حكاية “كاريكاتير” والبراغيث!

محمد ابو عريضة
احتجت السفارة الأمريكية في الكويت على رسومات ناجي العلي في صحيفة القبس الكويتية، فقال له رئيس تحريرها، حينذاك، محمد جاسم صقر: خفف يا أبو خالد شوي، ولا تجيب اسم امريكا الله يهديك.
عاد ناجي إلى بيته ورسم فلسطيني يحمل يافطة كتب عليها: تسقط جارة كندا!
أقول: أعقتد أن ناجي العلي تمكن بعبقريته الفذة وحسه الفني المرهف من اجتراح هذه الفكرة، برغم أن رمزيتها مباشرة، ولا تحمل مضامين بظلال غامضة. لكننا اليوم، وسط هذه المجازر والخنق المبرمج من السلطات السياسية وسلطات الإعلام المجتمعي، نحتاج أكثر من ذلك، فالمباشرة قد تعرضك للحذف والشطب من “فرانك” وأقاربه، والمطاردة من السلطة السياسية.
لكن متغيرًا جديدًا طارىء انضم إلى المشهد “السوريالي” الغامق، الذي نعيشه، أخذ يلعب دورًا بارزًا في تنفيذ مزيد الخنق والإقصاء. هذا المتغير يتعلق بـ “براغيث” إلكترورنية، تنشط هذه الأيام بشكل لافت – ظلت موجودة خلال السنوات الماضية غير أن أعدادها ارتفع بعد السابع من تشرين الأول / أوكتوبر. يركز خطاب هذه “البراغيث” على تتفيه كل من يؤيد المقاومة، واتهامه بالعمالة لإيران، وأنا أعتقد أنها خطوة نحو إضرام نار الفتنة الطائفية من جديد، ولا استبعد افتعال حوادث، خلال الفترة المقبلة، يمكن خلق سياقات مفتعلة قد تصب في خدمة هذا الهدف، فالصهاينة والأمريكان وحلفاؤهم ما زالوا يمتلكون قوة وأدوات كثيرة لإضرام نيران إضافية، وإحراق مزيد من البشر.
تابعت خلال الأسابيع الماضية، بخاصة بعد اغتيال الشهيدين اسماعيل هنية وفؤاد شكر، والتهديدات الإيرانية واليمنية ومن حزب الله، ولاحظت أن “البراغيث” الإلكترونية تستخدم خطابًا واحدة، يتمثل في تسخيف التهديدات، والازدراء من المقاومة، وتضخيم قدرات العدو – وهي ضخمة بالفعل -، لكن التضخيم هنا مقصود بذاته كجزء من الحرب النفسية، ويهدف لإضعاف ثقتنا بأنفسنا وبالمقاومة. هذه “الراغيث” تريد أن تقول لنا: إنكم جميعًا غير قادرين على فعل أي شيء، وكل ما تقومون به لا يسمن ولا يُغني من جوع، فما يريده الكيان الصهيوني وما تريده أمريكا وحلفائها سيجري تنفيذه، لأنكم ضعفاء، ومحوركم، الذي تنتظرون رده، هراء، ولن يتمكن من تغيير الحقائق على الأرض.
جاء رد حزب الله، وهو كما يبدو، لم يكن ردًا بسيطًا، فلو لم نعتمد ما يقوله حزب الله، ونكتفي بالغموض الذي يكتنف ما يصرح به الصهاينة بهذا الخصوص، لاكتفينا بالقول بأنه رد قوي. فماذا تفعل “البراغيث”؟ لاحظت أنها لم تغير من خطابها كثيرًا، لكنها زادت قليلًا من جرعة السخرية والتتفيه والازدراء، فأحدهم يقول: هيهات منا الشطة. مع صورتين أحدهما للشهيد فؤاد شكر والثانية لدجاجة. هو هنا يسخر هنا من هتاف جمهور حزب الله: هيهات منا الذلة، ويشير إلى أن صواريخ ومسيرات حزب الله لم تصب إلا مزرعة دجاج. في منشور آخر يقول صاحبه: نتحدث بجدية قليلاً.. هل هذا هو المحور وهذه هي وحدة الساحات التي رهن السنوار مصير شعبه كاملًا وقضيته كلها لتدخلهم لحمايتهم؟ وفي منشور ثالث: مساكين عبيد إيران يبحثوا عن أي انتصار يختبئوا خلفه. ومنشورات أخرى تحمل خطاب السخرية نفسها.
