حصاد البطولة والتضحيات!
جمال الطاهات
ما جرى في غزة ليس موضوعاً للتأييد أو الإدانة. فهذا تاريخ لا يخضع لمنطق الصواب والخطأ؟ فلا أعتقد أن هناك من يجرؤ على تقييم تضحيات حواريي السيد المسيح عليه وعليهم السلام. كما لا يوجد من يجرؤ على تقييم موقف القديس سيباستيان لأنه تلقى سهام القتل والإعدام بعيون واثقة (في التعليق الأول صورة لإعدام القديس سيباستيان الموجودة على مدخل متحف اللوفر في باريس).
التحدي الذي يفرضه الأبطال على الناجين هو: هل تستطيعون أيها الناجون أن تعتلوا لمستوى أزهار التضحيات وتحولوها لثمار، وتحققوا للشعب مكاسب سياسية كبرى تتجاوز منطق المتسولين؟ هل يمكن للناجين أن يعتمدوا على ازهار البطولة والتضحية وتحويلها إلى ثمار، وانتزاع الاعتراف بهذا الشعب وحقوقه وتمكينه من التمتع بها؟ أم سنلوم الشهداء لأنهم لم يحققوا كل أحلامنا، ولم يفرشوا السجاد الأحمر لمن بعدهم؟
البطولة والمنفعة
حصاد البطولة والتضحية عظيم، وهو بانتظار من يحوله إلى منجزات سياسية للشعب. فهناك عائدات سياسية وتاريخية هائلة للتضحيات التي بُذلت، شريطة توفر من لديه الهمة والعزيمة لتحويل أزهار البطولة والتضحية إلى ثمار تعم الشعب كله. فالأبطال لا يمكن اختزالهم ولا احتكارهم. والشعوب تحتفل بأبطالها وتضحياتهم، معترفة بأن ما تتمتع به من مكاسب وميزات هو حصاد بطولات وتضحيات سابقة. فالشهداء ضحوا ليحيا الآخرون بشرف وكرامة وكبرياء.
انحياز المجتمعات لخيارات البطولة واحتفالها بأبطالها وشهدائها ليس موقفاً رومانسياً فقط، فالتجربة التاريخية المتراكمة والمشتركة تقول بوضوح بأن جزءاً كبيراً مما تتمتع به الشعوب اليوم هو ثمار لأزهار البطولة السالفة. ولكن الأبطال لا يحققون النتائج، إنهم يفتحون البوابات ويزيلون العقبات لمتابعة المسير بكلف أقل لمن يرغب بمتابعة المسير بعدهم. في الولايات المتحدة وهي حاضنة الفكرة البرغماتية، هناك احتفالات وعناية تصل حد التقديس بالأبطال الذين قدموا التضحيات في مسيرة الولايات المتحدة وشعبها. وهذا الموقف هو دعوة لمتابعة المسير لتحقيق بعض أحلام الشهداء. فهناك إدراك أن العديد من الحقوق التي يتمتع بها المواطن الأمريكي الآن هي بعض ثمار ازهار التضحية والبطولة.
ببساطة يستقيم وجدان الأمم والشعوب ويتوازن بصور أبطالها وقصصهم. الأمم التي افتقرت لقصص الأبطال اندثرت. والأمم الني تخلت عن أبطالها بيدت. والعواصم الكبرى في العالم تنام محتضنة أطفالها في ظل تماثيل أبطالها، تروي قصصهم، وتصوغ منها أحلام مستقبلها، وتتابع العمل لتحقيق ما استشهد الشهداء من اجله.
أهم ثمار معركة غزة
ببساطة غزة وما تلاها، دليل آخر، على أن الحروب تُغير -بشكل بنيوي- طرفيها، بغض النظر عن موازين القوى بينهما. أطراف الحرب -أياً كانت نتائجها- لا يخرجون منها كما دخلوها. فكل طرف يقرر دخول الحرب سوف يخرج منها مختلفاً. والمهم في التعامل مع أزهار البطولة والتضحية في غزة، هي حقيقة صادمة: أنه ليس فقط حماس وإسرائيل جرى عليهم تغيرات بنيوية كبرى بفاعلية هذه الحرب، بل أيضاً العديد من الأطراف الإقليمية، بما فيها الحركات الإسلامية والقومية واليسارية في الإقليم. وفوق هذا موقف القوى الكبرى من استعمال القوة في المنطقة.
كما أن تأثير الحروب يتجاوز أطرافها، فهي “القابلة التي تُولّد من اتون المعارك” مراحل تاريخية جديدة تتلخص في فرض قواعد جديدة لاستعمال القوة. وهذه حقيقة، لا يضيرها إن تجاهلها البعض، سعياً لتجنب استحقاقاتها، أو عجزاً عن الفهم والتكيف مع نتائجها. ولكنها كحقيقة تتيح نفسها لمن يريد أن يفهم ويشتق خيارات للفعل المنتج والمثمر.
