تحت هذا العنوان اصدر المدير السابق لصحيفة الواشنطن بوسط في بغداد، راجيف شاندرا سكاران ، كتابه الذي يصف فيه الحياة في المنطقة الخضراء بعيد الغزو الامريكي للعراق. وقد نشرت الغاردين اللندنية ملخص لثلاث فصول من الكتاب بقلم المؤلف نشر على ثلاثة اعداد ابتداء من 19 شباط 2007.
وفيما يلي الجزء الثالث من الترجمة
لم تكن بورصة بغداد قبل الحرب، شيئا يمكن مقارنته بنظيراتها في العالم. فلم تكن مزودة بالحاسبات ولا بشاشات العرض الالكترونية. وان المضاربات كانت تُكتب على ورقة تُثبت على لوحة اعلانات سوداء. فالمتاجرة كانت تتم بان ياتي الشخص بنفسه الى البورصة لينادي بصوت عال حتى يبلغ طلبه التاجر المعني.
متفهما وبسرعة كبيرة لطموح سلطة الإتلاف قبل اضطرام التمرد، فأن هالين لم يكن مكتفيا باعادة فتح البورصة؛ وانما ارادها كذلك ان تكون الافضل، والاكثر تطورا في العالم لعربي. لقد اراد اصدار قانون جديد للاوراق المالية يعطي البورصة استقلالية عن وزارة المالية، ومتمتعة بمجلس ادارة ولوائح خاصة بها. وقد اراد ان تعتمد البورصة على نظام الحاسوب فيما يخص المضاربة والتسويات المالية.
لقد ابدى العراقيون تخوفا من هذه الخطة. فقد كانت الاولية بالنسبة لهم هي اعادة فتح البورصة وليس نصب كومبيوترات او اصدار قانون للاوراق المالية جديد. لقد اراد الدلالون والتجار العودة السريعة للعمل. فالعودة للبيع والشراء، هو ما كان يريده المستثمرين. ” الناس محتاجة للعمل وهي في ذهول،” هكذا تكلم الدلال في البورصة طالب الطباطبائي مع هالين. ” لماذا تريد ايجاد اعداء؟ لنعيد فتح البورصة حسب ماكنا عليه.”
ولكن هالين كان مقتنعا بضرورة ايجاد تغيرات كبيرة. فقد تمت اناطة مهمة اعادة كتابة قانون الاوراق المالية باحدى الشركات الامريكية غير النفعية، والتي عرضت المساعدة في تدريب الدلاليين في البورصة وشراء الكومبيوترات. وبدأ هالين بعلية الاستغناء عن العراقيين في البورصة. لقد كان عدد العاملين في البورصة القديمة 85- ولكن هالين قرر ان تكون البورصة على النمط الامريكي بحيث لايتعدى عدد الوظائف براتب 40 وظيفة. فبعد مقابلته العاملين القدامى، امر بالاستغناء عن 45 منهم. ” لم يكن الامر سهلا، لان الناس في العراق لم يتعودوا الطرد من وظائفهم” كما قال لي.
لقد سمى هالين ثمان عراقيين ليشكلوا مجلس ادارة البورصة. اثناء مقابلة المرشحين ليشغلوا مجلس الادارة، قام هالين بفحص مدى كفائة لغتهم الانكليزية – لقد بين لاحقا بان ذلك كان من اجل فائدته هو …… وكذلك من اجل ” نمط التفكير الامريكي في اتجاهي التعامل التجاري والراسمالية”.
في بداية ربيع 2004، اصبح قانون الاوراق المالية جاهزا. وانتخب مجلس ادارة البورصة، الطبابائي رئيسا للمجلس. وقد كان الطبابائي، سمسار الاوراق المالية المتخرج من الولايات المتحدة، كثير الانتقاد لهالين. وقام المجلس بارجاع العاملين الذين تم طردهم من قبل هالين. لم تكن البورصة بحاجة الى عاملين جدد، ولكنها لم تكن بحاجة الى اعداء لها من زملاء عراقيين.
في نفس الوقت لم تكن هنالك حاجة لعدة اشهر اخرى من الانتظار حتى يتم نصب وتشغيل الحاسوب للمضاربة المالية. بدلا من ذلك تم نصب عدد من اللوحات بماسحات جافة في قاعة المضاربات. وعلى اثر ذلك اشتد التوتر بين هالين ومجلس الادارة. فقد اعتبر هالين المجلس “متعنت وضد التجديد”. ولم يستطع المجلس ان يفهم لماذا لايتركهم هالين وحدهم يديرون امورهم ……. انها بلدهم، على كل حال.
بعد يومين من مغادرة هالين بغداد في 22 حزيران، فتحت بورصة بغداد ابوبها. بدأ المضاربون بالمناداة على طلباتهم الى تجار القاعة الذين استخدموا لوحاتهم البيضاء. وقد تم تسجيل التحويلات المالية ليس بواسطة الحاسوب بل على اوراق صغيرة وبالحبر.
عندما سألت الطبابائي عن ماذا قد يكون حدث لو لم يتم تكليف هالين بمسؤولية اعادة فتح البورصة. فابتسم قائلا ” كنا قد تمكنا من افتتاحها قبل الموعد بعدة اشهر. لقد كانت لديه افكار كبيرة، ولكن لم يكن بالامكان تحقيقها. يذكرني هؤلاء الناس في سلطة الإتلاف المؤقت بشخصية لورنس العرب”.