من يعتقد أن هذا الخطاب لا يؤثر، وخير رد عليه: إهمال هذه “البراغيث”، واهم، ففي ظل ضبابية ما يجري، وهذا الكم الهائل من المنشورات المشابهة والمجازر التي لا تنتهي، واتباع محور المقاومة استراتيجية “الضفدع المغلي”، التي تعني أن لا تلقي الضفدع إلى ماء مغلي، لأنه سيقفز بسرعة، بل ضعه بهدوء في وعاء ممتلىء بماء فاتر فوق نار هادئة. ما يجعل جزء من المخلصين يغضبون ويريدون ردودًا من صنف الجرائم المرتكبة، ويجعل جزءً من المخلصين من جمهور المقاومة يرتبكون، ويتأثرون بخطاب “البراغيث”. لكن؛ السؤال الملح: كيف نواجه هؤلاء؟
لا أمتلك وصفة جاهزة، فـ “البراغيث” الإلكترونية كثيرة. بعضهم مجند، ويعمل لدى الأعداء، ويعرف أنه يعمل لدى الأعداء، وبعضهم تحركه أمراض مزمنة تسببت بها تجارب حزبية وتنظيمية سابقة، وبعضهم يحركه حقد دفين مرتبط بالتاريخ القريب، وآخرون يحركهم الدفاع عن مصالحهم المرتبطة بأنظمة الحكم، وجزء منهم تحركه الأوهام الطائفية. المهم أنهم جميعًا متفقون على تتفيه المقاومة، والغمز من قناة محوره. خطاب كل هذه الفئات واحد، وإن اختلفت الكلمات واختلفت أساليب التعبير. لذا فإن المطلوب منا نحن، من نؤيد المقاومة: اجتراح أفكار خلّاقة قابلة للحياة، لكن؛ هذا يتطلب عملًا جماعيًا منظمًا، فالعمل الفردي في هذا السياق لا ينفع ولا يفيد.
ملاحظة: انا استعضت عن كلمة “الذباب” بـ “البراغيث”، فـ “البراغيث” الحقيقية تعيش في المنازل ولا تطير بعيدًا كالذباب، تعيش بيننا ومستوطنة في المنازل، و”البراغيث” الحقيقية تنتقل عن طريق حيوانات منزلية أليفة كالقطط والكلاب. بينما “البراغيث” الإلكترونية تتسلل إلينا عبر وسائل نعرفها – وسائط التواصل -، بعضنا يحبها بل يعشقها، وبعضنا لا يحبها كثيرًا، وبعضنا يقاطعها، وإن كان عدد الفئة الأخيرة قليل، لكن الأهم أن “البراغيث” المنزلية تلدغنا ونحن لا نلحظ وجودها، لأنها مختبئة داخل شعر القطة أو الكلب، و”البراغيث” الإلكترونية تلدغنا وهي تعيش وسطنا على وسائل التواصل الاجتماعي.
لذا؛ لو كان ناجي العلي يعيش بيننا هذه الأيام، فإنني سأقترح عليه “كاريكاتير”: حنظلة يحمل علبة “بف بف” يرش ما بداخلها “براغيث” تحمل أجهزة خلوية ذكية أو “أيبادات” أو يجلسون خلف “كيبوردات” أجهزة كمبيوتر أو “لاب توبات”.
2024-08-30