حكومة المشيشي بين المؤيدين والمعارضين.. وماذا يُنتظر منها؟
اعلية العلاني*
من المفارقات العجيبة أن الإعلان عن حكومة هشام المشيشي قبل تمريرها في البرلمان يوم 1 سبتمبر/أيلول 2020 أثارت من الجدل الكثير. فما هي الدوافع إنْ مرّت هذه الحكومة وماذا يُنتظر منها؟
1) الدوافع وراء هذا الجدل بين المؤيدين والمعارضين للحكومة
أ- حُجج ودوافع المعارضين لهذه الحكومة
الدافع الأول، خوفُها من تهميش دور الأحزاب مستقبلا وخاصة الأحزاب الحاكمة. ويتمثل الدافع الثاني في التخوف من إعادة تنظيم الإدارة وفرض حياديتها، أي جعْل موظفي الدولة السامين من وُلاة ومعتمدين ورِؤساء مؤسسات عمومية في خدمة الإدارة مائة بالمائة لا في خدمة الأحزاب وهو ما يجب أن يتواصل مع أي حكومة في المستقبل. أما الدافع الثالث، فهو التخوف من فتْح بعض الملفات التي ربما تُحرج بعض الأحزاب. وإجمالا فمعظم المعارضين ينتمون للتنظيمات الحزبية.
ب – حجج ودوافع المؤيدين للحكومة
مبدئيا تحظى حكومة المشيشي بمساندة مبدئية من المنظمات الوطنية الكبرى كاتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة وطيف هام من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني. وهناك ثلاث دوافع رئيسية: الدافع الأول، إعطاء الفرصة لتجربة حكومية جديدة بعيدة عن تجاذبات ومناكفات الأحزاب داخل الحكومة. ولئنْ مرت البلاد بحكومة مستقلة، حكومة المهدي جمعة سنة 2014 إلا أنها كانت مكبلة بقصر المدة، ومنْع أعضائها من أي ترشّح للحكومة الموالية آنذاك. أما حكومة المشيشي فهي متحررة من هذه القيود، وسيقع الحكم على أدائها لاحقا بكامل الموضوعية بعد أن تتوفر لها الشروط الضرورية للعمل. لأنه في نظر هذه المجموعة، من الصعب فرضُ سلطة القانون وجلب الاستثمار الداخلي أو الخارجي في حكومة قصيرة المدة وغير قادرة على حمايته. الدافع الثاني، ترى هذه المجموعة أن نجاح حكومة المشيشي رهين بوجود حزام واسع من المجتمع المدني، وربما حزام محدود من المجتمع الحزبي – في انتظار تصحيح عميق للخارطة الحزبية بالبلاد – وذلك حتى لا تشعر هذه الحكومة أنها تسبح ضد التيار. أما الدافع الثالث، فهو أن المؤيدين لهذه الحكومة يرون في ذلك فرصة لتمكين الأحزاب السياسية من مراجعة برامجها ومقارباتها، فهناك الكثير من المتغيرات التي ستحصل لاحقا على المستوى الداخلي والخارجي. وهنا ستجد الأحزاب متسعا من الوقت – وبعيدا عن إكراهات الحكم – للقيام بتحديد أولوياتها وخططها، وتكون مستعدة بشكل أفضل للانتخابات القادمة سنة 2024. ولعل حكومة المشيشي المستقلة تكون فرصة لهذه الأحزاب لتجميع نفسها في تنظيمات كبرى، وتبتعد عن الخطاب الشعبوي بكل تلويناته، وتصبح أحزابا عصرية تُدرك رهانات المرحلة القادمة والتي سيكون فيها الاقتصاد رقميا، والعمل السياسي يستند إلى أحزاب رقمية لا تقليدية (انظر حول هذا الموضوع مقالات الباحث الجامعي لطفي محجوب بلهادي الأخيرة في صحيفة المغرب)
2) ماذا يُنتظر من حكومة المشيشي؟
أعتقد أن الحكمة والعقلانية ستتغلب في نهاية المطاف. وأرجو أن يتمّ منْح الثقة لهذه الحكومة في ظروف أقل توتّرا. وأرى لهذه الحكومة مهمتين رئيسيتين:
– المهمة الأولى: إعادة عجلة الاقتصاد والاستثمار للدوران، أولا، عبْر حل مشكلة الفسفاط والبترول، وثانيا، عبْر ضبْط أولويات التنمية بالاهتمام بحاجيات الدولة العميقة بالتوازي مع مشاريع المناطق التي تقع على الشريط الساحلي والتي تشهد صعوبات هيكلية، وثالثا، عبْر خطة جديدة للنهوض بالشباب اقتصاديا وثقافيا.
– المهمة الثانية: الحفاظ على الحريات الأساسية بما فيها حرية التعبير ومزيد دعم حقوق المرأة.
وأعتقد أن هذه الحكومة المستقلة ربما تكون فرصة لتأهيل الأحزاب القائمة ليكون أداؤها أفضل في الانتخابات القادمة، وكل ما أتمناه أن تكون الحكومة المستقلة فرصة كذلك لإبراز أن اختلاف التونسيين في مقارباتهم إثراء، لأنهم في نفس الوقت متفقون على أن الأحزاب قبل الوطن، وأن الوطن للجميع دون إقصاء. وفي الختام أنصح بكل تواضع حكومة المشيشي – وهي مقبلة على إصلاح الأخطاء – أن تنتهج منهج استرداد حقوق الدولة من الجميع دون اللجوء إلى سلب الحريات الجسدية.
أكاديمي ومحلل سياسي – جامعة منوبة – تونس
نُشر هذا المقال بصحيفة الشروق 28/08/ 2020 (يومية تونسية مستقلة)