حوار مع د.علية العلاني لصحيفة الشروق حول اتفاقية التعاون الدفاعي العسكري بين تونس والجزائر أجرى الحوار هاشم بوعزيز!
سِؤال
ما قراءتك لتوقيع تونس والجزائر لاتفاقية تعاون دفاعي بين الجانبيْن في عدد من المجالات العسكرية من ناحية توقيته ومضمونه؟
جواب
قراءتي الأولَى هي أن هذه الاتفاقية من حيث التوقيت تأتي في ظرفية تتشابه فيها جزئيا مع الظرفية السائدة سنة 2001، والمُتّسمة بتمركز الإرهاب في شمال أفريقيا بعد عودة الأفغان العرب إلى بلدانهم من حرب أفغانستان. وكلّنا يعرف العشرية السوداء للإرهاب التي مَرّتْ بها الجزائر بشكل كبير في تسعينات القرن العشرين، وكذلك بعض السنوات القليلة التي بدأ فيها الإرهاب يتسرب إلى تونس (مثل عملية جربة وغيرها).وكانت اتفاقية 2001 ضرورية لرسم استراتيجية دفاعية تحمى حدود البلديْن. أما اتفاقية أكتوبر 2025 فتأتي ضمن ظرفية تتّسم بتَعاظُم الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي خاصة بعد مغادرة القوات الفرنسية والغربية التي لم تَفْعل الكثير من أجل مكافحة الإرهاب في هذه المنطقة، فكان لزاما على البلديْن حماية حدودهما التي تبلغ حوالي ألف كيلومتر. في حين كان على الجزائر حماية أكثر من 3600 كيلومتر من حدودها مع عدة دول أفريقية بعضها له حدود رَخْوة. وبالتالي فإنّ تأمين حدود البلدين تونس والجزائر حاليا، يصبح ضرورة أمنية وسياسية واقتصادية بدرجة قصوى.
أما من حيث المضمون فإنّ اتفاقية 2025 تقودنا إلى ملاحظتين: الأولى هي أنّ الإجراءات المتَّخَذة ستجد طريقها للتّفعيل بشكل سريع ومُيَسَّر نظرا لصبغتها الاستعجالية في ظل ظروف ملتهبة تعيشها المنطقة المغاربية والأفريقية، ونظرا أيضا للعلاقة المتميزة بين الرئيسين قيس سعيد وعبد المجيد تبون. أما الملاحظة الثانية فهي أنّ جَيشيْ البلديْن عادا إلى التنسيق بوتيرة أسرع بعد نهاية حقبة ”الربيع العربي.”
سؤال
ما مزايا هذه الاتفاقية المُكمّلة لتلك الممضاة سنة 2001؟
في اتفاقية 2025 هناك تأكيد على ضرورة مواجهة الإرهاب السبراني والمخاطر السبرانية التي تخترق المؤسسات الحساسة لكلا الدولتيْن. وهذا يستوجب تكثيف التمارين العسكرية المخابراتية في هذا المجال. أما الإضافة الثانية لاتفاقية 2025 فهي أنّها تَنُصّ لأول مرة على ضرورة التلازم بين الاستقرار الأمني والعسكري، وبين التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، لأنّ هذ التلازم هو الضامن الوحيد لاستقرار الدول كما عَبّرَ عنه ابن خلدون بطريقته. وبالتالي فإنّ مزايا الاتفاقية الجديدة ستكون في تبادل الخِبْرات في المجال السبراني وفي جَسْر الهوّة بين المُتَطلّبات الأمنية العسكرية ومتطلبات التنمية الاقتصادية المستدامة، بِما يجعل الشعبيْن أكثر التفافا حول قيادتهما وأكثر إصرارا على حماية مكاسبهما. وأعتقد أنّ تحقيق هذه المطالب الأمنية والعسكرية والاقتصادية هي التي ستُعَقْلِن الحياة السياسية وتجعلها أكثر هدوءا وبراغماتية.
