حدود القبح العربي
الراحل أحمد حسين
ألوجه العربي العام لا يمكن أن يوصف بالوسامة . فالشعوب العربية متخلفة عن مهامها التاريخية الملحة ، بمدي قصور وعيها عن إدراك الأهمية الحاسمة لانخراطها العملي في المعركة الدائرة حاليا ، وفي نفس الوقت عن إدراك الخطورة الإستراتيجية على مستقبلها إذا نجح المشروع الدولي . أما الأنظمة العربية فيخطيء من يظن أنها قد بلغت مداها الأخير من القبح ، وأن تجلياتها في هذا المجال قد أصبحت مجرد تكرار لما سبقها . إن لهذه الأنظمة مخزونا من القبح يستطيع أن يفرض نفسه حتى على أبذأ التخيلات . ومن شاهد وزير الخارجية القطري وسمعه على شاشة الفضائية الإسرائيلية – القطرية ( الجزيرة ) ، لا بد أنه يدرك ما أعني . إن عروبة هذا المخلوق ، تثير في نفس كل عربي شعورا بالضآلة والإستخذاء يجعله يتمنى الإختباء من نفسه ومن العالم ولو داخل ثياب كونداليسا رايس . هذا الرجل يتكلم بدون خجل أو تحفظ . يبدأ بالتحفظ فقط عندما يبدأ بالكلام عن إسرائيل أو أمريكا ( الصديقة لبعض الدول العربية ) فيعمد إلى اختيار كلماته بعناية فائقة وكأنه يلتقط الجمر . وهو يعلن ليس تفهمه فقط وإنما ولاءه المطلق ( إرجعوا إلى المقابلة ) للشراكة الأمريكية الإسرائيلية الموجهة ضد العرب ، لأن من حق أي دولة ، حسب ما يرى ، أن تقرر علاقاتها الثنائية بغض النظر عن كونها تتضمن الإتفاق على ذبح طرف ثالث ، عربي تحديدا ، بما في ذلك حرق الأطفال أو تمزيقهم أحياء ( إرجعوا إلى المقابلة ) . سمعنا من يحرض على أطفال لبنان والشعب اللبناني والمقاومة تصريحا وتلميحا ، ولكن لم نسمع أحدا حتى مبارك يعطي الشرعية لأمريكا في رعاية المذبحة اللبنانية ، بحكم صدقية علاقتها الثنائية بإسرائيل ، سوى هذا الكائن القطري العجيب . كلنا يعلم أن هذا الكائن هو الأب الروحي للعلاقة الخاصة بين قطر وإسرائيل ، وأنه الممول الرئيسي لآليات مشروع الشرق الأوسط الجديد وتياره الليبرالي ، وعلى رأسها قناة الجزيرة ، وأنه بالتالي شيء أمريكي صهيوني مبرمج ، ولكن ماذا يقصد حينما يبادر تطوعا إلى التنكيل الذاتي ليس بكونه مجرد عميل عادي ، وإنما أيضا بفرضية كونه إنسانا عاديا . لقد برر هذا الشيء بتصريحاته الخالية تماما من احترام الذات ، كل ما يخطر ببال أمريكا وإسرائيل أن ترتكبه من جرائم بحق البشر عموما ، ولو كانت هناك عدالة نسبية في هذا العالم لوجد من يطالب بمحاكمته بتهمة التحريض على الإرهاب والجريمة الدولية . إن إنسانا ساديا بهذا القدر لا يمكن أن يصبح وزيرا للخارجية في أية دولة حقيقية . وبما أن الإفتراض المنطقي الوحيد أنه كان يتحدث من داخل سيكيولوجية مأزومة وانحراف سلوكي فإن من الطبيعي الإفتراض أنه لو عايش الجريمة النازية فسيكون أيضا من كوادرها المتطوعة . فالجرائم الأمريكية الصهيونية التي يجد لها عذرا ، هي عودة على جرائم الإبادة التي مارستها النازية .
