الماجنا كارتا magna carta أسّست للديمقراطية و حقوق الإنسان!
حديث عن حياة السجون و المعتقلات
(المعتقلات في الجزائر نموذجا)
علجية عيش*
إن الاعتقال بدون تهمة واضحة و استمرار حبس المعتقل دون محاكمة يعدُّ حسب المختصين خرق للعقد الإجتماعي الذي دأبت على العمل به الأنظمة والحكومات منذ العصر الوسيط، ودافع عنه المفكرون والفلاسفة، وصدرت في شأنه مواثيق عديدة تتعلق بالحقوق والحريات في مختلف مناطق العالم وظهر ما يسمى بالوثيقة العظمى: magna carta، التي صدرت عام 1215، في هذه الوثيقة يلتزم الحاكم أو الرئيس باحترام بعض الحريات الفردية ومن بين ما جاء فيها أنه لا يمكن أن يتعرض أيّ شخص حرّ إلى التوقيف أو السجن أو نزع الملكية خارج هذا القانون أو النفي أو الاعتداء إلا بعد محاكمة قانونية، فكانت رمزا لمبادئ الحرية والديمقراطية، و قد صارت كل لدول تعمل بهذه الوثيقة طبقا لقرارات الأمم المتحدة، حيث صدرت عنها قوانين تحمي الفرد من التوقيف التعسفي أو التعذيب
يرفض التاريخ أن يظل منغلقا وجامدا إزاء حقائق يعتقد البعض أنها ظرفية ولا نتناولها إلا عند الحاجة، أو حين يطرق العقل الراهن الأبواب بأسئلة وهو يقرأ عن أدب السجون وعن أدب المقاومة، ولا يتذكرها إلا في أوقات الانحسار، بعد ذلك تركن الكتابات في هذا المجال في زاوية النسيان، ولا يمكن لمن لم يجرب حياة السجون أن يعيش هذه الحياة و يرسمها في مخيلته ولو افتراضيا، فبالعودة إلى الكتابات في هذا المجال نرى أن كثير من الباحثين يرون أن أَدب السجون و المعتقلات جزء لا يتجزأ من الأدب العربي الذى يتطلع للحرية، حيث ذهب البعض لتسميته بأدب الحرية، أو الأدب الاعتقالي، وحرص آخرون على صبغه بمفاهيم إيديولوجية، فأطلقوا عليه “أدب الأسير”، وذهب آخرون إلى تسميته بأَدب السجون، أما أدب المقاومة فهو نوع خاص يرتبط بالمعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، فيما يرى بعض النقاد أن الكتابة عن أدب السجون و أدب المقاومة بعيد المنال، لأن الكتابة عنهما لا تكون إلا بعد الانتقال بها إلى حيز الفعل والتطبيق، ولذا ظل الحديث عن أدب السجون حديث ذو شجون، لأنه يرسم لوحة لمعاناة الأسرى.
و قد اعتبر الخبراء القانونيون مفهوم الاعتقال ضمن العقوبات التي تسلط على شخص يعارض سياسة الدولة ولا تندرج هذه العقوبات ضمن العقوبات الجنائية ولا عقوبات الجنح ولا عقوبات الضبط البسيطة ولا عقوبات القانون العام أو العقوبات المؤبدة أو المؤقتة، هو نظام قمعي غير قابل للجدل، ويبرر واضعي هذا النظام موقفهم بالحفاظ على الأمن العام وضمان الاستقرار محاولين في ذلك إضفاء الشرعية، إن هذه التعريفات تطرح اسلة كثيرة حول ما تعلق بالمفاهيم و المصطلحات كمفهوم السجن و الاعتقال و الأسر، و إن كان المعتقل يعتبر سجينا أم أسيرا؟ ، إن الإستعمار الفرنسي أول من شرّع سياسة الاعتقال، ومارسه ضد الأهالي، الهدف منه الحفاظ على الإمبراطورية الإفريقية الشمالية بدءًا من إيالة الجزائر ثم في العديد الأقاليم الأخرى من الإمبراطورية، بدأ تطبيق هذا النظام ابتداءً من عام 1902.
