يعود كما كان . فثمة ما لايعوض الا في ذكراه ، يمكث في الارض كما الماء ، وما عداه كما رمل الطريق والزبد يذهب جفاء . وما اندر ذلك ، كما الدكتورة حياة في حروبها الخمسة على متراس الأمة: – حرب على جبهة الاعلام وجيلها الخامس والسادس وساحاتها المدججة بالمال والاكاذيب ، من فضائيات النفط والغاز الى ثورات مزورة اختطفت جوع الناس وقهرهم وتوقهم الى حرية لا لبس فيها ، ضد الامبرياليين والغزاة والرجعيين ويهود الخارج والداخل ، سواء بسواء. – حرب على جبهة الثقافة ، من المسرح الى الترجمة والنقد الادبي والفلسفة ، ومن العقل المستقيل الى الوضعية المبتذلة . – حرب على جبهة الكرامة في زمن الانحطاط والهوان ، فما طأطأت رأسها ولا هانت ، وعلمتنا كيف يظل البامبو واحد متحدا ، اذ يميل قليلا بين الحين والحين لكنه لايلين. – حرب على جبهة الذات، فأصعب الجهاد كما قال الياس مرقص، جهاد الذات . – حرب على جبهة الامل ، اخر الاشياء الطيبة في صندوق باندورا و نار بروميثيوس من اجل الانسان . ما اندر الدكتورة بين الرجال والنساء في بستان سعاده ، وشجرة الالوان والحروب الخمسة : المعرفة ، القوة، الامل، وفي اللونين الرابع والخامس مفارقة الاسماء، الحياة والعطاء، حيث لا مصادفات وراء الاشياء عند غازلات المصير . ربما لا تضن الحياة علينا بلون او لونين او ثلاثة ، ولكنها نادرا وقلما منحتنا الوانها الكاملة ، وان فعلت فليس كل الوقت . الدكتورة ، وقبلها الزعيم ، كمال خير بك، ناجي العلي، غالب هلسا وغيرهم ، كأنما على انسان الالوان الخمسة ان يدفع حياته ثمنا لاستكمال حضوره في الغياب. 2021-09-03