إذن فإن القبح الإضافي الذي تجلى في تصريحات وزير الخارجية القطري ، كان فقط قبحا قيد الإكتشاف للنظام العربي ، يثير القرف ولا يثير الدهشة . ألذي يثير الدهشة حقا هو انتداب هذا الصهيوني المتطرف ، مع العريف الأمريكي عمرو موسى والشيخ الإماراتي الأعجوبة الذي قال أن المبادرة العربية السلمية لم تفشل ولكنها لم تنجح فقط ، ليفاوضوا أمريكا وفرنسا وباقي المجرمين الدوليين نيابة عن لبنان . هذه سوريالية سياسية لا يمكن تبرير دوافعها إلا سورياليا أيضا . لعل يأس لبنان الرسمي قد بلغ حد مراودة الإنتحار . لعل السنيورة قال بينه وبين نفسه علي وعلى المقاومة يا رب . ولعل المقاومة قالت دعهم يعودون بتبرير إماراتي للفشل ، وأقفية مصفوعة ليضحك الناس وينخرط السنيورة في البكاء . لعل ولعل ، ولكن بالمنطق المستدعى بالتجربة ، فإن هذه المبعوثية هي فصل تآمري عربي محتم ضد شعب لبنان ومقاومته . لقد قال القطري بشكل ملتو أن حزب الله إرهابي ، وأن الجماهير العربية تضغط على الحكام في الإتجاه الخاطيء حينما تؤيد المقاومة ، فهل ظل هناك منطقيا أي شيء تلجأ إليه الأنظمة العربية سوى أن تستنفذ كل قدراتها على التآمر لتحمي نفسها من الإرهاب وخطر الشعوب ؟
لقد شرح القطري للسنيورة ونبيه بري أن الصمود لم يعد في مصلحة لبنان بعد أن قررت إسرائيل وأمريكا عدم التراجع ، وبعد أن وصلت قنابل اليورانيوم المستنفذ إلى إسرائيل . وإذا كان هذا القطري ورفاقه سيبحثون شيئا مع بولتون أو " باربي السوداء " فسيدور حول إسداء النصيحة لهم حول المدى والكيفية لاستخدام هذه القنابل بدون تعريض بعض الأنظمة العربية لخطر السقوط . إضافة إلى أن الأمل ما زال يراود هذه الأنظمة في أن تنجح إسرائيل في القضاء على المقاومة اللبنانية قبل أن تصل الجريمة مداها الأكمل . وهذا يفسر الدعوة إلى قمة عربية لاحقة بعد عودتهم فاشلين طبعا من نيويورك كما يقتضي سيناريو المؤامرة . لقد قال القطري بعفوية تامة في المقابلة أنه قد أخذ إذنا من إسرائيل بحضور المؤتمر ، وأن الدول العربية الأخرى فعلت ذلك بشكل من الأشكال ، فهل سمحت لهم إسرائيل بذلك خارج إطار من المصلحة المشتركة ؟ إن إسرائيل لم تتميز بالكرم أو التوقف عن احتقارعملائها العرب في أمور تخص أمنها ومخططاتها . إنها دولة إسبارطية وليست دولة بروتوكول . لذلك فهي لا تملك تملك وعيا تفريطيا حتى في أدنى الحدود المحتملة . دولة تتعامل بعقلية المقامر المحترف مع كل من يتعامل معها ، وليس لديها استراتيجيين من البشر العاديين . لقد كانت تعرف يقينيا أن أي تدخل نظامي عربي على خط الصراع السياسي والعسكري سيكون جزءا من حربها المشتركة مع تلك الأنظمة المعرضة للخطر كيانيا من جانب المقاومة ، وإلا لما كانت منحتهم الإذن بحضور المؤتمر . هذا الإذن الذي تحدث عنه القطري بطريقة عفوية توقف شعر الرأس .
ألحرب في لبنان لن تتوقف إلا إذا سلمت المقاومة سلاحها . هذا هو القرار الأمريكي الإسرائيلي . واللاعب الغائب عن اللعبة هو الذي يستطيع أن يغير هذا القرار ، وهو الشعب العربي من أقصاه إلى أقصاه . وهذا هو ما يحاول النظام العربي منعه بأي ثمن ، حتى ثمن الدخول في الحرب إلى جانب إسرائيل لو احتاجت إلى ذلك . ولا يصح أن يبلغ بنا ترف التجاهل نسيان أن عدائية النظام العربي للمقاومة تفوق بالموضوعية عدائية أمريكا وإسرائيل وحلفائهما الدوليين . فهؤلاء الأخيرين يخوضون حربا عدوانية غير متكافئة من أجل مكاسب محددة ولا يخوضون معركة حياة أو موت كما هو الحال بالنسبة لآل سعود وآل ثاني وآل البيت وآل مبارك وآل الصباح وآل راشد وآل مكتوم وآل زايد . هذه الآلات ليس لها وجود مبرر على ساحة المعقول التاريخي ، وإنما هي ظواهر خلل يجب أن يستمر لتمدد بقاءها . لذلك فإنها أكثر شراسة من أمريكا وإسرائيل في النوايا . ولو كان للمنطق خيارات في هذه الحرب ، لكان أولى بأية مقاومة عربية أن تبدأ بتنظيف الساحة منها .
ستعود البعثة الثلاثية المدبرة من نيويورك ، باقتراحات أمريكية حول ماهية القوة الدولية ، يفترض حسب سيناريو المؤامرة أن تؤدي إلى فتح جدل لبناني داخلي ، يؤمل منه أن يؤدي إلى تمزيق الإلتفاف حول المقاومة تمهيدا لتصفيتها . هناك إجماع دولي عربي لا شك فيه حول وجوب ألا تستفيد المقاومة من أي حل ، بل على العكس من ذلك يجب أن تكون ضحيته . أمريكا وإسرائيل وجماعة الضباع الدوليين تدافع عن مخططاتها الجهنمية ، والأنظمة العربية تدافع عن حياتها الدنسة ، والمقاومة تدافع عن وجود ومستقبل أمة بأكملها ، ومع ذلك فقوى الشر أكثر التزاما ببعضها من التزام الشعوب العربية بالمقاومة . يبدو أننا سنضيع فرصتنا الأخيرة .
2010
2024-10-06