لقد اتخذت قرارات تعيين كبار مستشاري بريمر على مستويات عليا. حتى ان قسم من هذه التعينات قد تمت من قبل بوش شخصيا. كما استطاع البعض من الحصول على وظائفهم في سلطة الإتلاف بسبب ان احد المتنفذين من اعضاء الكونغرس قام بالاتصال نيابة عن احد الاصدقاء الموثوقين. وهذا ماحصل مع جيمس ك هافمان والذي تم اختياره ليشرف على اعادة تأهيل النظام الصحي في العراق. لقد كان هافمان البالغ من العمر 60 سنة والموظف في الشؤون الاجتماعية، غير معروف على نطاق خبراء الصحة في العالم ولكن كانت لديه صلاته. فقد كان يشغل منصب مدير الصحة العامة مع الحاكم الجمهوري لولاية مشيغان، جون انغلر، الذي اوصى به الى نائب وزير الدفاع بول د وولفتز.
لقد أٌكلت مهمة اعادة تأهيل النظام الصحي ، قبل ذلك الى فردريك بيركل وهوالطبيب الحامل لشهادة ماجستير في الصحة العامة وعدة شهادات مابعد الجامعة من جامعات هارفارد، يل، دارتموث وجامعة كاليفورنيا في بيركلي. وكان بيركل ضابط احتياط في البحرية وقد قٌلد مرتين وسام النجمة االبرونزية، وشغل منصب نائب المدير المساعد في الوكالة الامريكية للتنمية الدولية (USAID ). وقد درس في مدرسة جونز هوبكنز للصحة العامة ، حيث تخصص في قضايا الاستجابة للكوارث. اثناء حرب الخليج الاولى استطاع توفير المساعدات الطبية للاكراد في شمال العراق. لقد عمل في كوسوفو وكذلك في الصومال. وفي فترة التمهيد لغزو العراق، كٌلف كمسؤول عن تنظيم استجابة الحكومة الامريكية للازمة الصحية المتوقعة في العراق. ولقد وصفه احد العاملين معه في (USAID) بانه ” واحد من اكثر العاملين مهارة وخبرة كمتخصص في الصحة ما بعد الحروب ضمن العاملين في الحكومة الامريكية”.
مع ذلك تم استبدال بيركل. وقد اخبره احد المسؤوليين الكبار في (USAID) بان البيت الابيض يريد شخص “موالٍ” في هذا المنصب. لقد كانت شهادات بيركل تملئ جدار كامل، ولكن لم تكن له صورة تضمه مع الرئيس.
لقد كان هافمان كثير الترحال، ولكن معظم سفراته للخارج كانت بصفته مدير “المعونات الدولية” وهي منظمة خيرية دينية والتي تقوم بتقديم مساعدات صحية و تقوم اثنائها بمهمات التبشير المسيحي. وقبل اشتغاله في الحكومة، قام هفمان بسؤولية ادارة وكالة مسيحية كبيرة لتبني الاطفال في مشيغان والتي كانت تطالب النساء بعدم اللجوء للاجهاض.
لقد واجه في بغداد مهمات كبيرة: الوقايه من الامراض ، توفير مياه الشرب النظيفه وتحسين الرعايه في المستشفيات على وجه السرعه. بالاضافة الى الحصول على الادوية والمستلزمات الطبية. حيث كانت المستشفيات والعيادات خالية من المضادات الحيويه والمسكنات عدا أدوية أخرى مهمة.
لقد وصل هافمان الى بغداد مصحوبا بمساعديه العسكريين و رئيس موظفيه بالاضافة الى اولوياته التي وضعها لنفسه. لقد كانت مقاربته للمشاكل على شاكلة الطريقة التي تتبعها ادارة الرعاية الصحية في اميركا: فقد ركز على وسائل الوقاية لاجل التقليل من الحاجة للمعالجة في المستشفيات. فقد دعا وزارة الصحة الى القيام بحملة ضد التدخين، وكلف احد الامريكان من فريق سلطة الإتلاف المؤقتة، والذي تبين لاحقا كونه “مدخنه”، ليقود الجهد الدعائي للحملة ضد التدخين. وقد لاحظ بعض من اعضاء فريق هافمان، بمرارة، بان الاخطار التي تواجه العراقيين اكبر بكثير مما يمكن ان يسببه القليل من التبغ.
لقد كانت الرعاية الصحية في العراق مجانية ولفترة طويلة. والتي كانت لعنة بالنسبة الى هافمان الذي اصر بان على العراقيين ان يدفعوا اجور بسيطة مقابل زيارة الطبيب. كما قرر كذلك بان يتم تخصيص تقريبا كل المبالغ المخصصة الى وزارة الصحة والبالغة 793 مليون دولار من اجل ترميم مستشفيات الولادة وبناء 150 عيادة طبية. لقد كان يهدف الى ” تغير عقلية العراقيين التي تؤمن بان الحصول على الرعاية الصحية هي بالذهاب الى المستشفى فقط “.
انه هدف نبيل بلاشك، ولكن لم تكن هنالك اموال قد خصصت لاعادة تأهيل اقسام الطوارئ وصالات العمليات في مستشفيات بغداد، ومع ان الاصابات الحادثة من جراء هجمات المتمردين اصبحت التحدي الصحي الاكبر بالنسبة للبلد.