حروب الآخرين ولكننا ضحاياها!
سعادة مصطفى أرشيد*
عاشت بلادنا ومحيطها الإقليمي مرحلة شهدت قدراً من التوازن في القوة بين دولة الاحتلال وحلفائها من غرب وعرب وبين قوى المقاومة ومحورها. وهذا التوازن لم يأتِ بمقياس القوة في السلاح والمال والعناصر الماديّة للقوه، التي توفرت للمعسكر المعادي بمقادير كبيرة جداً، وإنما في قدرة المقاومة على استعمال وإدارة القليل الذي توافر من عناصر القوة الماديّة، إضافة إلى قدرتها وقدرة حواضنها الشعبيّة على الصمود والاحتمال والالتفاف حولها.
لكن التداعيات اللاحقة التي أدّت إلى خروج المقاومة اللبنانية من ساحة المشاغلة والإسناد، ثم السقوط المدوي وانتقالها الفوري من معسكرها إلى المعسكر الآخر ثم انكفاء إيران واضطرارها لتصارع من أجل بقائها، فلم يبقَ في ساحة الصراع إلا اليمن البعيد والذي يُقدّم أفضل ما لديه، وغزة المترنّحة جوعاً وقتلاً ونفاداً في ذخائرها، في المقابل ينقض العدو في حرب إبادة علنية على غزة يشاهدها العالم وتدمي قلوب من يملكون قلوباً، وفي تمدّد في الجنوب اللبناني مع آلاف الخروق لاتفاق وقف إطلاق النار تلك الخروق التي يستبيح بها كامل لبنان لا جنوبه فقط. فالولايات المتحدة تقول إنها لا تستطيع إرغام «إسرائيل» على الالتزام به، ولكنها ترى أن من حقها إلزام لبنان دولة ومقاومة، كما في شرق الجولان وحوران والجبل في طريقها لشق طريق داود.
أدّت حالة الفراغ التي أعقبت انكفاء محور المقاومة إلى أن يملأ الفراغ الآخرون الأقوياء في هذا الإقليم، وهما تركيا و«إسرائيل» الأطلسيتان والتابعتان للسياسة الأميركية، وكما اقتضت أفكار المحافظين الجدد ومنظّري سياساتهم التي لطالما رأت ضرورة تلزيم المنطقة إليهما فـ(إسرائيل) هي بالأصل صنيعتهم وقلعتهم المتقدمة لحماية مصالحهم وإبقاء الأمة والوطن في حالة تفتت، كما أنها الامتداد الفكري والثقافي لذلك الغرب فيما تركيا صاحبة الإسلام السني المتحالف معه والقادر على التصدي بتقديرهم لأي تيارات قومية أو جهادية في بلادنا، ومؤخراً أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عدة مناسبات عن حبه وإعجابه بالرئيس التركي. وهذا الحب والإعجاب في عالم السياسة لا بدّ أن تتم ترجمته في الدعم والثقة ومنح أدوار ووظائف.
وإذا كانت كل من تل أبيب وأنقرة قد أصبحت صاحبتي النفوذ في بلادنا، وعلى المسافة ذاتها من واشنطن، إلا أن الاتفاق بينهما على حصة كل فريق لا زالت عالقة، فلكل منهما رغبة في الحصول على حصة أكبر وكل منهما تفترض أنها أسهمت في عملية التغيير الذي حصل في دمشق. أنقرة ترى أنها هي مَن أوصل أبا محمد الجولاني (أحمد الشرع لاحقاً) لدمشق وأنها هي من أسقطت النظام السابق، وبالتالي فإن دمشق تدخل ضمن مناطق نفوذها الواسعة، فيما ترى تل أبيب أنها الأقرب والأولى بأن تكون دمشق من حصتها إضافة إلى أنها تريد شق طريق داود الذي يلتفّ على حواف الحدود السورية الأردنية والسورية العراقية ليصل إلى شرق الفرات، حيث يحاول الأكراد إقامة دولتهم، مع ملاحظة أن واشنطن قد أخذت تتخلى عنهم بعد أن قدموا لها كل ما طلبت منهم، وذلك إكراماً للرجل الذي يحبه الرئيس الأميركي، لكن (إسرائيل) تريد دولة كردية إلا أن هذه الدولة مستحيلة القيام طالما أنها محاصرة من أربع دول معادية لإقامتها وهي سورية والعراق وإيران وتركيا، لذلك فإن (إسرائيل) بشقها لطريق داود، تفكّ العزلة والحصار عن مشروع الدولة الكردية وتجعل إقامتها أمراً محتملاً فعبر طريق داود سيكون لها منفذ على الخارج ولها بحر وموانئ في إيلات وحيفا وأشدود وغيرها من موانئ فلسطين المحتلة، ولكن أنقرة ترى أن قيام الدولة الكردية يهدد أمنها القومي ولا تستطيع اللعبة الصغيرة التي مارستها مع حزب العمال الكردستاني أن تحل المشكلة الكردية أو أن تضع حداً لطموحات الأكراد في تركيا بالانضمام إلى الدولة الكردية المحتملة.
بانتظار أن يجد الأميركي الحلّ ويصل إلى تسوية حول مناطق نفوذ كل من حليفيه أي (الإسرائيلي) والتركي في الملفات المختلف عليها تخوض كلّ من تل أبيب وانقرة حرباً غير مباشرة. وهكذا يمكن قراءة ما يجري في السويداء وحوران من حرب تبدو في الظاهر حرباً بين الدروز وعشائر البدو والسنة فأحدهم يريد الدفاع عن طرف والآخر يحرّض الطرف الآخر، فيما تتعالى النداءات للزحف من كل المناطق نصرة لهذا أو ذاك، فيما الحقيقة تقول إن هؤلاء لا يمثلون إلا أدوات وضحايا يموتون ويجرحون ويهجّرون بالمجان ويتم العمل في الوقت ذاته على تعميم هذه الحالة إلى خارج حوران وجبل الدروز وإلى فتح معارك وحروب أخرى تدور بين الطوائف والمذاهب. فهكذا يحب أن يرانا الأميركي الغربي على أننا لسنا أمة أو شعباً وإنما قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب ومناطق.
تأخذ هذه الحرب شكلها الذي يتحدث عنه الإعلام، وتحصد ضحاياها من أهلنا ومواطنينا، وفي تحضّر قوى الشر وتنشط وسط غياب تام للقوى الطليعية في الأمة، التي تقع على كاهلها مسؤوليّة كبرى لا تبدأ بالإعلان عن حرب التحرير القوميّة وما إلى ذلك من شعارات كبيرة، وإنما في التصدّي لهذه الحالة ولوقف الانهيار الحاصل.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-07-23