أهم درس يمكن استخلاصه من حرب غزة، هو حدود القوة والتفوق العسكري في تحقيق مكاسب سياسية وتاريخية. وهذا يعني بكل بساطة أننا أمام نظام قوى إقليمي جديد. النظام السوري بعد سنوات من القتل والتنكيل بالشعب السوري سقط (سقوط تفاحة مدودة)، وهرب المستبد الفاسد. واليمين الإسرائيلي بعد كل القتل والدمار في غزة أوقف إطلاق النار، وهو يبحث عن مسار لانسحابه يحفظ به بعض (وليس كل) ماء وجهه.
خلاصة المشهد الراهن، هو سقوط المقاربات والتصورات السابقة لتوظيف القوة والعنف والقمع كوسيلة لتحقيق مكتسبات سياسية، أو صيانة الاستقرار محلياً وإقليمياً. صحيح أن القوة لن تختفي من المشهد السياسي، لا محلياً ولا إقليمياً، ولكن هناك حدود لما يمكن تحقيقه بالقوة، وبذات الأهمية هناك كلف سياسية واستراتيجية يتحملها من يباشر باستعمال القوة ويلجأ إليها.
الحركة الوطنية الديمقراطية الأردنية وتحدي اشتقاق الخيارات من المشهد الراهن
الحركة الوطنية الديمقراطية أمام مشهد جديد، عليها أن تقرأ نتائج الحرب، وما أحدثته من تغييرات على أطرافها، وعلى الإقليم، وعلى سلوك القوى العظمى تجاه الإقليم. والأهم أن تسعى لاشتقاق خيارات لتمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد وبناء دولته الحقيقية، في ضوء النتائج التي فرضتها الحرب على الأردن وعلى الإقليم ككل.
البحث فيما إذا كان قرار الحرب في 7 اكتوبر صحيح أم خطأ، جهد عاقر، وهو ببساطة استمناء للماضي. فمهما كان الجواب، لن نعود إلى لحظة القرار السابق. كما أن البحث عن المنتصر والمهزوم، هو سؤال الباحثين عن خيار آمن للخضوع وعدم الفاعلية. هل سنخضع لإسرائيل وحلفائها المنتصرون؟ أم سنكتفي بتمجيد المقاومة وحماس المنتصرة؟
المطلوب أردنياً سؤال مختلف ضروري وحاسم لاشتقاق خيارات فعالة، وهو: ما هي الفرص المتاحة بعد وقف إطلاق النار؟ فما بين أيدينا هو نتائج الحرب التي يجب أن يُبنى عليها. انتهت الحرب، ونحن الآن أمام مشهد إقليمي جديد، وخارطة علاقات قوى إقليمية جديدة، وأيضاً مقاربات جديدة للقوى العظمى تجاه الإقليم. والتحدي الآن هو اشتقاق الخيارات لتحرير الشعب الأردني من المشهد الراهن، في ضوء القواعد الجديدة لسلوك القوى محلياً وإقليمياً وعالمياً.
فالحركة الوطنية الديمقراطية الأردنية مطالبة أولاً باستعادة أبطال الشعب الأردني، فهؤلاء هم الرافعة لتعزيز ثقة الشعب بنفسه. يضاف إلى ذلك ادامة السعي لتحويل أزهار الدم والبطولة إلى ثمار حقيقية، لتكريس حقوق الشعب الأردني بكل مكوناته. وهذا يتطلب تحديد نمط الفعل الثوري الممكن والمفيد في ظل معادلة القوى الجديدة وقواعد استعمالها.
إذ أن تراجع ثقة العالم بالقوة كضامن للاستقرار، وتزايد ثقة الشعوب بفرص التحرر بالرغم من الأثمان الباهظة التي تُدفع، يفتح الباب امام الحركة الوطنية الديمقراطية الأردنية للبدء بمشروع تخليص الأردن من المستبد الفاسد وعائلته دون كلف باهظة.
كلمة أخيرة:
سعي المستبد الفاسد، خلال الحرب وبعدها لتجنب استحقاقاتها، لن تجديه نفعاً. حيث لجأ المستبد الفاسد إلى مقاربات صبيانية للبحث عن مسارات آمنة تبعد عنه نتائجها. وهذا العبث همشه وحرمه من أن يكون شريكاً في الحصول على أي مكسب منها. مما يفتح بوابات عريضة جداً أمام الحركة الوطنية الديمقراطية لتفرض برنامجها الثوري لتخليص الأردن من المستبد الفاسد وعائلته مرة واحدة وبكلفة قليلة جداً. فبعد نتائج سوريا وغزة، وسقوط الرهان على استخدام القوة لتحقيق الاستقرار السياسي، لن يجد المستبد الفاسد وعائلته من يدعمهم لقمع الشعب الأردني والتنكيل به. وهذه العائلة التي لم تحكم يوماً إلا معتمدة على الدعم الخارجي، هناك فرصة للوقوف الآن بشكل حاسم والقول بوضوح، عليهم أن يرحلوا ويعيدوا للشعب الأردني دولته سلطة وموارد. وسوف تسقطهم رياح التغيير، كما تسقط ورقة الشجر التي مضى أوانها وانقضى.
2025-01-18