فالقانون الفرنسي يرى أنه لا عقوبة تماثل عقوبة الاعتقال، وهذه السياسة تنتقض جميع المبادئ، وتقمع جميع الأفعال سواء عرضت حياة المواطنين للخطر أم لم تعرضها، وقد طبقت السياسة الإستعمارية الفرنسية هذا النظام في كل مستعمراتها ومصادرة أملاكهم، ويطلق على المعتقلين اسم: مرتكبي الفتنة، وهم الذين تسببوا في وقوع اضطرابات سياسية أو قاموا بمناورات التي من شأنها إفساد الأمن العام، ويمتد الإجراء إلى الحكم على المعتقل بالنفي عقابا على أفعال التمرد ضد سلطة ما، مثلما حدث في كاليدونيا وفي أفريقيا الاستوائية الفرنسية بعد صدور مرسوم 31 ماي 1910، ولكن السلطة في الجزائر تبنته، وطبقت هذا النظام القمعي وما تزال تعمل به إلى اليوم حيث مارسته منذ توقيف المسار الانتخابي في 1992 ، ولا يزال معتقلون داخل السجون منذ الحرب الأهلية إلى اليوم، رغم أن التعديلات الدستورية ، أجازت حرية الاحتجاج السلمي، ( دستور 1989 الذي اعتمد مبدأ التعددية ودستور 1996 ودستور 2016 إلى دستور نوفمبر 2020 ) لم تحدد هذه الدساتير مفهوم الحريات العامة ولم تضع لها ضوابط، خاصة ما تعلق بحرية التعبير عن الرأي وحق التظاهر السلمي.
يذكر التاريخ ما أطلق عليها بالوثيقة العظمي (الميثاق العظيم) magna carta وهي أول دستور صيغ في التاريخ الحديث ، صدر عام 1215 وضعه النبلاء البريطانيون في القرن الثالث عشر الميلادي بهدف تقليص صلاحيات الملك ( الحاكم/ الرئيس) ونفوذه وقدرته على الانفراد بالحكم، و كان رجلا دمويا يعشق السلطة و النفوذ، و أجبر ملك إنكلترا على وضع عليها ختمه، قبل أن تعتمد الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كانت هذه الوثيقة تهدف بالأساس إلى نبذ العنف و محاربة الدكتاتورية و إقامة العدل دون نشوب حرب أهلية في البلاد، و أصبحت فيما بعد رمزا لمبادئ الحرية والديمقراطية، تشير الدراسات أن الماجنا كارتا لم تكن أول ميثاق للحد من سلطة الملك أو الحاكم، فقد سبق هذا الميثاق ميثاق آخر للحريات عام 1100م وتأثر به تأثراً مباشرًا وكان ذلك في عهد الملك هنري الأول.
نماذج من قصص حياة السجون
لا أحد يمكنه أن يعرف حياة السجون و يرسم صورتها إلا من عاش تجربتها ، فعن حياة المعتقلين في الجزائر كنموذج، منذ أن فتحت الجهات الأمنية المراكز الأمنية بالصحراء الجزائرية و بالضبط ولاية تندوف في فيفري 1992 ، هذه المراكز أغلقت بعد صدور قرار تحويل المعتقلين، إلى وادي الناموس بولاية بشار ثم تحويلهم في عام 1994 إلى منطقة عين أمقل بتمنراست، و هو المركز الذي استقر فيه المعتقلون و كانوا معزولين عن بقية المتواجدين فيه، و عين أمقل كان عبارة عن سلسلة جبلية جاءت على شكل “نون” يتوسطها المعتقل، و هو يبعد بـ: 12 كلم عن بلدية عين أمقل التي تبعد عن مقر الولاية ( تمنراست) بـ: 150 كلم، و مسافة 2250 كلم عن الجزائر العاصمة، و السفر إلى عين امقل لا يكون إلا عبر الطائرة، يصف المعتقلين السياسيين حياة السجن بالصعبة جدا ، بعضهم توفوا لتعرضهم بأمراض مزمنة ، و منهم من تعرضوا إلي اضطرابات نفسية و عقلية، و أخرون يعانون من اضطرابات في الذاكرة ، فضلا عن الأثار التي خلفتها الإشعاعات النووية التي قامت بها فرنسا، و كعينة ففي سنة 1993 اضطر بعض المعتقلين إضافة إلى الإضراب عن الطعام ، إلى ابتلاع مقص من أجل الإفراج عنه.
و لا يزال الاعتقال في الجزائر مستمرا، حيث مسّ أصحاب الرأي من مثقفين و إعلاميين ، و هم الأن وراء القضبان بعدة سجون (الحراش، القليعة) دون محاكمة، و قد أجريت عليهم تغييرات مثل حلق شعورهم و إزال لحيتهم، الحقيقة لا ندري الوضع الذي يعيشه المعتقلون السياسيون داخل السجون في الجزائر ، لاسيما الذين طالت مدتهم و زادت عن الثلاثين سنة و نقصد هنا السجناء السياسيين المحسوبين على الفيس، حتى الذين أطلق سراحهم لا أحد يعلم إن أعيد إدماجهم في مناصب عملهم أو تعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم أو حتى حقهم في امتلاك جواز سفر، رغم أن العدالة برأتهم من كل التهم التي كانت توجه لهم، لقد أكد المشرع الجزائري في المادة 16 من الدستور الجديد، والمادة 34 في الباب المتعلق بالحقوق الأساسية والحريات العامة، عدم تقييد الحقوق والحريات والضمانات، وحظر أي عنف بدني أو معنوي أو اي مساس بالكرامة ، لكنها كانت مجرد حبر علي ورق.
الجزائر
2025-04-02