سِؤال
تعزيز التعاون بين البلديْن الشقيقيْن، كيف يمكن قراءته ضمن السياقات الجيوسياسية والإقليمية؟
هو تعاون مَبْنِيّ على الثقة والتفاعل والرغبة الحقيقية في إنْجاح المطالب الواردة في اتفاقية 2025. فالسياقات الجيوسياسية تفرض مثل هذا النوع من التعاون، فنحن نعيش بداية انبثاق مشروع شرق أوسط جديد يمتد مشرقا ومغربا، هذا المشروع الجديد يلغي جزئيا اتفاقية سايكس بيكو ويفرض خرائط وتقسيما جديدا لعدة بلدان، وهنا نتحدث عن السودان وسوريا وغزة وبلدان أخرى مهددة بتغيير خرائط حدودها، وهو ما يفرض وجوبا على تونس والجزائر المزيد من اليقظة الأمنية والعسكرية والمزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، والمزيد من الحقوق والحريات التي تُفيد البلديْن ولا تُمزّقهما. أما السياق الإقليمي، فإنّ مخاطر الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة في غرب أفريقيا تجعل من الضروري تبادل المعطيات والخِبْرات بوتيرة أسرع من السابق. فلو يتمّ تفعيل الإجراءات الواردة في اتفاقية 2025 بشكل كبير وخاصة حماية الحدود والتلازم بين الأمن الدفاعي والتنمية المستدامة فإن آفاق المستقبل تصبح واعدة جدا لكلا البلديْن.
سؤال
الاتفاق بين الدولتين الجارتيْن وُصف بالمحطة الفارقة والخطوة الهامة، كيف يتجسد ذلك؟
إنّ أفضل تجسيد لاتفاقية 2025 حسب رأيي يكمن في الإجراءات التالية:
-أولا: تكثيف اللقاءات والملتقيات العسكرية التي يجب أن تتمّ بشكل دوري مَرّة كل ثلاثة أشهر يتمّ فيها استعراض مجهودات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة (أي كل ما يتعلق بالمخدرات ومسارات شبكاتها عَبْر الحدود، وتجارة الأسلحة، وتجارة البشر، إلخ) وتبادُل المعطيات والخِبْرات في هذا المجال.
- ثانيا: التركيز على تنمية المناطق الحدودية بشكل أكبر خاصة في مستوى توفير الخدمات والبنية التحتية، لأن سكان المناطق الحدودية هم العين الساهرة التي تساعد القوات العسكرية والأمنية والجمارك على درْء مخاطر مثل المخاطر التي تَنْجُم عن تهريب السلاح والمخدرات وسائر الممنوعات، وتَحُدُّ بشكل كبير من ظاهرة الاتجار بالبشر. ويُسْتحسن أن يُسْنَد إنجاز هذه المشاريع في المناطق الحدودية إلى المؤسسة العسكرية في كلا البلديْن.
- ثالثا: تكثيف الاستثمارات الخاصة والعمومية بين البلديْن الشقيقين من أجل تعزيز التكامل الاقتصادي في المجال الفلاحي والصناعي والخدماتي في اتجاه تشكيل أقطاب اقتصادية كبرى استباقا للصعوبات الاقتصادية مستقبلا في ظل إمكانية تَشَكُّل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. وقد أصاب السيدان خالد السهيلي وزير الدفاع التونسي والفريق أول رئيس الأركان الجزائري السعيد شنقريحة عندما أكّدا في اتفاقية الدفاع المشترك على تلازُم الأمن العسكري مع التنمية المستدامة في خلق الاستقرار الأمني والدفاعي لكلا البلديْن.
وأخيرا نقول أنّ هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد أي أحد، ونُضيف بأنّ قيمة اتفاقية 2025 تكمن في تفعيل بنودها بالكامل.
نُشر هذا الحوار في صحيفة الشروق العدد 12438 في 13 أكتوبر 2025
حوار صفحة 1 و12
(يومية تونسية مستقلة ورقية والكترونية)13 أكتوبر 2025