في زيارة جون كيري لمصر في 2 أغسطس 2015 صرح قائلا: إن هناك قلقا أمريكيا من قضايا حقوق الإنسان في مصر، ولكننا ندعم مصر في حربها على الإرهاب”.
وبعد هذا التصريح بشهر دخلت روسيا الحرب في سوريا، وبعدها بثلاثة أشهر وقعت أحداث باريس الإرهابية في 13 نوفمبر 2015.
وانطلقت خطابات الساسة الأوروبيين لتعطي الأولوية للأمن على حساب الحريات وحقوق الإنسان الأخرى.
لا ننسى كذلك – في نفس الفترة بين مارس ونوفمبر 2015 – أن نقول أن تونس عرفت أخطر العمليات الإرهابية التي راح ضحيتها تونسيون وأوروبيون.
وكان دعاة حقوق الإنسان حينذاك يرفضون أي تضييق على الحريات بدعوى مقاومة الإرهاب حتى وإن كان ذلك سيكلف البلاد خسائر في السياحة والاستثمار.
لكن بمجرد تمدد العمليات الإرهابية إلى أوروبا وأمريكا فإن منطق التعامل مع مسألة حقوق الإنسان تغيّر بشكل جذري، فهل عاد الحديث من جديد عن الخصوصية والكونية في قضايا حقوق الإنسان؟ وكيف يتم التعامل مع حقوق الإنسان في واقع الإرهاب؟
حقوق الإنسان في واقع الإرهاب
لا ينازع أحد في أن المادة الرابعة من الميثاق الدولي لحقوق الإنسان المتضمنة لأبرز الحريات شرط ضروري لتحقيق المواطنة.
لكن في الأوقات الاستثنائية مثل الإرهاب يتم التعامل مع هذه المادة بكامل الحذر، لأن استقرار البلاد الأمني يصبح القاعدة والتوسع في الحريات يصبح استثناء.
ولنا شواهد تاريخية على ذلك، فالولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية اضطرت إلى وضع ترسانة من الإجراءات الأمنية على حساب العديد من الحقوق فأصبح التنصت على المكالمات تقليدا متواصلا.
كما تم فتح معتقل غوانتانامو ليؤوي متهمين ظلوا لسنوات طويلة قابعين فيه دون محاكمة. ولا نعرف كيف ستتصرف الولايات المتحدة عقب مذبحة كاليفوريا في 04 ديسمبر 2015 وقد نبهت إلى ما يمثله حق تملّك السلاح لكل فرد أمريكي من مخاطر على الأمن القومي وهو ما دعا الرئيس أوباما إلى مراجعة هذا القانون في أقرب وقت. أما في فرنسا فكان للعملية الارهابية في 13 نوفمبر 2015 تداعياتها المحلية والإقليمية وتمثل ذلك في صعود اليمين المتطرف في الانتخابات المحلية، وانتشار مشاعر كره الأجانب.
وأصبح حق الأمن في عمليات سبر الآراء بفرنسا مقدما على الحقوق الأخرى، فقد نشرت صحيفة لوفيغارو الفرنسية أن 84 بالمائة من الفرنسيين يقبلون بالحد من حرياتهم مقابل تحقيق الأمن لهم.
ويرى البعض الآخر أن سحب الجنسية المزدوجة والتضييق في منح اللجوء والتأشيرة للأشخاص المورطين في عمل إرهابي لا يشكل خرقا لحقوق الإنسان.
ولم يعارض هذا التوجه سوى القليلون من الطبقة السياسية الفرنسية.
ونشير إلى أن الصحف الأوروبية عادت لتطرح مؤخرا مسألة تحيين المفاهيم حول حقوق الإنسان وهل هناك قراءة واحدة أم قراءات متعددة.
حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصية
على المستوى النظري تتمسك جمعيات حقوق الإنسان بالبعد الكوني في حديثها عن حقوق الإنسان وتسايرها في ذلك البلدان المتقدمة في أوقات السلم، أما زمن الحروب أوالنزاعات فتلجأ الدول عادة إلى تقييد الحريات تحسّبا من مخاطر الفوضى الأمنية.
وفي هذا الإطار تحاول بعض الدول الاعتماد على مبدأ الخصوصية سواء كانت سياسية أو ثقافية أو أمنية لأقلمة حقوق الإنسان مع ظروفها الموضوعية.
وفي هذا الإطار نجد أحيانا تكاملا بين الكونية والخصوصية وأحيانا أخرى تضاربا بينهما.
فإذا أخذنا حقوق الإنسان لدى الإنسان الفلسطيني نرى تباينا كبيرا في وجهات النظر إذ تصبح مقاومة الاحتلال إرهابا لدى الاسرائيليين في حين يراها الفلسطينيون تحريرا لأرضهم.
وبالتالي فإن الإجماع على أسلوب موحد في التعاطي مع حقوق الإنسان أمر صعب.
إنه مما لا شك فيه أن الزلزال الأمني الذي أعقب انتشار داعش في المنطقة العربية بما صحبه من حوادث القتل المروع والحرق والتهجير والسبي والتفقير سيكون له انعكاسات تمتد على عقد كامل من الزمن ولا يمكن إغفال ما تفعله داعش في البلدان الأوروبية والأمريكية على غرار ما حصل في فرنسا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية ومؤخرا إنجلترا، وبالتالي فإن منظومة حقوق الإنسان في الفترة القادمة ستتغلب فيها الخصوصية على الكونية إلى أن تتحسن الأوضاع الأمنية.
ولكي تتحسن هذه الأوضاع الأمنية لا بد من ميثاق تعايش جديد تكون فيه حقوق الإنسان مطبقة بين كل بني البشر مهما كان لونهم أو عرقهم أولغتهم.