ارهاصات مجنون …
فرنسا بين غضب الشارع وأزمة الثقة بالدولة
الجزء الثاني
د. طالب الشوكة
غير أن الطبيعة البشرية، ولا سيما في أوقات الأزمات، تميل أحياناً إلى البحث عن شماعة تعلق عليها أسباب الفشل، وغالباً ما يكون الطرف الأضعف اجتماعياً وسياسياً هو الأقرب لتحمل هذه الاتهامات.
وفي المقابل، يرى جانب من اليسار الفرنسي أن حصر مسؤولية التخريب بالمهاجرين لا يعدو كونه تبسيطاً لأزمة متجذرة في المجتمع الفرنسي، متجاهلاً أن أبناء الضواحي هم في كثير من الأحيان مواطنون فرنسيون، وإن اختلفت أصولهم، ويعانون مثل غيرهم من البطالة والفقر والتهميش وتراجع فرص العمل.
وهذا لا يعني تبرئة كل من يرتكب أعمال التخريب، وإنما يعني أن المسؤولية ينبغي أن تحدد بالأفعال والأدلة، لا بالأصول والهويات.
وفي خضم هذه الأحداث، لا تغيب الحسابات السياسية؛ فالحكومة تسعى إلى حماية مؤسسات الدولة وفرض القانون وعزل العناصر المخربة عن المحتجين، بينما تجد بعض أحزاب المعارضة، ولا سيما اليمين المتشدد، فرصة لإعادة طرح ملفات الهجرة والأمن والاندماج، في حين تحاول قوى أخرى توجيه النقاش نحو العدالة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية.
وهكذا يتحول الشارع من ساحة للمطالبة بالحقوق إلى ساحة للصراع السياسي، ويصبح المواطن الغاضب جزءاً من معركة أكبر من مطالبه الأولى.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا. هل تعيش فرنسا أزمة معيشية عابرة، أم أن ما يجري يكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؟
أعتقد أن اختزال هذه الاحتجاجات بوصفها ثورة جياع، بالمعنى التاريخي الحرفي، لا يقدم تفسيراً كافياً لما يحدث. ففرنسا ليست دولة تفتقر إلى المؤسسات أو الإمكانات الاقتصادية، لكنها تواجه تحدياً يتعلق بقدرة هذه المؤسسات على الاستجابة لمطالب المجتمع، والمحافظة على ثقة المواطن بجدوى العملية السياسية.
فحين يشعر العامل أن دخله لم يعد يكفيه، والأستاذ أن مؤسسته التعليمية تتراجع، والطالب أن مستقبله بات أكثر غموضاً، والطبقة الوسطى أنها تفقد تدريجياً استقرارها الاقتصادي، فإن الأزمة لم تعد تخص فئة اجتماعية واحدة، بل تصبح أزمة ثقة واسعة بين المجتمع والنخبة الحاكمة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل تستطيع الحكومة الفرنسية احتواء هذا الغضب عبر المعالجات الاقتصادية والاجتماعية، أم أن استمرار الاحتقان سيفتح المجال أمام القوى المتطرفة لاستثماره سياسياً، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
ما يحدث في فرنسا ليس مجرد مواجهة بين الشرطة والمتظاهرين، ولا يمكن فهمه من خلال صور الحرائق والممتلكات المحطمة وحدها. إنه تعبير عن أزمة اجتماعية وسياسية تتداخل فيها ضغوط الاقتصاد مع تراجع الخدمات العامة والانقسام حول الهوية والهجرة ومستقبل الدولة. ولعل ما ينبغي أن يقلق النخبة السياسية الفرنسية ليس حجم الغضب في الشارع وحده، بل احتمال أن يفقد المواطن ثقته بقدرة المؤسسات الديمقراطية على معالجة أزماته. فالدول لا تواجه الخطر حين يحتج مواطنوها على سياساتها، وإنما حين يشعر هؤلاء المواطنون أن احتجاجهم لم يعد قادراً على تغيير شيء.
2026-10-23